مقتل نائل أحي النقاش حول الجالية الجزائرية في فرنسا
مقتل نائل أحيا النقاش حول الجالية الجزائرية في فرنسا

من مسافة قريبة، أطلق أحد أفراد الشرطة الفرنسية النار على المراهق من أصول جزائرية، نائل مرزوقي، بزعم عدم امتثاله لأوامر بالتوقف، ليشعل موجة من الاحتجاجات العنيفة في البلاد ويعيد فتح ملف الأقليات العرقية المقيمة في فرنسا.

ويسلط برنامج "الحرة تتحرى" الضوء على صورة المهاجرين في فرنسا، وأعمال الشغب التي عقبت مقتل نائل،17 عاماً، الذي تقول الشرطة الفرنسية إنه لم يمتثل للأوامر، فيما ترى والدته ومعها الكثير من المحتجين أن قاتله " رأى وجهاً عربياً، فتى صغيراً، فأراد إنهاء حياته".

يقول أحمد بن شمسي، من منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية: "هي مأساة حقيقية، لكن مع شديد الأسف لم تكن مفاجئة، لأن هناك سلوكاً للشرطة في فرنسا، ما فتئ أن نندد به نحن ومنظمات حقوقية عديدة، هو ما يسمى التنميط العرقي".

وعلى الرغم من قيام السلطات الفرنسية بالاعتذار الرسمي، إضافة إلى توقيف الشرطي بتهمة القتل العمد، وفتح تحقيق في الحادث، سارعت الخارجية الجزائرية إلى إعلان موقفها من القضية.

يقول بيان لوزارة الشؤون الخارجية الجزائرية "علمت وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية في الخارج، بصدمة واستياء بوفاة الشاب نائل بشكل وحشي ومأساوي، والوزارة على ثقة بأن الحكومة الفرنسية ستضطلع بواجبها في الحماية بشكل كامل من منطلق حرصها على الهدوء والأمن اللذين يجب أن يتمتع بهما مواطنونا في بلد الاستقبال الذي يقيمون به".

وفي اليوم التالي لصدور البيان الجزائري، ندد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بما سمّاه "الاستغلال غير المقبول للحادث"، وسط أعمال شغب اجتاحت عدداً من مدن بلاده.

وقال ماكرون: "أدين بأشد العبارات، كل هؤلاء الذين يستغلون هذا الوضع، وهذه اللحظة، لمحاولة نشر الفوضى ومهاجمة مؤسسات الدولة".

يرى سليمان أعراج، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الجزائر، أن التيارات السياسية المحسوبة على اليمين المتطرف، تتبنى خطاباً عدوانياً عدائياً عنصرياً تجاه هذه الشريحة، التي تشكل جزءاً من المجتمع الفرنسي، ولا أدل على ذلك من حوادث القتل التي تعرض لها كثير من الشباب المغاربي، على يد الشرطة، أو أطراف أخرى في فرنسا، آخرها قضية نائل.

ويقول جان مسيحا، المتحدث السابق باسم التيار الوطني الفرنسي، "لا نود أن نجلب آخرين من الخارج، ونحن أصلاً لا نعلم كيف يمكن دمج المهاجرين المتواجدين في فرنسا، ونرحل المهاجرين غير الشرعيين المتواجدين (هنا). هناك أيضاً شيء لا نتكلم عنه، وهو نسل الأجانب، أو الطائفة الإسلامية بصفة عامة، أكثر بكثير من النسل القومي الفرنسي. فالهجرة من ناحية، والنسل من ناحية أخرى، يؤديان بطريقة بطيئة، ولكن مؤكدة، إلى نوع من استبدال الشعوب".

وبعد ست سنوات من استقلال الجزائر عن فرنسا، في ديسمبر عام 1968، وقّع البلدان اتفاقاً، يحدد شروط تنقل وإقامة وعمل المهاجرين الجزائريين.

وبموجب الاتفاق الجزائري الفرنسي لعام 1968، يتم تسهيل دخول الجزائريين إلى فرنسا، ويتمتعون بحرية تأسيس أو ممارسة نشاط تجاري، أو مهنة مستقلة، ويمكنهم الوصول إلى إصدار تصريح إقامة صالح لمدة عشر سنوات بسرعة أكبر من مواطني الدول الأخرى.

