فوضى في مطار هونغ كونغ
فوضى في مطار هونغ كونغ

شهد مطار هونغ كونغ الثلاثاء يوما ثانيا من الفوضى مع تعليق أو الغاء مئات الرحلات بسبب تجمع المحتجين المطالبين بالديمقراطية فيما حذرتهم رئيسة السلطة التنفيذية من مغبة سلوك "طريق اللاعودة".

وتأتي التظاهرة الجديدة بعد أن وجهت الصين إشارات متزايدة بشأن وجوب انتهاء الاضطرابات المستمرة منذ 10 أسابيع، وبثت وسائل إعلام رسمية مقاطع فيديو تظهر فيها قوات أمنية محتشدة على الحدود.

وتشهد المستعمرة البريطانية السابقة أسوأ أزمة سياسية منذ اعادتها الى الصين عام 1997. وقد بدأت في مطلع حزيران/يونيو بتظاهرات رافضة لمشروع قانون يتيح تسليم مطلوبين الى الصين ثم تحولت إلى احتجاجات مطالبة بمزيد من الحريات ومنددة بتدخل بكين في الشؤون الداخلية.

وفي اليوم الخامس من تعبئة غير مسبوقة في المطار، قام المحتجون باعتراض طريق مسافرين في ممرات تؤدي إلى قاعات المطار، وهو واحد من أكثر المطارات ازدحاما في العالم.

وعُلّقت بعد ظهر الثلاثاء كافة إجراءات تسجيل ركاب الرحلات المغادرة بعد أن وضع آلاف المحتجين مرتدين اللون الأسود، حواجز مستخدمين عربات الأمتعة لمنع الركاب المسافرين من عبور بوابات التفتيش الأمني.

وقال طالب يبلغ 21 عاماً أعطى اسم عائلته فقط كووك، لوكالة الصحافة الفرنسية "أريد أن أغلق المطار كما حصل يوم أمس كي يتمّ إلغاء معظم الرحلات المغادرة".

والإثنين اجتاح حشد قالت الشرطة إن عدده بلغ خمسة آلاف شخص، مبنى المطار احتجاجاً على أعمال العنف التي يتهمون الشرطة بارتكابها أثناء محاولتها قمع المسيرات التي نُظمت في نهاية الأسبوع الماضي.

وألغت إدارة المطار جميع الرحلات بعد ظهر الاثنين.

عواقب خطيرة

وصباح الثلاثاء، عقدت رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ كاري لام مؤتمراً صحافياً حذّرت فيه من عواقب خطيرة في حال لم يوضع حدّ لتصاعد العنف.

وقالت لام إن "العنف، سواء كان الأمر استخدام العنف أم التغاضي عنه، سيدفع هونغ كونغ على طريق اللاعودة، وسيغرق مجتمع هونغ كونغ في وضع مقلق وخطير للغاية".

وأضاف "الوضع في هونغ كونغ في الأسبوع الفائت جعلني قلقة جداً من أننا وصلنا إلى هذا الوضع الخطير".

وواجهت لام أسئلة قوية طرحها عليها مراسلون محليّون وبدت في لحظة ما على وشك البكاء إلا أنها دعت إلى الهدوء.

وتابعت "خذوا دقيقة للتفكير، انظروا إلى مدينتنا، منزلنا، هل فعلاً تريدون رؤيتها تُدفع نحو الهاوية؟". لكنّها رفضت مجدداً تقديم أي تنازل للمحتجّين.

فوضى في المطار

لكن بعد ساعات قليلة عاد المتظاهرون إلى المطار وهتفوا قائلين "قفوا مع هونغ كونغ، دافعوا عن الحرية" ورسموا على جدران المطار وعواميده رسوماً تضمنت شعار "العين بالعين".

وهذا الشعار هو إشارة إلى إصابة خطيرة أصيبت بها امرأة وأدت بحسب تقارير إلى فقدان نظرها خلال تظاهرة اتّخذت منحى عنيفاً مساءا لأحد.

واتهم المتظاهرون الشرطة بالتسبب بهذه الإصابة بسبب إطلاقها مقذوفات.

 

وعبّر عدد من المسافرين عن تعاطفهم مع المحتجّين.

"غوغاء"

وانطلقت الحركة الاحتجاجية أساساً من رفض مشروع قانون مثير للجدل للحكومة الموالية لبكين يسمح بترحيل مطلوبين إلى الصين، لكنها سرعان ما اتسع نطاق مطالبها لتطال كذلك الحكم المركزي في الصين.

 

ونددت السلطات الصينية الاثنين بالمتظاهرين العنيفين الذين ألقوا قنابل حارقة على عناصر الشرطة، واعتبرت بأن في ذلك مؤشرات على "إرهاب".

والثلاثاء، صعّدت وسائل إعلام رسمية اللهجة واصفةً المحتجّين بـ"الغوغاء" وحذّرت من أنه لا يجب أبداً استرضاؤهم ولوّحت بشبح تدخّل قوات الأمن الصينية.

وحذّرت وكالة انباء الصين الجديدة الرسمية الثلاثاء من أن "متشددين عنيفين" يدفعون بهونغ كونغ نحو "الهاوية".

 

 

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.