حوامة روسية من طراز بومورنيك ترسو على شاطئ مكتظ بالسياح
حوامة روسية من طراز بومورنيك ترسو على شاطئ مكتظ بالسياح

لم يكن الانفجار ذو الطابع النووي الأخير الذي وقع قرب مدينة سيفيرودفينسك الروسية، مجرد تجربة عسكرية عابرة، فسجل العسكرية الروسية حافل بالتجارب الفاشلة التي كاد بعضها أن ينتهي بكارثة.

وكانت روسيا قد اعترفت السبت بأن الانفجار الذي وقع في قاعدة لإطلاق الصواريخ في شمال البلاد ينطوي على طابع نووي، واكتفت وزارة الدفاع الروسية بالقول إن الانفجار وقع خلال القيام بتجربة "محرك صاروخ يعمل بالوقود السائل".

​​وقد أسفر الحادث عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل، وإصابة ستة آخرين، فضلا عن أزمة بيئية تمثلت في حظر أنشطة السباحة والصيد في مياه خليج دفينا حيث اكتشف وجود وقود صاروخي عالي السمية يطلق عليه "هبتيل".

​​​​​وهذه أبرز التجارب العسكرية الروسية الفاشلة.

1- حادثة الغواصة النووية - 2019

​​

 

 

فشل عسكري كاد أن يتحول إلى كارثة نووية، بعدما شب حريق في غواصة روسية خلال يوليو الماضي.

وكان وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، قد أعلن في الرابع من يوليو الماضي، أن حريقا شب في غواصة روسية كانت في مياه القطب الشمالي، قد أودى بحياة 14 بحارا، من دون أن يطال محركها النووي.

وكانت صحيفة "كومرسانت" الروسية قد نقلت عن مصدر عسكري قوله إن الحريق بدأ بسبب تماس كهربائي في إحدى لوحات القيادة ما أدى إلى اشتعال كابلات وزيوت قبل أن تصل إلى أنابيب التهوية، ما أدى إلى انتشار الدخان في كل أقسام الغواصة.

​​وأضاف أنه عند اندلاع الحريق كان أفراد الطاقم في استراحة ولم يتمكنوا من ارتداء بزاتهم الواقية، موضحا أن خمسة منهم فقط نجوا عبر السيطرة على الحريق وإعادة الغواصة إلى سطح المياه.

وذكرت الصحف الروسية أن الغواصة هي من فئة "آيه إس-31"، وهي نسخة محدثة من "آيه إس-12" وتسمى أيضا "لوشاريك". وأضافت وسائل الإعلام الروسية أن الغواصة سرية مخصصة للعمليات الخاصة أو للأبحاث، ويمكن أن تصل إلى عمق ستة آلاف متر.

2- حاملة الطائرات الروسية - 2009

​​

 

 

​​"أدميرال كوزنيتزوف"، هي حاملة الطائرات الوحيدة لدى روسيا، تعتبر قديمة نسبيا إذ تم الانتهاء من بنائها في 1985، وقد أدى قدمها إلى حدوث العديد من المشاكل انتهت بكوارث.

أحد أبرز الكوارث التي حدثت على متن الطائرة، هو تحطم طائرة ميغ-29 أثناء محاولة هبوطها على متن الحاملة في نوفمبر 2016، ولم يمر أسبوع عقب هذه الحادثة إلا وأعقبها تحطم مقاتلة SU-33 عندما حاولت أيضا الهبوط على متن الناقلة.

كما تعاني الحاملة من مشاكل على مستوى الطاقة، إذ تسببت دائرة كهربائية قصيرة في اندلاع حريق أدىإلى مقتل أحد أعضاء طاقم السفينة في عام 2009.

وبعد شهر من حادثة الحريق، تسببت الناقلة القديمة في إحداث بقع كبير من النفط، بعد فشل تزويدها بالوقود أمام سواحل آيرلندا.

3- فشل دبابة "تي-80" - 1994 

​​

 

 

دبابة من طراز T-80

​​​​كانت دبابة T-80 السوفيتية التي أنتجت في عام 1976 واعتمدت على محرك غاز لتشغيلها، مثالا آخر لفشل الصناعات الروسية، وذلك بعد مشاركتها في الحرب الشيشانية الأولى (1994-1996).

ووجد الجنود الروس الذين كانوا يشغلون دبابات T-90 خلال الحرب أنها غير ملائمة لحرب المدن التي أرسلوا للمشاركة فيها، وذلك لأنه عند إصابة الدرع الجانبي للدبابة، تنفجر الذخيرة غير المستخدمة المخزنة في آلة التحميل الآلي، وبالتالي تدمر الدبابة بأكملها.

الدبابة كانت بمثابة فشل ذريع، دفع وزارة الدفاع الروسية حينها إلى عدم تصنيع هذا التصميم من الدبابة مرة أخرى.

4- أزمة صاروخ رادوغا - 2002

​​

 

 

صاروخ روسي من طراز KH-22

​​صممت روسيا صاروخا يدعى Raduga KH-22 في عام 1962 من أجل استهداف حاملات الطائرات والسفن الأميركية، وهو الأمر الذي لم يحدث، بينما أطلق الصاروخ بالخطأ على إحدى الدول المجاورة لروسيا.

كان هذا ما حدث في عام 2002، عندما أطلق صاروخ KH-22 بالخطأ باتجاه منطقة أتيراو غرب دولة كازاخستان، خلال مناورات عسكرية روسية، الأمر الذي تسبب في إحراج وزير الدفاع الروسي حينها سيرجي إيفانوف.

5- واقعة الحوامة - 2013

​​

 

​​بينما كان مرتادو شاطئ ساحل بحر البلطيق يستمتعون بحمامات الشمس، فوجئوا بآلة روسية عملاقة تشق البحر بسرعة كبيرة نحو الشاطئ.

ولحسن الحظ، فإنه لم يتعرض أي شخص من الموجودين بشاطئ "متشنيكوفو" المكتظ بالسياح آنذاك لأي أذى جراء الحوامة الروسية "بومورنيك" التي شقت طريقها نحو الشاطئ بسرعة جنونية خلال عام 2013.

وقد علق المتحدث باسم البحرية الروسية حينها، أنه كان مقررا إخلاء الشاطئ من الرواد حتى يتم تنفيذ التدريب العسكري، الأمر الذي لم يحدث.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.