المعارض الروسي  أليكسي نافالني وابنته يقترعان في انتخابات موسكو
المعارض الروسي أليكسي نافالني وابنته يقترعان في انتخابات موسكو

نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منع معارضيه من منافسة أتباعه في انتخابات موسكو، واستخدم القوة المفرطة لتفريق تظاهرات احتجاجية شهدتها العاصمة. 

لكن يبدو أن بوتين لم يتوقع أن نتائج الانتخابات ستأتي بما لا تشتهيه سفن حزبه وستكسره أمام المعارضة.

فقد أظهرت النتائج الأولية التي نشرتها وكالة الأنباء الروسية الرسمية "إنترفاكس" تراجعا تاريخيا للمرشحيين الموالين لبوتين والحزب الحاكم.

وخسر الحزب الحاكم في روسيا ثلث مقاعده في مجلس مدينة موسكو، مقابل فوز المرشحين الشيوعيين بـ 13 مقعدا والحزب اللبرالي بـ5 مقاعد، في حين حصل حزب "روسيا العدالة" على ثلاثة مقاعد.

فكيف حصل ذلك؟ رغم كل ما بذله بوتين من جهود انتقدها العالم، واعتبرها انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان.

"الاقتراع الذكي"

وبعدما كان الموالون يشغلون 38 مقعدا من أصل 45، تراجع عدد مقاعدهم بحسب النتائج الأولية التي أظهرت تقدما كاسحا لأحزاب أخرى غير محسوبة على بوتين.

لم تقف المعارضو مكتوفة الأيدي أمام إجراءات بوتين، فقد وزّعت مرشحيها الذين تدعمهم بطريقة ذكية خلال الانتخابات التي جرت الأحد، إذ استطاعت تطويق مرشحي الحزب الحاكم والموالين لبوتين، فرجحت الكفة لصالحها.

خلال المرحلة التي سبقت الاقتراع، شن أليكسي نافالني المرشح المعارض لفلاديمير بوتن حملة لكسر احتكار حزب روسيا المتحدة الحاكم من خلال ترشيح عدد كبير من الأشخاص الذين يتمتعون بسمعة جيدة لدى المواطنين.

التركيز على المشاركة

وتم توزيع المرشحين، المعروفين لدى الهيئة الناخبة بطريقة تضمن تغطية كامل المناطق الانتخابية ضد مرشحي الحزب الحاكم، حيث تم انتخاب 16 منطقة للحكام، وعشرات من الهيئات التشريعية المنتخبة، ومئات من السباقات البلدية.

فلاديمير بوتن

نافالني كشف في شريط فيديو نُشر على قناته على يوتيوب عشية الانتخابات أن ما وصفه بـ "الاقتراع الذكي " يعد الوسيلة الوحيدة لكسر انفراد الحزب الحاكم منذ 2003، واقنع بالتالي الناخبين على المشاركة القوية وهو ما حدث فعلا.

وقال نافالني في الفيديو الذي تناقله ناشطون روس على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي "غدا (الأحد) سيكون أول جهدنا لتنظيم عمل مشترك حقيقي". "سنمسك في أيدينا قطعة صغيرة من القوة وهي ورقة الاقتراع".

موسكو.. مفتاح الوصول إلى السلطة

يذكر أن ألكساي نافالني يعد غريم بوتن في روسيا، إذ منع العام الماضي من خوض انتخابات الرئاسة ضد فلاديمير بوتن بسبب إدانته بتهم تقول المعارضة إنها "واهية".

وذكر الرجل أنه ركز خلال الحملة الأخيرة على حث المنتخبين على الذهاب لصناديق الاقتراع إذ رأى أن الامتناع عن الانتخاب هو الذي ساعد على مكوث بوتين في السلطة طيلة 20 عاما.

كما نقلت وسائل إعلام روسية عم مرشحين معارضين قولهم "ركزنا على انتخابات موسكو لكونها مؤشرا حقيقيا عن التوجه العام في روسيا".

وتعتبر انتخابات مجلس مدينة موسكو بمثابة اختبار للكرملين قبل الانتخابات البرلمانية الوطنية المقرر إجراؤها عام 2021، ثم الانتخابات الرئاسية التي يُمنع فيها بوتين من الترشح حسب قانون تحديد الولايات الرئاسية.

ويعاني حزب روسيا المتحدة، وهو الحزب الأكثر هيمنة في البلاد منذ إنشائه من قبل الكرملين في عام 2003، من تراجع معدلات القبول عند عامة المواطنين.

ويرجع متابعون ذلك للركود الاقتصادي وبعض السياسيات التي انتهجها، ولا سيما إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي لم يحظ بشعبية، إضافة إلى سلسلة الاتهامات بالفساد التي طالت منتخبين ومسؤولين تحت رايته.

وأطلق مواطنون روس اسم "حزب المحتالين واللصوص" على "حزب روسيا المتحدة" وهو ما جعل أغلب أعضائه يترشحون لمجلس مدينة موسكو "خوفا من صدمة النتائج العكسية" على حد وصف مواطن روسي ضمن تدوينة على فيسبوك.

ففي منطقة تفرسكوي بموسكو مثلا، والقريبة جدا من مقر الكرملين، كان للناخبين الخيار بين المرشحة المدعومة من روسيا المتحدة إيليا سفريدوف وثلاث نساء غير معروفات أدرجن في القائمة وكان التصويت لصالح على واحدة منهن، وتدعى يلينا شوفالوفا، عن الحزب الشيوعي المعارض.

وعادة لا تحمل انتخابات بلدية مجلس دوما مدينة موسكو أهمية كبيرة، لكن أهمية انتخابات أمس الأحد ازدادت بشكل ملحوظ عندما رفضت السلطات الانتخابية تسجيل عشرات المرشحين المستقلين، بينهم منتقدون معروفون للكرملين.

رفض تسجيل المرشحين المستقلين أثار احتجاجات كبرى خلال فصل الصيف، ورغم الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الشرطة، كانت المظاهرات هي الأضخم في روسيا منذ سنوات.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.