كشف تحقيق لتلغراف كيف ينشر حزب الله المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة في الشرق الأوسط
كشف تحقيق لتلغراف كيف ينشر حزب الله المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة في الشرق الأوسط

كشف تحقيق أجرته صحيفة تلغراف البريطانية عن قيام حزب الله اللبناني بتدريب الآلاف من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعية المدعومين من إيران، لإنشاء ما يسمى "الجيوش الإلكترونية" في جميع أنحاء المنطقة.

وأفادت الصحيفة أنه منذ عام 2012، يقوم حزب الله بتنظيم دورات لتعليم المشاركين كيفية التعامل مع الصور رقميًا، وإدارة أعداد كبيرة من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة، وإنشاء مقاطع فيديو، وتجنب الرقابة على فيسبوك ونشر المعلومات المضللة وبث الرعب والانقسام لدى أي طرف يعارضه على الإنترنت بشكل فعال.

وبحسب التحقيق، شارك في هذه الدورات نشطاء من العراق والسعودية والبحرين وسوريا، وهي تتم في مبنى مكون من ثلاث طوابق في ضاحية بيروت الجنوبية.

وأكد "محمد"، وهو شاب عراقي شارك في التدريبات، أن المبنى من الخارج يبدو متهالكا لكنه من الداخل مليء بأدوات التكنولوجيا المتقدمة، مشيراً إلى أن مدة الدورة استمرت لمدة 10 أيام.

وقال محللون إن هذه الدورات تسلط الضوء على "نفوذ إيران الخبيث في المنطقة، والطرق غير المشروعة التي تعتمد عليها لنشر أيديولوجيتها في الشرق الأوسط، المنطقة التي تزداد انقساما".

وتشمل عمليات التدريب الرقمي لحزب الله أكثر من 20 مقابلة مع سياسيين ومحللين ومتخصصين في وسائل التواصل الاجتماعي، وعضو في وحدة العمليات النفسية العسكرية العراقية وعضو في المخابرات العراقية وعدة أعضاء سابقين متخصصون بالتجييش الإلكتروني.

قبل وصوله إلى لبنان، طُلب من محمد عدم التحدث مع أي شخص عن رحلته إلى بيروت، وخلال الدورة التي استمرت عشرة أيام كاملة، تمت مراقبة الطلاب بواسطة الكاميرات طوال فترة بقائهم في بيروت، بحسب الصحيفة.

 

صناعة التضليل 


وقال الشاب العراقي: "عندما وصلت بيروت، كنت متوتراً بسبب السرية الشديدة"، مشيرا إلى أن أحد أئمة حزب الله يستقبلهم في المخيم بملابس دينية تقليدية، ويتم تغيير أسمائهم لحماية هويتهم، وفي اليوم التالي التقى بالمدربين الذين سيشرحون الأجزاء المختلفة من الدورة، وكانوا ملابس مدنية وليس لديهم لحى.

وأوضح محمد، الذي أصبح يقوم بتدريب الشباب فيما بعد على ما تعلمه: "عندما قابلت المدربين المتخصصين وأدركت كيف كانت الدورة تقنية ومعمقة، أصبحت متحمسًا للغاية".

وخلال السنوات التي تلت أول دورة له في عام 2015، استمر محمد في إرسال عشرات الأشخاص الآخرين لتلقي التدريب في بيروت في مجموعة متنوعة من المجالات حيث ساعد في إنشاء فرق جديدة من المتخصصين في وسائل التواصل الاجتماعي والقرصنة.

وأكد محمد أنها صناعة الوهم والتضليل، وأن حزب الله يكسب الملايين من الدولارات من هذه الدورات.

أما عبد الله (اسم مستعار)، وهو سياسي في أحد أكبر الأحزاب السياسية في العراق، وقد شارك شخصياً في إرسال أفراد إلى بيروت للتدريب على كيفية إنشاء وإدارة ملفات شخصية وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، قال: "أصبحت تجارة لحزب الله، الأشخاص الذين أرسلناهم طوروا مهاراتهم في بيروت وعندما عادوا بدأوا في تدريب الناشطين داخل العراق"، مضيفا أن تدريباً مماثلاً يتم تقديمه في إيران لكن ليس بنفس الشعبية وسهولة الوصول إليه.

تم إدراج حزب الله كمنظمة إرهابية من قبل 18 دولة، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وكذلك الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

وفي تقرير أميركي أعده أعضاء الكونغرس في عام 2011، تم الاستشهاد بـ "أنشطة التدريب والاتصال التي يقوم بها حزب الله مع المتمردين الشيعة في العراق" كسبب رئيسي وراء استمرار إدراجه كمنظمة إرهابية.

 

تحرض على العنف

 

ومن بين المجموعات التي حصلت على التدريب كتائب حزب الله، وهي جماعة عراقية شبه عسكرية قوية لها علاقات وثيقة مع حزب الله في لبنان، وقد نفذت الجماعة حملات على وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع خلال عام 2019 باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بها لتوزيع مقاطع فيديو عالية الجودة تستهدف بقوة الشخصيات العامة التي يُنظر إليها على أنها "معادية".

ووفقا للتحقيق، فإن من الأساليب الشائعة التي تستخدمها هذه الجيوش الإلكترونية هي إنشاء شبكات كبيرة من الحسابات المزيفة التي تضخم رسائل معينة عن طريق الإعجاب والتعليق ومشاركة منشورات بعضها البعض.

بدوره، يعتقد مهند السماوي رئيس مركز الإعلام الرقمي العراقي، وهو مركز مستقل لرصد وتحليل وسائل الإعلام، أن تأثير المعلومات الخاطئة على وسائل التواصل الاجتماعي في دول الشرق الأوسط مثل العراق، التي تفتقر إلى المؤسسات الحكومية والصحفية القوية، أكبر بكثير من في أوروبا والولايات المتحدة.

وتابع: "التصريحات والرسائل الكاذبة التي تحرض على العنف، والتي تنتشر عبر الإنترنت يمكن أن تؤدي بسهولة مباشرة إلى العنف المميت في الحياة الحقيقية في العراق. نشر المعلومات الكاذبة يضر بشدة بالعراق".

وأثار مقتل الخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي في 6 يوليو الماضي، غضبًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعاد آلاف العراقيين نشر الرسائل التي كانت تطالب بتصفيته، قائلين إن على الشركات الأميركية فيسبوك وتويتر تحمل بعض المسؤولية عن وفاته.

 

صدامات وعمليات قتل

 

في مايو الماضي، أزال فيسبوك شبكة من 324 صفحة و71 حسابًا وخمس مجموعات و 31 حسابًا على إنستغرام، التي جميعها تركز على استهداف كردستان وانتحال صفة شخصيات سياسية وأحزاب.

وأكدت الصحيفة أنه في العراق، تؤدي الأخبار الإخبارية الكاذبة المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض سياسية بانتظام إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك الصدامات العنيفة وعمليات القتل.

وقال جويل جولهان، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة ريسك الاستشارية، "لقد أثبت حزب الله قدرته على تقديم الدعم للجماعات التي تتفق معه إيديولوجياً في المنطقة بطرق مختلفة لسنوات ".

وأضاف: "استخدام المعلومات المضللة لتعطيل وتقويض الحقيقة يهدف إلى حد كبير إلى جعل الناس يفقدون الثقة في الحقيقة بالإضافة إلى تنشيط المشاعر السلبية حول قضايا معينة.

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.