من اخترع الحمّص.. العرب أم الإسرائيليون؟

طبق الحمص

بقلم حسين عبد الحسين/

لم يسلم الجدل حول أصل الأطباق الشرق أوسطية من حدة الصراع العربي الإسرائيلي، بل أخذ طابعا قبليا، يعلو فيه الصراخ والشتائم، ويخبو فيه النقاش والفكر.

آخر المواجهات الحامية عبر موقع تويتر جاءت إثر تغريدة كتبتها رايتشل راي، وهي من الوجوه الأميركية التلفزيونية المعروفة والمتخصصة ببرامج المأكولات والأطباق. "عطلة عيد الأنوار (اليهودي هانوكا) - ليلة إسرائيلية، مازة ورق عنب محشي، حمّص، مُتبّل الشمندر، مُتبّل الباذنجان والطماطم المجففة، مُتبّل الجوز والفليفلة الحمراء (محمّرة)، وتبّولة".

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالغضب العربي، الذي كلله الناشط الأميركي من أصول لبنانية جيمس زغبي بالرد مغردا: "اللعنة يا رايتشل راي. هذه إبادة ثقافية. هذه ليست مأكولات إسرائيلية، بل عربية لبنانية، فلسطينية، سورية، أردنية". وأضاف زغبي: "أولا يأخذ الإسرائيليون الأرض ويطهرونها من العرب عرقيا، والآن يأخذون الأكل والثقافة وينسبونها إليهم أيضا". ويختم زغبي تغريدته بالقول: "يا للعار!".

"حرب الحمّص" بين العرب والإسرائيليين مندلعة منذ فترة، إذ تنافس اللبنانيون والإسرائيليون على تقديم أكبر صحن حمّص لتسجيله باسم بلادهم في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. لكن السؤال يبقى: من اخترع الحمّص؟

الإجابة على هذا السؤال معقّدة، وتفتقر إلى الأبحاث الأكاديمية المقبولة، باستثناء الأكاديمي اليهودي العراقي سامي زبيدة، صاحب الأعمال الرصينة التي تعالج تاريخ المأكولات والأطباق المشرقية في كتابه "طعم الزعتر: الثقافات المطبخية في الشرق الأوسط".

يقدم زبيدة عددا من النقاط التي تفوت ناشطي "حرب الحمّص"، من قبيل أن الطماطم اكتشاف حديث، دخل المطبخ المشرقي بعد اكتشاف الأوروبيين القارة الأميركية واستيرادهم هذه الفاكهة منها، وكان ذلك قرابة القرن السابع عشر، وهو ما يجعل من كل الأطباق الشرقية المستندة إلى الطماطم، أو صلصتها، من الأذواق الحديثة نسبيا.

قبل صلصة الطماطم، استند المطبخ المشرقي — في المنطقة الممتدة من وسط آسيا إلى الأناضول — إلى الرمّان وعصارته، وما يزال العراقيون يستخدمون "رُبّ الرمّان" في الأطباق التي يستخدم فيها المشرقيون "رُبّ البندورة (الطماطم)"، فيما تستند الأطباق القوقازية إلى مزج الأطعمة الحلوة المذاق باللحم، مثل كبّة الكرز الجورجية والأرمنية.

ومن أبحاث زبيدة المثيرة للاهتمام سبب تسمية الأميركيين للديك الذي تم اكتشافه في قارتهم بـ "التركي". ويقول زبيدة إن الإسبان استوردوا هذا الطائر من "العالم الجديد" إلى اسطنبول، التي صدّرته بدورها إلى العالم الأنغليكاني في أوروبا الغربية، فاكتسب الطائر اسم "التركي"، وحمل الأنغليكان الاسم معهم إلى أميركا الشمالية.

أما في تركيا، فمازال محافظا على اسمه "طاووق هندي" أي "دجاج هندي"، نسبة إلى "الهنود الحمر"، حسب التسمية التي أطلقها الأوروبيون على سكان أميركا الأصليين. أما في لبنان، فاسمه "ديك حبش"، نسبة لبلاد الحبشة ولسواد لون الطائر.

الأطباق التي يختصم عليها العرب والإسرائيليون ليست حصرية لأحد منهم، بل هي أشكال محلية وإقليمية لتراث عالمي يتفاعل منذ آلاف السنين، والأصح ربط المطبخ الفلاني جغرافيا بالمنطقة الفلانية، لا ثقافيا واجتماعيا بمن يسكنها، فالأطباق قبل عصر العولمة الأخيرة مرتبطة بما تنتجه الأرض، لا بما يمكن استيراده.

في وثائقي "وداعا بغداد"، عن اليهود الذين أجبروا على ترك بغداد، تقول يهودية عراقية من المهاجرات إلى إسرائيل إن الأشكناز القادمين من أوروبا كان يتهكمون على مأكولات اليهود العراقيين لرائحتها. وتقول السيدة في الوثائقي إن الأشكناز كانوا يأكلون النقانق فيما السفارديم، مثل يهود العراق، كانوا يأكلون مأكولات مطبوخة بالعنبة الهندية وباقي البهارات الشرقية ذات الرائحة الطاغية.

لم ينتقل يهود العراق إلى رامات غان، ضاحية تل أبيب، ومعهم تبّولة، وهي من الأطباق القليلة ذات الحصرية اللبنانية، بل انتقلوا من بغداد بعدما اعتادوا أكل الفسنجون (جوز مطحون مع رُبّ الرمّان والدجاج)، وتمن (رز) ومرق اللحم. ومازال اليهود العراق مطاعم ومحلات تبيع الأطباق العراقية في تل أبيب اليوم.

على أن الطاغي في إسرائيل هو المطبخ المحلي، المشرقي المتوسطي المشترك والممتد من مقدونيا إلى الجزيرة الفراتية، ويمكن لأي ممن يعيش في هذه الأرض، بغض النظر عن إثنيته أو جذوره، أن ينسب هذه المأكولات لمطبخه. ولا يمكن ادعاء الحصرية عليها.

يعلّق أحد الظرفاء على "حرب الحمص" بين العرب والإسرائيليين بالقول إن المفارقة تكمن في أن أشهر بائع فلافل في بيروت يحمل اسم "فلافل صهيون".

ربما لأن المسلمين والإسرائيليين أولاد عم، حسب روايتيهما الدينية. لا بد من قبول أنهم يشتركون في بعض تراثهم ومأكولاتهم تاريخيا، منها الحمّص على الأقل، ولا بأس من إبقاء المأكولات والأطباق خارج النزاع القبلي و"التطهير العرقي"، حسب السيد زغبي.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)