داعش والتحريق بالنار والسلف الصالح  

لقي إعدام داعش للطيار الأردني معاذ الكساسبة عالمية إدانة واسعة

بقلم عبد الحفيظ شرف/

قبل أسابيع قليلة نشر داعش عبر شبكاته الإعلامية فيديو لتحريق طيار سوري تابع لنظام بشار الأسد بعد أن وقع بين أيديهم أسيرا ليذكرنا بفيديو تحريق الطيار الأردني معاذ الكساسبة الشهير والذي سبب صدمة كبيرة جدا للعالم بأسره من بشاعة المشهد فأصبحنا جميعا نتساءل هل هؤلاء بشر؟ وهل لديهم قلوب؟ أم أننا نتعامل مع وحوش فقدوا إنسانيتهم بشكل كامل. وبالرغم من أن هذا الطيار الأسدي قتل الكثيرين وقصف القرى والمدن ولكن علينا جميعا أن نطالب بمحاكمة عادلة له، تحدد له العقوبة المناسبة، ثم يقوم القضاء بهيئاته التنفيذية بتنفيذ الحكم الصادر من المحكمة بطريقة إنسانية تحترم حقوق الإنسان فنحن لا يجب أن نعامل الآخر بالمثل بل يجب علينا أن نعامله بمبادئنا وبما نطالب بتطبيقه من مبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان.

داعش بين في الفيديو الذي أصدره وبشكل لا يقبل الشك أنهم بفعلهم هذا يتبعون فتاوى للسلف الصالح بحسب تعبيرهم وأن هذا الفعل أجازه الكثير من العلماء الربانيين بحسب وصفهم بل يزعمون أن عددا من الصحابة قام بهذا الفعل، ونقلوا عددا من الفتاوى المنشورة في كتب التراث فهل هذا صحيح ؟

قمت ببحث مطول حول الموضوع فوجدت أن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قال: (إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله)، رواه البخاري وهذا الحديث صريح صحيح واضح للغاية في تحريم التحريق بالنار.

وبالمقابل أورد ابن القيم أن خالد ابن الوليد كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب يُنكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر الصحابة فسألهم فكان أشدهم في ذلك قولاً علي فقال: نرى أن نحرقه بالنار فاجتمع رأي الصحابة على ذلك. وقد قطع ابن القيم بثبوت هذه الحادثة. وعن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرق قوما، فبلغ ابن عباس فقال: (لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله). رواه البخاري.

وأما ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام وهو المرجع الرئيسي للفكر السلفي الجهادي والتقليدي كذلك والذي يعتبره أهل هذا الفكر إمام أهل السنة والجماعة فقد نقل عن كثير من الفقهاء قولهم بجوازه فقال: (هكذا قال كثير من الفقهاء إذا قتله بتحريق أو تغريق أو خنق أو نحو ذلك فإنه يفعل به كما فعل ويقصد هنا القصاص أو المعاملة بالمثل كما ذكر حتى لو كان ذلك بالحرق أو التغريق. ومن المشايخ المعاصرين فقد قال ابن عثيمين بجواز التمثيل بالكفار وتعذيبهم قصاصا وقال إذا لم نفعل ذلك فهذا ذل.

وهنا سأكون صريحا وجريئا في الحديث عن هذا الموضوع فقد صدم المجتمع بأسره بمشهد تحريق الطيارين واستنكر المسلمون ذلك وعادوا إلى الفطرة الإنسانية السليمة لديهم. ومن خلال عاطفة دينية برأوا الإسلام من ذلك وهو بالفعل براء من هكذا أفعال وكان هذا واضحا من خلال الحديث النبوي الشريف الذي ذكرته في بداية المقال وهو: (إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وأن النار لا يعذب بها إلاّ الله) وفي الحديث الآخر (لا تعذبوا بعذاب الله) ولكن ما حصل هو أننا لم نستطع تحريم الفعل الذي قام به بعض الصحابة ولم نستطع الاعتراف بأن هذا خطأ ومخالفة واضحة للنهج النبوي الشريف، وإنما بدأ العلماء بتبرير هذا الخطأ من خلال مبررات غير مقنعة فابتدأوا البناء بخطأ وتراكمت الأخطاء فوقه من خلال التبرير لهذا الخطأ واختاروا أن يصنعوا من هذه القضية قضية خلافية كي لا يعترفوا بخطأ واضح وصريح. مع أنه في الاعتقاد السائد أن الصحابة رضوان الله عليهم بشر وأنهم يصيبون ويخطؤون وأنهم غير معصومين ولكن على أرض الواقع لم يستطع أحد الاعتراف بهذه الحقيقة.