يقول جوزيف داوننغ، المحاضر بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، "بعد الاستقلال، وجد البلدان أنفسهما في موقف صعب جداً، كانت الجزائر مميزة لكونها عوملت كجزء من فرنسا، وكانت هناك روابط اقتصادية واجتماعية وعائلية،  بشكل لم يكن متوفراً لدى أي مستعمرة فرنسية أخرى، ولهذا كان لا بد من التوصل إلى اتفاق خاص لتسهيل التنقل الذي تقتضيه هذه العلاقات".

ويعيش في فرنسا اليوم 38 مليون نسمة، أكثر من عشرة في المئة منهم من المهاجرين.

وبحسب إحصاءات رسمية، يحتل الجزائريون المركز الأول بين هؤلاء بتعداد وصل، عام 2021، إلى 1.1 مليون نسمة.

أحد هؤلاء، محمد ماتاهري، الذي ولد في فرنسا وعاش فيها منذ ستينيات القرن الماضي، لكنه لم يحصل على جنسية البلد الأوروبي بحكم قانون الأحوال المدنية للبلاد.

ويقول: ماتاهري: "والداي من أصول جزائرية 100 في المئة، أتى أبي إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية للمساهمة في إعادة البناء ثم استقر هنا، ولكن لأنني من مواليد عام 1962، فأنا أعتبر جزائريا مقيما في فرنسا، على عكس الجزائريين الذين ولدوا في فرنسا بعد عام 1963، فحصلوا تلقائياً على الجنسية الفرنسية".

ويقول ابن الجزائر إنه لم يشعر بغربة في البلد الأوروبي، إلا أنه يرى أن وضع المهاجرين قد تغيّر.

ويضيف "اختلفت العقلية الفرنسية عما كانت عليه قبل 20 أو 30 أو 40 عاماً، أصبحت الحياة هنا صعبة، وتغير الناس، فهم يخلطون الأمور ولا يفرقون بين شخص سيء وآخر جيّد، وبالنسبة إليهم الجميع متشابهون، وهنا تكمن المشكلة". 

وتغيُّر وجهة نظر المجتمع الفرنسي حول المهاجرين عامة، والجزائريين منهم خاصة، يرجعه البعض إلى مشاركة هؤلاء في احتجاجات عنيفة خلال السنوات الماضية.

يقول داوننغ:"ناقش عديد من المعلقين أسباب خروج الشباب من أصول تعود الى شمالي أو غربي أفريقي إلى الشوارع في فرنسا، وارتكاب أعمال عنف ونهب للمتاجر، اقتصادياً، لا يزال كثير من هؤلاء غير قادرين على إيجاد فرص عمل أو تحصيل العلم، فهم يعيشون في مناطق مدارسها سيئة للغاية، وبالتالي لا يصلون إلى تعليم عالٍ ولا يتطورون اجتماعيا ولا يحصلون على وظائف مميزة".

وطرحت الصورة السلبية للمهاجرين على الأجندة السياسية الفرنسية في السنوات الأخيرة.

مارين لوبين، زعيمة اليمين المتطرف، والمنافسة السابقة على كرسي الرئاسة، والتي ارتكزت خطاباتها على وضع حد للهجرة إلى فرنسا، وبخاصة تلك القادمة من الجزائر، ترى أنه ما من سبب يجعل الجزائر التي ولد معظم سكانها بعد الاستقلال، تستفيد من التسهيلات الهائلة لإعطاء التأشيرات، المنصوص عليها في اتفاقية عام 1968.

وتزامنت رؤية لوبان مع ضغط سياسي مستمر من نواب اليمين الفرنسي للتراجع عن هذا الاتفاق.

وكان هناك اقتراح برلماني مقدم إلى الجمعية الوطنية الفرنسية طالب "من الحكومة إلغاء الاتفاقية الفرنسية الجزائرية، المؤرخة في 27 من ديسمبر عام 1968، ووضع حد لهذا الاستثناء القانوني، الذي يسهل هجرة المواطنين الجزائريين إلى بلادنا".

