"أكتب إليكم اليوم لأقول إن الجامعة الأميركية في بيروت تواجه، على الأرجح، أكبر أزمة منذ تأسيسها عام 1860"، بهذه الكلمات توجه رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، فضلو خوري، إلى الأساتذة والطلاب والأهل.
سرد خوري في رسالته الظروف التي يعيشها لبنان والعالم، وانتقل بعد أن تحدث عن خسائر بالملايين ستتكبدها الجامعة، ليقول إن الجميع سيضحي، الجميع بمن فيهم موظفون وأساتذة وطلاب وغيرهم.
ويأتي ذلك وسط أسوأ أزمة مالية واقتصادية ونقص حاد في السيولة وشح في الدولار، يشهدها لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية، الأمر الذي ينذر بانهيار قطاعات حيوية.
رسالة خوري إشارة واضحة، ليس فقط إلى وضع القطاع التعليمي في لبنان، بل أبعد من ذلك بكثير، إذ بمجرد الحديث عن "أزمة غير مسبوقة" تعاني منها إحدى أهم جامعات المنطقة فهذا يعني أن حجم ما يرزح تحته اللبنانيون أكبر بكثير من قدرة أي أحد على تحمله أو تخطيه بهذه السهولة.
والرسالة، عدا عن أنها استباقية وتحذيرية في آن، تضع في مكان ما اللوم على السلطة السياسية في البلاد التي تركت الأمور تصل إلى هذا الحد، والجامعة كانت سباقة في الاعتراض على ما آلت إليه الأمور، خاصة بعد "انتفاضة 17 تشرين".
وفي هذا السياق، يقول عميد الطلبة في الجامعة، طلال نظام الدين، لموقع "الحرة": "هناك وضع اقتصادي عالمي نمر به، وفي لبنان نحن نعلم أن الأزمة مضاعفة لأن إدارة الاقتصاد اللبناني لم تكن كما يجب إذ غابت الاستراتيجية التي تدعم المؤسسات التي تعطي أملاً للبنان".
وأضاف عميد طلبة الجامعة الأميركية في بيروت أن "السياسات اللبنانية مؤخراً، وللأسف الشديد، لم تُقدم للبنان الاستقرار اللازم إقليمياً ليكون هناك ثقة بالبلد، ونعلم أنه كان هناك رغبة إقليمية وعربية وعالمية لدعم لبنان ولكن رأينا كيف غاب الاستقرار وبالتالي صارت الثقة مفقودة من أجل الاستثمار في قطاعات عديدة، التعليمي والطبي منها، إذ لا ننسى دور مستشفى الجامعة على صعيد المنطقة".
كيف ستتعامل الجامعة مع هذا الواقع المفروض عليها؟ يُجيب نظام الدين: "سنتعامل مع الواقع الموجود اليوم على المدى القصير. على المدى الطويل، هناك مثل يقول إنه من كل أزمة هناك فرصة، وبالتالي علينا أن نستثمر هذه الفرص ونتعلم كيف ندعمها كي تكبر. والأماكن التي كانت ضعيفة، لم يكن هناك قرار حاسم إذا كان لها فائدة فعلية على المستقبل الطويل، بالتالي سيُتخذ القرار في شأنها لكي نفسح المجال أمام الجامعة كي تتطور".
الإصلاح صعب
ويضيف نظام الدين أن "الإصلاح صعب خاصة إذا اقترن بقرارات حاسمة ستؤثر على الناس وحياتهم اليومية ولكن في الوقت نفسه العالم يتطور سريعاً خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا، ويلغي الكثير من المهن والوظائف التي هي موجودة اليوم والتي من الممكن أن تختفي كلياً خلال السنوات القليلة المقبلة. والجامعات، ونحن منها، لدينا فرصة اليوم لنتطلع إلى الأمام، ونقول: هناك أنواع من التعليم موجودة في الجامعة من 100 سنة ولكن هل سيكون لها معنى في المستقبل؟ هذا الفرض سيكون الخطوة الأولى، وحين نبدأ بهذه الخطة ستكون هناك زيادة في الاستثمارات، لأن الجميع يريد أن يستثمر في شيء ناجح".
لم يتطرق خوري في رسالته إلى نوع التضحيات ولم يدخل في التفاصيل والأرقام، لكن مصادر مطلعة في الجامعة تقول لـ"الحرة" إن "التوظيفات السياسية التي كانت تتم في الماضي ستتوقف. الأحزاب على اختلافها والتي وظفت جماعاتها (ولو بنسب متفاوتة وقليلة)، لن يكون بمقدورها الاستمرار على المنوال نفسه، بل أيضاً هناك توجه لصرف بعض من يُمكن الاستغناء عنهم"، وترد على المشككين بالأرقام التي قدمها خوري في رسالته بالإشارة إلى أن "موازنة الجامعة السنوية متوفرة للجميع وبإمكان أي كان الاطلاع عليها".
