عنصران من الحرس المدني في سبتة يحاولان إجبار مهاجرين أفريقيين على النزول من السياج الذي يفصل بين الجيب الإسباني والمغرب
عنصران من الحرس المدني في سبتة يحاولان إجبار مهاجرين أفريقيين على النزول من السياج الذي يفصل بين الجيب الإسباني والمغرب

عبر أكثر من 150 مهاجرا السياج الحدودي بين المغرب وجيب سبتة الإسباني،الجمعة،  واشتبكوا مع الشرطة لفترة وجيزة في أكبر محاولة للدخول عبر السياج شديد التحصين خلال عام.

وألقى حزب فوكس اليميني المتطرف بالمسؤولية على موقف الحكومة المتساهل في إتاحة الفرصة لوقوع محاولات اقتحام في سبتة. وردت الحكومة بالقول إن أحداث سبتة سببها استغلال المهاجرين هناك، لفرصة وجود ضباب كثيف.

وقالت المتحدثة باسم مجلس الوزراء إيزابيل سيلا، في إفادة صحفية إن عدد عمليات الدخول غير القانونية لإسبانيا قلت بنسبة 47 في المئة هذا العام.

وقال المتحدث باسم الحكومة في سبتة إن نحو 250 مهاجرا حاولوا القفز فوق السياج وأن نحو 155 منهم نجحوا في ذلك. وأضاف "لم يكن اقتحاما عنيفا كالسابق. مع ذلك أصيب ستة من أفراد الشرطة على الأقل وبعض المهاجرين بجروح طفيفة".

ويجذب جيبا سبتة ومليلية الإسبانيان الواقعان على الساحل الشمالي للمغرب، المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا بحثا عن حياة أفضل. ويفصل الجيبان عن المغرب سياج بارتفاع ستة أمتار يعلوه سلك شائك.

وكان آخر اقتحام كبير للسياج الحدودي في أغسطس من العام الماضي، عندما تمكن 118 مهاجرا من الوصول إلى الأراضي الإسبانية لكن معظمهم أعيدوا إلى المغرب قي وقت لاحق.

وحدث اقتحام الجمعة، فيما وصل 15 مهاجرا إلى إسبانيا على متن سفينة حربية إسبانية بعدما رفضت إيطاليا طلب زورق إنقاذ انتشلهم من البحر المتوسط، الرسو في أحد موانئها في قضية لفتت مجددا الانتباه لأزمة المهاجرين في أوروبا.

وتعرضت الحكومة الاشتراكية المؤقتة لانتقادات داخلية بسبب طريقة تعاملها مع المهاجرين، الذين يتم إنقاذهم بعد رفض إيطاليا استقبالهم.

ووصل المهاجرون الـ15 إلى ميناء سان روكي في البر الإسباني الرئيسي على الجانب الآخر من مضيق جبل طارق من سبتة. وشوهد المهاجرون وهم يسيرون على الشاطئ قبل أن تضعهم الشرطة على متن حافلة.

وهؤلاء هم جزء من مجموعة أكبر تزيد على مئة فرد أنقذهم زورق أوبن آرمز المسجل في إسبانيا، وظلوا عالقين قبالة الساحل الإيطالي لثلاثة أسابيع بسبب رفض الحكومة الإيطالية السماح لهم بالرسو والنزول على أراضيها.

وقالت الحكومة الإسبانية في بيان، إن المهاجرين الـ15، وهم 14 رجلا وامرأة واحدة، سيخضعون لفحوص طبية وسيحصلون على تصاريح مؤقتة حتى يتم البت في طلباتهم للجوء.

وأرسلت مدريد السفينة الأسبوع الماضي لنقل المهاجرين وجميعهم أفارقة وذلك بعدما وافقت خمس دول أوروبية على استقبالهم بعد أزمة طويلة دامت ثلاثة أسابيع بين أوبن آرمز والسلطات الإيطالية.

ومنع وزير الداخلية الإيطالي المنتهية ولايته ماتيو سالفيني، وهو من اليمين المتشدد، رسو سفن تقل مهاجرين غير شرعيين في الموانئ الإيطالية في مسعى لوقف تدفق المهاجرين الذين يعبرون البحر المتوسط من شمال أفريقيا.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.