يقول مسيحا: "يجب أن نهود للوضع الذي كان متوفرا عام 1968، كانت هناك نهضة اقتصادية في فرنسا، وكانت فرنسا محتاجة إلى يد عاملة مكثفة، لتخدم في مصانعها في ذاك الوقت، وكانت البلاد المغاربية تود أن تورد اليد العاملة الفقيرة، التي كانت في بلادها، فكانت هناك مصلحة مشتركة هي التي أتت وتمّت بها اتفاقية عام 1968. طبعاً اليوم الوضع اختلف، ليست هناك نهضة اقتصادية، في فرنسا لدينا بطالة كبيرة، ولا سيما لجهة الأجانب أنفسهم، أو الفرنسيين من أصل أجنبي".

وترى منظمات حقوقية أن مواقف اليمين المعادية للمهاجرين تجعل فرنسا أرضاً خصبة للتمييز العنصري.

يقول بن شمسي: "مع شديد الأسف، سواء في فرنسا أو في دول أوروبية أخرى، وقد يكون هذا نتيجة مباشرة لتزايد السياسيين والسياسيات، الذين يستعملون الشعبوية لجلب أصوات في الانتخابات، والشعبوية غالباً ما تكون مبنية في أوروبا على شيطنة المهاجرين، وكل الذين تختلف أشكالهم عن السكان الأصليين الأوروبيين".

وسبّبت المطالبات الحزبية بوضع حد للهجرة إلى فرنسا في تراجع كبير في أعداد تأشيرات الدخول إلى البلد الأوروبي.

فبحسب أرقام رسمية، وبعد أن أصدرت القنصليات الفرنسية في الجزائر، أكثر من 400 ألف تأشيرة، عام 2017، عادت لترفض ما يقارب ثلثي الطلبات المقدمة من نحو ربع مليون جزائري، عام 2022.

وبحسب مؤسسة الابتكار السياسي الفرنسية للدراسات "بين عامي 2017 و2020 كان هناك سنوياً أكثر من عشرة آلاف جزائري يقيمون بشكل غير نظامي في فرنسا ويتعرضون للاعتقال، إضافة إلى ذلك، تمت إعادة عشرة آلاف آخرين بمجرد عبورهم الحدود، ولم يُسمح لهم بدخول الأراضي الفرنسية، ومعظمهم جاء بتأشيرة سياحية، وكان هذا هو السبب وراء ضرورة التشدد في إصدار التأشيرات للقضاء على المتقدمين للحصول على تأشيرة سياحية بنية غير معلنة للبقاء في فرنسا والاستقرار هناك بمجرد انتهاء مدتها".

هذا التشديد عاشه أيمن قوجيل، الشاب الجزائري، العاطل عن العمل في بلاده، والحالم بالرحيل إلى فرنسا.

وبقول قوجيل إنه في البداية "لم أفكّر في الهجرة غير النظامية، جرّبت حظّي، وطلبت تأشيرة مثل غيري، لكن لم أحصل عليها، لا في المرة الأولى ولا في المرّة الثّانية، فتيقّنتُ أنّها مضيعة للمال ولم يبقَ أمامي سوى طريق الهجرة غير النظامية".

وفي العاصمة الجزائرية، لا تزال صور رموز الثورة على الاستعمار الفرنسي مرفوعة في الشوارع، وجوه يؤكد عبد الصمد قادري، فخره بما حققه أصحابها.

وقادري، صحفي جزائري، يرى أن حرب التحرير لم تكن حرباً من أجل أخذ الاستقلال فحسب، بل هي ممارسة للمواطنة، على شكل مقاومة، على الأقل على شكل مواجهة استعمار. هذه النقطة الأساسية، لأن المستعمر هو شخص أراد أخذ منطقة بعينها بخيراتها، وطمس الهوية بغير حق.

أما عبد الصمد، الذي ولد في عائلة قاومت احتلالاً فرنسياً، طال أكثر من 130 عاماً، يرفض فكرة الهجرة وبخاصة إلى فرنسا.

ويتابع قادري "عندما نتحدث عن رسالة الشهداء.. يجب ألا نخون الأمانة، كيف يمكن أن نخون الأمانة؟ أخذ الأمر بالعين الشخصية، ومحاولة التغيير هو أمر مشروع، ولكن أن تغير هويتك، وتبحث عن جلد غير جلدك، فهذا الأمر غير مشروع".

وعلى الرغم من وجهة نظر البعض التي ترى في الهجرة نوعاً من الخيانة للقضية الوطنية، إلا أن قسماً كبيراً ممن ولدوا وعاشوا في فرنسا ويحملون جنسيتها لا يزالون متمسكين بأصولهم.

