الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

ما كاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينهي خطابا نعى فيه ضحايا هجوم إرهابي، حتى احتدم نقاش في المجتمع الفرنسي تعقيبا على دعوة الرئيس التصدي لـ"الوحش الإسلامي" عبر "مجتمع يقظ".

وفيما كان وزير ​الداخلية كريستوف كاستانير​ يحدد أمام عدد من النواب "شكل "المتطرف الإسلامي"، غرد فرنسيون على وسائل التواصل الاجتماعي بهاشتاغ "بلغ عن مسلم"، قوبل بتغريدات أخرى ساخرة.

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء إلى "معركة دون هوادة" في مواجهة "الإرهاب الإسلامي"، خلال مشاركته في مراسم تكريم أربعة من عناصر شرطة باريس قتلوا الخميس على يد زميل لهم اعتنق الإسلام وتنبى أفكارا متطرفة.

ودعا ماكرون الفرنسيين إلى "التكاتف" بعد هذا الهجوم غير المسبوق داخل مديرية يفترض أنها أحد رؤوس حربة أمن الدولة.

وقال ماكرون "سقطوا بضربات إسلام زائف يحمل الموت ويتعين علينا القضاء عليه"، وذلك في كلمة أمام النعوش الأربعة في باحة مقر شرطة باريس حيث قتل شرطي مرتكب الاعتداء ميكايل هاربون بعد قتله زملاءه.

ودعا ماكرون "الأمة بأكملها" إلى "التحرك" في وجه "الوحش الإسلامي" وإلى "التكاتف" عبر بناء "مجتمع يقظ". وقال "ستتضح الوقائع، ترفع الشكوك، تحدد المسؤوليات وتأخذ العدالة مجراها".

وبعد حديث ماكرون دشن فرنسيون هاشتاغ #SignaleUnMusulman (بلغ عن مسلم)، وأصبح الأكثر تداولا في فرنسا خلال ساعات حيث تفاعل معه عشرات آلاف.

وقال أحد الفرنسيين في تغريدة على تويتر بهذا الهاشتاغ "لاحظت في الحمامات في مكان عملي قنينات مياه صغيرة وهي تقاليد غير فرنسية أتى بها الإسلاميون، كونوا حذرين ولا تشربوا من هذه الزجاجات".

وعلق كثير من المحللين على تصريحات ماكرون بإنشاء "مجتمع يقظ"، إذ انتقد مؤسس أحد المواقع الإخبارية الفرنسية أليكسي بولان إن المراقبة المجتمعية بالشكل الذي اقترحه ماكرون "لن تكون حلا للمشاكل العميقة للإرهاب".

وصاحب هذا الجدل ظهور وزير الداخلية كريستوف كاستانير أثناء حضوره جلسة استماع الثلاثاء أمام لجنة القوانين في الجمعية الوطنية وتحديده "شكل المسلم المتطرف" أمام عدد من النواب.

قال كاستانير إن "هناك مجموعة من العناصر التي يمكن من خلالها معرفة المتدين المتطرف، منها تغير في التعامل مع محيطه الاجتماعي، وإن كان يقبل ثم أصبح لا يقبل، هل يقبل إقامة علاقات مع النساء أم لا، وهل يقيم الصلوات بانتظام؟"، وانتقد "الممارسات الدينية الصارمة في رمضان".

وأضاف كاستانير أن "من بين العلامات والمؤشرات على التطرف والراديكالية أن يكون الشخص ملتحيا"، فرد عليه عضو البرلمان الفرنسي من أصل مغربي مجيد الكراب ساخرا "أنت تتحدث عن كون اللحية علامة على التطرف وأنا ألاحظ أنك نفسك لديك لحية".

وتسببت تصريحات ماكرون وكاستانير بموجة من السخرية والانتقادات تحت هاشتاغ "بلغ عن مسلم"، إذ وضع ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي صورا لسياسيين فرنسيين ملتحين.

وقال أحد المغردين مخاطبا وزير الداخلية "سيد كاستانير، هل يمكنني التبليغ عن الإمام عبد العلي مأمون، هو رجل ملتح يغني بلكنة مارسيليا قائلا الله أكبر وتحيا فرنسا". 