ولا يقتصر الترشيق المُنتظر على توظيفات حزبية، بل يتعداه ليشمل "المياومين". تقول المصادر إن "هناك من بدأ سريعاً بمهاجمة الجامعة لأنها ستستغني عن مياومين من دون حتى السؤال أو معرفة آلية وخلفية هذا القرار".
وتضيف كمثال أن "هناك شركة مملوكة من شخص مُقرب من رئيس حكومة تقوم بتوظيفات وتقدم خدمات مدفوعة للجامعة، وبإمكان الأخيرة أن تُقدم الخدمات نفسها من خلال خطة واضحة توظف الطاقات التي لديها في الأمكنة المناسبة، وبالتالي نخلق نوعاً من التوازن ولا تعود الجامعة بحاجة لتدفع لشركات تأتي بمياومين".
برأي المصادر أن "على الأساتذة أن يُدركوا المرحلة الصعبة التي نمر بها والتي تتطلب مجهوداً مضاعفاً، إذ من الممكن في وقت لاحق أن يُطلب من الأساتذة تقديم صفوف أكثر مما يفعلونه اليوم"، ومن المعروف أن الجامعة كانت على الدوام سباقة في تقديم المنح التعليمية في لبنان وخارجه، وهو ما سيتوقف في المرحلة المقبلة.
وتقول المصادر إن "المنح التعليمية ستكون محصورة فقط في الجامعة. لن يكون هناك بعد اليوم منح للخارج أو لجامعات أخرى. سنتابع سياستنا ولكن سنحصرها فقط في الجامعة الأميركية، وبالتالي نساهم في خفض نفقات كثيرة من دون أن يؤثر ذلك على الدور الذي نقوم به في هذا المجال منذ عشرات السنين".
انعكاس أزمة الدولار على الجامعة
ومن غير المعروف إلى الآن كيف ستتعامل الجامعة مع أزمة الدولار، وهل سيتم احتساب الأقساط على سعر الصرف الرسمي الذي لا يزال يوازي 1515 ليرة للدولار الواحد، أم سعر السوق الذي تضاعف ليصل إلى ما يُقارب الـ4000 ليرة، أم ستعتمد تعميم مصرف لبنان للمصارف بسعر صرف يتراوح بين 3000 و3200 ليرة لبنانية.
وهذا ما يضع عبئا كبيراً على الجامعة كما على الطلاب، ويبدو أن التوجه سيكون في السنة المقبلة لاقتسام الخسارة بين الجامعة والطلاب وذويهم من دون أن تحدد الآلية، وستبقى رهن التطورات التي ستحصل في لبنان خلال الأيام والأشهر القليلة القادمة.
يقول نظام الدين إن "الجامعة أولويتها الأساتذة والطلاب لأن هناك مسؤولية كبيرة في هذا الإطار، خاصة للطلاب الموجودين كي يستطيعوا أن يتخرجوا من الجامعة من دون أي مشاكل مالية قد تترتب عليهم، كذلك للطلاب الذين سينضمون إلى الجامعة كي نستطيع أن نقدم مستوى تعليم جيدا، ونحن نتفهم ليس فقط معاناة الطلاب بل عائلاتهم أيضاً وما يعانونه بسبب الوضع السياسي الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه من فشل اقتصادي، ورئيس الجامعة أكد على مساعدة الطلاب ودعمهم على المستويات كافة، النفسية والمادية والمعنوية".
ويضيف: "هناك أيضاً الجزء الأهم من التعليم الحديث والذي يُسمى student experience لأن التعليم ليس فقط في الصف وفي الكتب، فهل ستكون هذه التجربة التي سيخوضها الطالب خلال السنوات التي سيمضيها، مختلفة عن الدراسة التقليدية وستحول هذا التلميذ إلى شخص أفضل وأحسن، وهذا الأمر يجب ألا يخضع لأي تنازل ونحن نُصر على أن نُكمل بهذه التجربة المميزة".
أمام الجامعة تحديات كُبرى، فهي إلى الأمس كانت مركز استقطاب محلي وإقليمي، ساهم في تظهير وتشكيل هوية بيروت ولبنان، ما ينتظرها في المستقبل لن يكون سهلاً، خاصة أن الدولة غائبة.
والمفارقة أن رئيس الحكومة حسان دياب الذي ترك الجامعة ليتولى المنصب العتيد، ستشهد البلاد في عهده اضمحلالا وتخبط قطاعات عدة، فيما هو إلى الآن يبدو مكتوف الأيدي، وموافقا على الاستمرار في السياسات نفسها التي، أوصلت البلد والجامعة الأميركية فيه، إلى هذه الحال.