ولا يفوت حمزين عبد القادر فرصة إلا ويعود فيها إلى الجزائر.

ويقول عبد القادر: "أمي جزائرية، وأبي جزائري، يجب أن نتحدث الجزائرية في المنزل، ونحافظ على عاداتنا وتقاليدنا، بعض الجزائريين يظنون أننا مثل الفرنسيين، لكننا عكس ذلك، نحن مثل كل الجزائريين وبالعقلية ذاتها".

لكن عبد القادر لا ينكر ما يتعرض له هو وأقرانه من بعض المواطنين الفرنسيين.

ويضيف أن "هناك الفرنسي الجيد مقابل الفرنسي السيء، مثلما هي الحال في أي مكان، للفرنسي الجيد نظرة طبيعية تجاهنا من دون أي خلفيات، فيما الفرنسي السيء يعاملنا بعنصرية".

وقضاء العطلات، وزيارة الأقارب، اللتان تجذبان عبد القادر، لا يرى فيهما أيمن قوجيل ما يكفي للبقاء في الجزائر، فعلى الرغم من فشل محاولته للحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا مرتين، إلا أنه لا يزال يحلم بالعبور إلى الضفة المقابلة للمتوسط.

يقول قوجيل: "مازلت مصمّماً على الهجرة، وإن وجدت الفرصة فسأعاود الكرّة، لأنّني لم أستطع العيش هنا، ولم أتمكّن من تحقيق طموحاتي ولا أهدافي على الرغم من المحاولات والجهد، لا أعتبر فرنسا بمثابة الجنّة، لكن أريد أن أحقّقّ أهدافي التي لم أستطع تحقيقها هنا، أريد أن أجرّب حظّي في دولة أخرى تضمن لي حقوقي وامتيازاتي، لأتمكن من العطاء أكثر، لديّ ما أقدّمه ولم أجد من يدعمني هنا".

أما معاناة أيمن في إيجاد فرصة عمل في بلاده، تؤكدها إحصاءات البنك الدولي، التي تشير إلى أن نسبة البطالة في الجزائر بلغت، عام 2022، أكثر من 11 في المئة، إضافة إلى تقارير صحفية محلية ذكرت أن 38 في المئة من السكان يقبعون تحت خط الفقر.

يقول تقرير موقع "وورلد كرانش "الفرنسي للتحليلات الاقتصادية: "لا يزال الاقتصاد الجزائري يعتمد بشكل كبير على البترول، الذي يمثل نحو 90 في المئة من صادرات البلاد، ولم تعد هذه الثروة الهائلة من الموارد الطبيعية كافية لإخفاء الواقع الاقتصادي للبلاد، ومن المرجح أن تواجه الجزائر صعوبات خطرة، عام 2028، نتيجة للسياسات الاقتصادية غير الفعالة التي تنتهجها منذ الاستقلال".

يرى داوننغ أن فرنسا تظل وجهة الهجرة لكل من الجزائريين والمغاربة، وذلك لعدد من الأسباب، منها عامل اللغة والسبب الآخر هو التفاوتات الاقتصادية المستمرة، "فالمغرب والجزائر لديهما فرص اقتصادية أقل بكثير مما قد يحصل عليه أفراد من هذين البلدين في فرنسا، وهو أمر مثير للدهشة، لأن الجزائر تملك واحداً من أكبر احتياطيات البترول في العالم، والحكومة في الواقع ثرية جداً، إلا أن هذه الثروة لا تصل إلى المواطن العادي".

ودفع الواقع الاقتصادي الصعب  الآلاف من الجزائريين نحو محاولة الهجرة غير النظامية، خصوصاً وسط تقليص غير مسبوق لأعداد التأشيرات الأوروبية في السنوات الأخيرة.

يقول تقرير صحيفة "ذا غارديان" البريطانية إنه "وفقا للسلطات الإسبانية، وصل ما لا يقل عن عشرة آلاف جزائري إلى الساحل الإسباني عبر البحر، بين يناير وديسمبر من عام 2021، بزيادة قدرها 20 في المئة عنها في العام السابق، وينطلق معظم هؤلاء من ساحل الجزائر الغربي من مدن مثل وهران والشلف ومَغنية، خصوصاً في الصيف عندما يكون البحر أكثر هدوءاً".