وقالت أخرى "أنا أقرا القرآن باللغة الفرنسية، ولا آكل لحم الخنزير، لذا أنا أبلغ عن نفسي". 

وقالت أخرى ساخرة "أريد التبليغ عن جارتي التي يطلق عليها أولادي ماما جوزيت والتي تحب الكسكسي والحلويات الشرقية وتعجبها ملابسي العربية، أظن أنها أصبحت راديكالية". 

وطالبت إحدى المغردات المسلمين الفرنسيين بعدم الشعور بالعار من ممارسة الشعائر الدينية. 

وفرنسا التي تضم أكبر عدد من المسلمين في أوروبا، كانت الدولة الأوروبية الأولى التي تحظر الحجاب الكامل في الأماكن العامة في 2011، كما أنها بلد ذو قوانين صارمة بشأن العلمانية.

ويقدر عدد المسلمين في فرنسا بأكثر من خمسة ملايين من مجموع سكان يناهز 67 مليون نسمة.

 

تبنى وزير الخارجية الصيني وانغ يي موقفا متشددا
تبنى وزير الخارجية الصيني وانغ يي موقفا متشددا

تبنت الصين في الآونة الأخيرة دبلوماسية جديدة وصفت بدبلوماسية "الذئب المحارب"، إذ يتخذ المسؤولون الصينيون موقفا أكثر حزما ضد الانتقادات الموجهة إلى بلادهم.

فرانس برس في تقرير لها حول الموضوع ذكرت أن أيام "دبلوماسية الظل" الصينية قد ولت، وهي الدبلوماسية التي روج لها الزعيم الصيني الراحل دنغ شياوبينغ، القائل إن بكين يجب أن "تخفي قوتها وتتمهل".

وتغيرت المواقف في عهد الرئيس شي جينبينغ، الذي دفع بسياسة خارجية قوامها الثقة بشكل متزايد منذ توليه منصبه في عام 2012.

والآن، تلعب الصين دورين في المعركة العالمية ضد فيروس كورونا المستجد، فهي من ناحية مانحة للمساعدات من دون مقابل، ومن ناحية ثانية هي قوة مستعدة للرد بعنف على الانتقادات.

وأصبحت البلاد أكثر حزما هذا العام بمواجهة الانتقادات على طريقة تعاملها مع الوباء، الذي بدأ على أراضيها في ديسمبر الماضي.

وأرسلت بكين طائرات محملة بالمعدات الطبية إلى الخارج، وتعهدت بتقديم ملياري دولار من المساعدات الدولية لمكافحة كوفيد-19 وعرضت إتاحة لقاحها المحتمل للجميع.

وتنسجم هذه الاستراتيجية مع استخدام الصين لقوتها الاقتصادية لكسب الأصدقاء على الصعيد الدولي، في وقت يتوسع فيه أيضا تأثير مشروع شي للبنية التحتية العالمية "الحزام والطريق" في الخارج.

وأوضحت جوسلين شي، وهي دبلوماسية أسترالية سابقة وأستاذة زائرة في جامعة سيدني، في حديث لوكالة فرانس برس أن "المساعدة الصينية، على غرار (مساعدات) الدول الأخرى، جزء من قوتها الناعمة ولها أيضا أهداف تجارية وسياسية".

وقال شي إن هذه السياسة أثبتت نجاحها في معركة الصين من أجل النفوذ مع تايوان التي تتمتع بحكم ذاتي، وفي تأمين الدعم ضد انتقاد تعاملها مع الأقليات المسلمة في مقاطعة شينجيانغ الواقعة في أقصى غرب البلاد.

في المقابل، ورغم كرم هذه السياسة الاقتصادية، إلا أنها تختلط بنهج الصين الصدامي الجديد مع خصومها الجيوسياسيين بما في ذلك الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا، وهو ما يجعل الأمر بمثابة معركة علاقات عامة محفوفة بالمخاطر.

"الذئب المحارب"

لخص وزير الخارجية وانغ يى في مؤتمر صحفي قبل أيام موقف الصين بقوله "نحن لا نختار القتال أبدا ولا نستقوي على الآخرين ولكن في الوقت نفسه لدينا مبادئ وشجاعة".

وتابع: "سنقاتل بالتأكيد ضد أي افتراء خبيث للدفاع عن الشرف والكرامة الوطنيين".