أتيت بالأدلة والآراء المؤيدة والمجيزة للتحريق من الكتب التي ذكرت فيها حتى نعلم جميعا أن هذا موجود بالفعل في كتب التراث وأن هذه الكتب مليئة بمثل هذه الأقوال المتشبعة بالعنف الذي انتشر في فترة زمنية شاعت فيها الحروب فتمكنت القسوة من عقول المفكرين والعلماء بسبب البيئة الصحراوية والحروب المنتشرة في ذلك الوقت وانعكس ذلك على آرائهم. وما حصل بعد ذلك هو إلباس هذه الآراء لبوس القدسية الذي ألبسناه لأصحابها من دون التدقيق في الرأي ذاته ومن دون مراجعته بشكل دقيق.

ولو ذهبتي عزيزتي القارئة وعزيزي القارئ إلى الشارع العربي في أي عاصمة عربية وذكرت للناس الرأي مجردا من اسم صاحبه فستجد استنكارا واضحا لهذا الرأي بل واتهاما صريحا وواضحا لصاحب هذه الفتوى أنه يهدف إلى تشويه الدين وستنسب هذه الفتاوى مباشرة لفكرة المؤامرة وأن الغرب هو من ويصدر مثل هذه الفتاوى بحيث يلبس على المسلمين دينهم، ولكن بمجرد ذكر ابن تيمية مثلا على أنه صاحب الفتوى فستجد كمية كبيرة من المبررات له وسيتم سحب كل العبارات التي ذكرت سابقا وسترى الخوف الشديد من انتقاد آرائه فهو شبه مقدس لدى البعض وبالذات أتباع المنهج السلفي وأذكر هنا ابن تيمية كمثال فقط للتوضيح ومثله إذا ذكرت اسم ابن القيم مثلا.

وحتى أكون منصفا فسأذكر كذلك أن هناك عددا من الصحابة والأئمة خالفوا هذا ورفضوه رفضا قاطعا واعتبروا التحريق محرما وأنه عمل لا إنساني بل واعترفوا أن بعض كبار الصحابة قد أخطأوا من خلال هذا الفعل كالإمام ابن عبد البر والصنعاني وسبقهم إلى ذلك الصحابي الجليل ابن عباس وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وغيرهم.

وهنا أتساءل كيف يمكن لأي إنسان أن يقبل حتى مجرد الاختلاف في هذا الموضوع، فمجرد الاختلاف في تعذيب البشر وتحريقهم هو جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون . فالخالق العظيم سبحانه وتعالى كرم الإنسان وعظمه فما بالك بمن يحاول من خلال هذا الاختلاف أن يصنع رابطا شرعيا دينيا بين التحريق وبين الدين.

تراثنا مليء بالشوائب والأخطاء ويحتاج إلى عملية تنقيح وفلترة، فهذا التراث زاخر بمثل هذه الآراء التي لو تعمق فيها المسلم قبل غيره سيصاب بصدمة كبيرة مما يقرأ في هذه الكتب لأنه سيحاكم هذه الآراء من خلال فطرته الإنسانية السليمة التي ترفض كل أشكال العنف وهو بفطرته السليمة يتمنى الخير والسلام للجميع. أعتقد أن أفضل مشروع في هذا العصر هو مشروع تنقيح التراث وفلترته وحذف كل ما يخالف الفطرة والمبادئ الإنسانية والدين الإسلامي فنحن لسنا مضطرين أن نتحمل تابعات آراء مفكرين أو علماء اختاروا هذا الرأي أو ذاك فلماذا نجعل من آرائهم دينا وشرعا بالرغم من أنه يخالف وبشكل واضح رحمة الدين وسماحته .

أحبتي أعتقد أن علينا جميعا الدعوة إلى التنوير والتجديد بعد فلترة وتنقيح التراث لنصفي هذا الدين الإسلامي من الشوائب التي علقت به وشوهت صورته وأدت بالفعل إلى هذا الإرهاب المخيف الذي انتشر عبر داعش والقاعدة ومثيلاتها والتي تستخدم هذه الآراء بالفعل ، لذلك علينا أن نعمل سويا على معالجة هذه المشكلة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)