وتمكن محمد شاوشي من الوصول إلى فرنسا عبر البحر قبل ست سنوات، لكن، ووفقاً لروايته، لم تشكل هذه المشاق نهاية المطاف.

ويقول شاوشي: "خلال تواجدي في فرنسا، تعرّضت لكثير من التّصرّفات العنصريّة، بخاصّة من المنتمين إلى اليمين المتطرّف، هناك فرنسيّون آخرون كانوا يعاملوننا بطريقة جيّدة، لكنّ أكثرهم لا يحبوننا لا يحبّون الجزائريّين والعرب".

ولم تستمر تجربة شاوشي الفرنسية أكثر من خمس سنوات قبل أن تنتهي بالترحيل، عام 2022.

يقول شاوشي: "عملت في مجال إصلاح السيارات عند شخص فرنسيّ، ولأنّني لا أملك وثائق ولا إقامة، كان يدفع لي راتباً صغيراً، وبمرور الوقت وعندما تمسكت بحقّي في زيادة الأجر جلبوا الشرطة، التي رحلتني إلى الجزائر".

وفي عام 2022، تم ترحيل أكثر من 400 ألف من المهاجرين غير النظاميين من دول الاتحاد الأوروبي، وجاءت فرنسا  على رأس قائمة الدول المنفذة لتلك الحملات، وتصدر الجزائريون لائحة الجنسيات المُرحَّلة بما يقارب 35 ألف شخص.

يقول مسيحا: "يُطالَب أولاً كل الناس، الذين هم مقيمون في فرنسا كأجانب، ببطاقات قانونية تسمح لهم بأن يمكثوا في فرنسا، إن عاش هؤلاءفي ظل البطالة منذ سنين، أو تسببوا بجرائم أو فوضى في فرنسا، فهم يطالبون طبعا مثل أي بلد أن يوقفوا بطاقات الإقامة لديهم ويرحّلوهم".

وضيف "أما بالنسبة إلى المهاجرين غير الشرعيين، هؤلاء حتى لو كانوا متواجدين في فرنسا من غير أن يتسببوا بأي جرائم أو أي فوضى، فإن على الدول أيضا ترحيلهم، لأن هؤلاء أتوا عبر الحدود بلا تصريح، ومثل أي بلد نحن نطالب بترحيلهم".

أما بالنسبة لسليمان أعراج، عميد كلية العلوم السياسية، من جامعة الجزائر، فيقول: "الجزائريون نجحوا في الاندماج في المجتمع الفرنسي، وهم اليوم حاضرون بقوة في كل القطاعات، ومتواجدون في مجال البحث العلمي، التكنولوجي، الاقتصادي، مجال الخدمات، وغير ذلك من المجالات الداعمة، والمدرّة للثروة في المجتمع وفي النظام الفرنسي. مساهمة المهاجرين الجزائريين في دعم الاقتصاد الفرنسي مساهمة إيجابية".

وما بين دعوات إلى الترحيل واتهامات بالخروج عن القانون في فرنسا ومصاعب اقتصادية في مسقط رأسهم، يجد الجزائريون أنفسهم بين شقّي الرحى: مستقبل غير واضح في بلادهم وآخر مجهول في مهجر يتصاعد فيه خطاب سياسي يدفع في اتجاه التمييز، لا المواطنة.

يسيطر الجيش العراقي على أطراف منطقة جرف الصخر.. فيما تسيطر الميليشيات على قلب المنطقة والمساحات الأوسع منها
الجيش العراقي يسيطر على أطراف منطقة جرف الصخر فيما تسيطر الميليشيات على قلب المنطقة والمساحات الأوسع منها

في خريف 2014، تحولت بلدة جرف الصخر إلى ساحة معارك بين قوات الأمن العراقية، المدعومة بميليشيا الحشد الشعبي من جهة، ومقاتلي تنظيم داعش الإرهابي من جهة أخرى.

ومنذ عام 2014، بدأ سكان جرف الصخر بالخروج منها تحت ضغط السلاح، حتى خلت تماما منهم بحلول عام 2017، نفس العام الذي أعلن فيه العراق دحر تنظيم داعش.

ومنذ ذلك الحين، تسيطر فصائل تابعة للحشد الشعبي العراقي، وأخرى تابعة للميليشيات، على منطقة جرف الصخر بشكل شبه كامل، وأطلقوا عليها اسم "جرف النصر"، بعدما غادر أهالي المنطقة الزراعية الخصبة مساكنهم، نتيجة العمليات العسكرية.