ومنذ العام الماضي، أطلقت بكين العنان لمجموعة من دبلوماسيي "الذئب المحارب" يستخدمون تويتر للدفاع عن الدولة والحزب الشيوعي والترويج لهما، متجاهلين المفارقة المتمثلة في حظر منصة التواصل الاجتماعي في الصين القارية.

سفير الصين لدى المملكة المتحدة ليو شياومينغ أيضا يستخدم تويتر بانتظام للرد على منتقدي بكين في أوروبا. وفي حديثه لوسائل الإعلام الرسمية يوم الاثنين، قال ليو إن مصطلح "الذئب المحارب" يشير إلى "سياسة خارجية مستقلة من أجل السلام"، لكنه أضاف أنه في بعض الأحيان هناك حاجة إلى "يد قوية". وكتب في رد له على تويتر: "أينما يوجد ذئب، يوجد محارب".

ويأتي لقب "الذئب المحارب" من عنوان فيلم صيني ضخم حول جندي من القوات الخاصة يشبه شخصية رامبو في سلسلة أفلام أميركية، ومهمته قتال المرتزقة الأجانب.

وأثار عضو بارز في فريق "الذئاب" وهو المتحدث باسم وزارة الخارجية تشاو ليجيان الدهشة من خلال ترويجه لنظريات المؤامرة بأن الجيش الأميركي ربما جلب الفيروس إلى الصين.

لكن ليست الولايات المتحدة الهدف الوحيد لغضب بكين، ففي أستراليا، هدد السفير الصيني بمقاطعة المستهلكين للمنتجات الأسترالية بعدما دعت كانبيرا إلى إجراء تحقيق مستقل في منشأ وأسباب انتشار فيروس كورونا. 

واستدعت وزارة الخارجية الفرنسية الشهر الماضي سفير الصين في باريس بسبب رسالة على موقع السفارة انتقدت رد الغرب على الوباء.

ويرى مدير المعهد الصيني في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن ستيف تسانغ أن سياسة بكين الخارجية مدفوعة أولا بمصالح الحزب الشيوعي الحاكم وأولوياته للبقاء في السلطة، خاصة مع اختبار أزمة كوفيد-19.

وتابع تسانغ أن "الدعاية العدوانية ودبلوماسية "الذئب المحارب" قلبت الكثيرين في الغرب ضد الصين ولكن هذا مجرد ثمن يجب دفعه مقابل هدف أكثر أهمية لسياسة الصين".

وفيما قد تثمر هذه السياسة داخليا، إلا أن كسب الأصدقاء على الصعيد الدولي قد يكون أكثر صعوبة.

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة باكنيل في بنسلفانيا تشي تشيون تشو إن الصين "تواجه معركة شاقة لتحسين صورتها الدولية".

وأكد: "لا أعتقد أن الصين قد فازت في معركة العلاقات العامة لأن القوة الناعمة للصين ضعيفة وروايتها تعتبر إلى حد كبير دعاية رسمية".

وقالت شبكة "سي أن أن" في تقرير لها حول هذا الموضوع إن هناك نوعا من التردد داخل الحكومة الصينية ووسائل الإعلام الحكومية حول تبني هذه الدبلوماسية بشكل كامل.

ففي أبريل الماضي، نشرت صحيفة غلوبال تايمز التي تديرها الدولة تقريرا أشادت فيه بالدبلوماسيين الصينيين الذين ينقلون المعركة إلى الغرب.

ولكن بعد نحو شهر واحد وفي أعقاب تصريحات وزير الخارجية الصيني، زعمت افتتاحية الصحيفة أن الولايات المتحدة هي التي تدير سياسة خارجية "الذئب المحارب"، وقالت إن وصف الدبلوماسية الصينية بهذه الصفة "يعكس أيديولوجيا متطرفة".

ريتشارد ماكغريغور، الخبير في شؤون الحزب الشيوعي الصيني قال لشبكة "سي أن أن" إن هناك نقاشا حادا داخل الصين حاليا حول مدى الحزم الذي يجب أن تتمتع به السياسة الخارجية للبلاد.

ورجح وجود انقسام لكنه "قد يكون هذا انقساما تكتيكيا فقط ودبلوماسية "الذئاب" في تصاعد لكنه لا يعرف ما إذا كانت ستستمر.