صورة ملتقطة لمفاعل تشيرنوبل في أبريل 1986
صورة ملتقطة لمفاعل تشيرنوبل في أبريل 1986

نشر موقع أرشيف الأمن القومي الأميركي، وثائق جديدة رفعت عنها السرية بخصوص كارثة تشيرنوبل النووية، تم الحصول عليها من أعلى مستويات بالاتحاد السوفيتي.

وكارثة تشيرنوبيل هي حادثة نووية وقعت في مفاعل تشيرنوبل للطاقة النووية في 26 أبريل عام 1986، قرب مدينة بريبيات في دولة أوكرانيا التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي آنذاك.

وتضمنت الوثائق التي كشف عنها مؤخرا رد فعل المخابرات الأميركية تجاه الواقعة، بالإضافة إلى رد فعل جهاز KGB الاستخباراتي.

وقالت وثيقة كتبها مورتون أبراموفيتش، مساعد وزير الداخلية آنذاك جورج شولتز، إن 17 شخصا كانوا في وردية العمل خلال وقت الانفجار، حيث توفي واحد وفقد آخر، وقد بلغ مستوى الإشعاع في صباح يوم 28 أبريل نحو 1000 رونتغن في محيط المفاعل، كما امتدت السحابة الإشعاعية لمسافة 60 كيلومترا.

إحدى الوثائق السوفيتية تقول إنه كان يوجد نحو 1.5 مليون شخص (بالإضافة إلى 160 ألف طفل تحت عمر 7 سنوات) خلال وقت الحادثة في أكثر المناطق التي تعرضت للتلوث جراء إشعاعات "أيودين-131".

وتعرض بعض أولئك للإشعاعات، حيث أصيبت الغدد الدرقية لبعضهم، وتعرضت الغدد الدرقية لـ 87 من البالغين في تلك المنطقة لإشعاعات بنسبة 30 بمقياس رونتغن الخاص بالإشعاعات، فيما تعرض 48 بالمئة من الأطفال لنفس الدرجة.

وتتسبب الإصابة بإشعاعات بـ 100 درجة على مقياس رونتغن في ضمان الإصابة بالسرطان، وقد أصيب بهذه النسبة نحو 2 بالمئة من البالغين، و17 بالمئة من الأطفال الذي كانوا حاضرين في تلك المنطقة.

صورة ملتقطة للمفاعل في 26 أبريل عام 1996 بعد إجراء بعض الإصلاحات فيه

​​

عملية التضليل تضاهي الكارثة

​​

 

 

الكاتبة والسياسية الأوكرانية وعضو المجلس السوفيتي الأعلى من 1989 حتى 1991، ألا ياروشينسكايا، قالت في إحدى الوثائق إنها اطلعت على بعض المعلومات بخصوص الكارثة النووية، مضيفة أن عملية الخداع التي تلت الكارثة تضاهي الكارثة نفسها.

وبحسب الوثائق التي اطلعت عليها ياروشينسكايا، فإن التعداد الكلي لجميع الذين تم إسعافهم وفحصهم جراء الإشعاعات وصل إلى نحو 10 آلاف و198 شخصا في يوم 12 مايو، بينما عانى نحو 345 من أعراض الإشعاعات.

وقالت ياروشينسكايا إن الكرملين ذهب إلى أبعد الحدود من أجل إخفاء الكارثة، فبعد شهرين فقط من إخلاء الناس من "المنطقة السوداء" التي تقع في حدود 30 كيلوميترا من المفاعل، بدأت السلطات في إعادة السكان إلى بعض المناطق التي يصل فيها مستوى الإشعاعات من 2 إلى 5 ميلي رونتغن.

كما بدأت السلطات السوفيتية بالسماح بإعادة الأطفال والنساء الحوامل إلى جميع المناطق السكنية حيث لا تتجاوز نسبة جرعة الإشعاعات الكلية أكثر من 10 روينتن، بداية من 1 أكتوبر 1986.

وأتى هذا القرار رغم تحذير رئيس لجنة الدولة للأرصاد الجوية الهيدرولوجية، يوري إسرائيل، في الشهر الذي سبقه، من أنه يظل خطرا على الناس أن تعيش في منطقة بها إشعاعات أعلى من 5 ميلي رونتغن، وفي حال كانت الإشعاعات أقل من 5 ميلي رونتغن، فإنه يجب فرض رقابة صارمة على الأغذية، وخاصة الحليب.

وكشفت وثيقة أخرى أن المسؤولين في وزارة الصحة لم يروا ضرورة اتخاذ إجراءات خاصة من ضمنها إخلاء المدينة بعد وقوع الانفجار، كما كشفت الوثيقة عن إسعاف 25 من قوات إطفاء الحرائق، و9 آخرين من أفراد العمليات.

وأرشيف الأمن القومي الأميركي هو مؤسسة غير ربحية توجد داخل جامعة جورج واشنطن وتعنى بنشر أي وثائق حكومية أميركية ترفع عنها السرية.

للاطلاع على الوثائق كاملة، اضغط هنا.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.