وتحذر تقارير إعلامية من أن هذه المنطقة، التي تتواجد في بغداد على أرض ذات سيادة عراقية، أصبحت بمثابة "قاعدة عمليات لإيران".

برنامج "الحرة تتحرى" تتبع قصة النازحين من جرف الصخر، ومحاولتهم للعودة إلى مناطقهم التي أصبحت محرمة عليهم، وتحت سيطرة الميليشيات الموالية لإيران، وكأنها "ثقب أسود وسط العراق".

وداد محمد حسون، نازحة من جرف الصخر تقول لـ"الحرة": "لم نستطع البقاء، زاد القصف علينا، وبدأت المنازل بالسقوط، ما دفعنا للخروج".

وبدوره، يقول مالك علي مزهر للحرة، وهو أيضا نازح من جرف الصخر: "أجبرنا على الخروج من الجرف، لم نستطع البقاء"، فيما تقول النازحة، عجمية محمد عبد "قالوا لنا أخرجوا يومين أو 3 وتعودون.. خرجنا وحتى الآن لم نعد".

ووفقا لتقرير معهد دراسات الحرب الأميركي، أخلت الميليشيات العراقية الموالية لإيران جرف الصخر من سكانها، وطوقتها منطقة مغلقة، ممنوع دخولها وغيرت اسمها لـ"جرف النصر".

مايكل نايتس، زميل بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى قال لـ"الحرة" إن "ما هو مهم جدا في جرف الصخر، أنها كبيرة، لا يسمح لقوات الأمن العراقية بدخولها، المنطقة ضاعت وصارت كثقب أسود في العراق، جزء منه تسيطر عليه إيران، ولا أحد في البلاد يمتلك السلطة لاستعادتها".

أُخليت الناحية تماما من سكانها، وفي غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة يقول ناجي حرج، مدير مركز جنيف الدولي للعدالة في سويسرا "حصل عملية تهجير واسعة النطاق لسكان جرف الصخر، الأرقام تتراوح بين 130 ألف، إلى 150 ألف".

محمد سلمان الطائي، نائب عراقي سابق عن محافظة بابل، يقول إن "منطقة جرف الصخر، موقع عسكري استراتيجي يتحكم بمناطق مهمة، فهي تحد بابل وكربلاء والأنبار".

معسكر الميليشيا في جرف الصخر تعرض للقصف في مارس الماضي
نازحو جرف الصخر في بابل.. اتهامات لكتائب حزب الله بعرقلة العودة
قالت سلطات محافظة بابل، وسط العراق، إن "عودة النازحين إلى منطقة جرف الصخر، تحتاج إلى قرار سياسي"، لأن "فصائل الحشد الشعبي تمسك الملف الأمني في المنطقة"، فيما اتهم نازحو المنطقة ميليشيا كتائب حزب الله بالسيطرة على مناطقهم وأراضيهم الزراعية، ومنعهم من العودة إليها.

ويضيف في حديث لموقع "الحرة"، أن "السيطرة على جرف الصخر لها أبعاد سياسية واستراتيجية مهمة".

ويشير الباحث نايتس إلى أنه عندما دخل الحشد الشعبي لجرف الصخر "كان هناك الكثير من القلق، والقليل جدا من رصد انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتبكتها الميليشيات العراقية، وكل ما حدث اعتبر دفاعا عن بغداد، لذلك لم يطرح أحد أسئلة".

النازحون من جرف الصخر لجأ غالبيتهم إلى عامرية الفلوجة التي تبعد أكثر من 60 كلم من شمالي مدينتهم، حيث زودتهم السلطات بالخيام، فيما انتقل العديد من النازحين إلى مخيمات بسيبس العشوائية.

وفي أواخر عام 2022، أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أنه ستتم إعادة كل النازحين إلى مناطقهم المحررة من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، من بينهم نازحي جرف الصخر.

ووفق قاعدة البيانات الرسمية، تضم 7500 عائلة مسجلة نازحة من جرف الصخر، إذ تم استثنائهم من العودة إلى مناطقهم.

ولم ترد وزارة الهجرة والمهجرين العراقية على استفسارات موقع "الحرة" بشأن النازحين العراقيين من جرف الصخر.

