المحامي الصيني تشين جيانغانغ
المحامي الصيني تشين جيانغانغ

وصل محام صيني ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان الأحد إلى الولايات المتحدة على متن طائرة على الرغم من فرض السلطات الصينية في أبريل حظرا على سفره ومنعها إياه من مغادرة الأراضي الصينية.

وقال تشين جيانغانغ في بيان لوكالة الصحافة الفرنسية بواسطة أحد أصدقائه "لقد وصلت مع عائلتي إلى مطار جون كينيدي في نيويورك في وقت متأخر من ليل الثالث من أغسطس 2019".

وكانت أجهزة الجمارك في مطار بكين قد منعته في أبريل من المغادرة فيما كان يستعد للصعود إلى طائرة متوجهة إلى سياتل وقيل له حينها إنه ممنوع من مغادرة البلاد.

وكان قد اختير لدراسة اللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة ضمن برنامج هيوبرت همفري الذي يحمل اسم نائب الرئيس الأميركي الراحل، والذي يقدم منحة تعليمية لمدة عام في الولايات المتحدة للقادة الناشئين من حول العالم.

وقد دافعت الصين عن حظر السفر معتبرة أنه "يتوافق مع القوانين الصينية"، فيما اعتبرته وزارة الخارجية الأميركية مثيرا للقلق.

وقد أوقعه عمله كمحام مدافع عن حقوق الإنسان في مشاكل مع السلطات الصينية.

وقد تولى تشين الدفاع عن تشي يانغ وهو محام يتولى قضايا سياسية حساسة لا سيما الدفاع عن النشطاء المطالبين بالديمقراطية في هونغ كونغ، والذي شملته حملة توقيفات طاولت في عام 2015 نحو 250 ناشطا ومحاميا.

وبقي تشين متمسكا بالدفاع عن القضية على الرغم من أن السلطات الصينية قد سحبت منه توكيل الدفاع عن شي، وقد شدد على تعرض موكّله للتعذيب خلال فترة توقيفه لدى الشرطة.

وفي حادثة منفصلة وقعت في عام 2017 نددت بها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أوقف تشين خلال قضائه عطلة مع عائلته في إقليم يونان الواقع في جنوب البلاد.

وقد سمح لزوجته وطفليه بالعودة إلى بكين على متن طائرة، أما تشين فقد قال إنه اقتيد إلى بكين على متن سيارة في رحلة بطول 3200 كلم بمواكبة الشرطة.

وفي بيانه الأحد قال تشين "لقد تعرّضت لتهديدات مباشرة من قبل مسؤولين يمثّلون الحكومة الصينية لمجرّد ممارستي مهنتي في اتّباع القانون والدفاع عنه".

وتابع أنه تعرّض لتهديدات بـ"الإخفاء القسري والتعذيب والموت".

 

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.