مقربون من الحشد الشعبي، أكدوا لـ"الحرة" صعوبة عودة النازحين إلى جرف الصخر. وقال المحلل السياسي العراقي، مفيد السعيدي إن "هذه المنطقة كانت تهدد أقدس المناطق في العراق، وهي كربلاء، واليوم في ظل مظهر مشوه من ملف النازحين، وأقول أنا حررت، تفضلوا عودوا لأرضكم..".

وقال إنه "في حال فتحنا الباب وأعدنا الأهالي ستعود هذه العصابات، وتعود الحاضنة الأساسية التي كانت ترعاهم في تلك الفترة".

ونفى النائب السابق الطائي، المزاعم بسيطرة داعش على كل المنطقة، وقال "إن داعش سيطر على قلب المنطقة فقط، وباقي المناطق لم تكن هناك سيطرة للتنظيم عليها، وغالبية السكان من العشائر المسالمة التي لا دخل لها في أي نزاع".

وفي الجزء الثاني من التحقيق، بحثت "الحرة تتحرى" عن أسباب إجبار بلدة جرف الصخر على النزوح من بلدتهم؟ وهل كان خطر الإرهاب مجرد ذريعة لسيطرة الميلشيات الكاملة على الناحية؟

وفي أكتوبر من 2014، أعلنت قوات الحشد الشعبي تحرير جرف الصخر من تنظيم داعش الإرهابي.

وقال تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في تلك الفترة، إنه "بعد 4 أشهر من المعارك بين تنظيم داعش والجيش العراقي، تدفق نحو 10 آلاف من رجال الميليشيات الشيعية الموالية للحكومة إلى هذه المنطقة، وفقا لهادي العامري قائد فيلق بدر المدعوم من إيران والذي نسق العملية".

ويقول المحلل السياسي، السعيدي إن "جميع التفجيرات كانت تأتي عن طريق جرف النصر.. حتى دخول الحشد الشعبي إليها وبسط الأمن فيها".

وحسب قاعدة بيانات الإرهاب العالمي، تبين أنه خلال فترة 7 أشهر بدءا من مارس 2014، تم توثيق 7 هجمات في جرف الصخر.

ويقول نايتس إنه "كان يوجد أفراد من داعش في جرف الصخر، لكن هل احتاجت قوات الحشد الشعبي إلى إخراج كل مواطن سني من المنطقة؟ الإجابة، لا.. كان عدد أفراد التنظيم في هذه المنطقة صغيرا جدا".

ويؤكد نازحون أنه رغم المعارك التي كانت تدور في المنطقة فإنهم لم يرغبوا بالخروج، لكن القوات أجبرتهم على ذلك.

معسكر الميليشيا في جرف الصخر تعرضت للقصف سابقا

مدير مركز جنيف الدولي للعدالة في سويسرا، حرج، يسرد لـ"الحرة" ما حصل حينها في جرف الصخر، ويقول: "حدث هجوم من 3 ميليشيات أساسية: كتائب حزب الله، فيلق بدر، وعصائب أهل الحق على المدينة بذريعة عناصر من تنظيم داعش".

واعتبر أن "الغريب أنهم تحدثوا عن تحرير للمدينة وفي الوقت ذاته تم تهجير الأهالي".

ورغم السماح بخروج الأهالي، فإن الميليشيات ألقت القبض على جميع الرجال والفتيان، حسب حرج.

ويؤكد الباحث الأميركي، نايتس، أن جرف الصخر كانت محط أنظار الميليشيات لسنوات، ولأهداف محددة، فما حدث في هذه المنطقة "عقابا للسُنة في المدينة".

وبعد سنوات من تهجير السكان، قال رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، في مقابلة إعلامية إن "جرف الصخر الآن معسكر.. معسكر للفصائل المسلحة، ولا أحد قادر على دخولها".

وقال رئيس الحكومة العراقية الأسبق، إياد علاوي، في تصريحات متلفزة، إن "جرف الصخر أصبحت مستقلة فيها معامل ومصانع ومعتقلات". 

ورغم مرور 10 سنوات على مغادرة مدينتهم، ما زال أهالي جرف الصخر محرم عليهم العودة، فيما أصبحت منطقة عسكرية تعتبرها طهران "مخزنا عسكريا"، لأنها تحتوي على مبان فارغة ولا يسمح لأي أحد بدخولها، وفق نايتس.