الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحمل ميثاقا سياسيا جديدا للبنان
ماكرون يحمل ميثاقا سياسيا جديدا للبنان لكنه يتغاضى عن مشكلة سلاح حزب الله

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان عادية أو شبيهة بزيارة رئيس دولة إلى دولة أخرى، صديقة كانت أم لم تكن. منذ اللحظة الأولى، حاول أن يقول إنه آت لمد يد العون للبنانيين، وليس للبنان الرسمي. في الشكل حتى، فضل الرئيس الفرنسي أن يتفقد موقع الانفجار ويستمع للمواطنين الذين كانوا يلملمون ركام خسائرهم في الجميزة، بدل أن يبدأ زيارته من قصر بعبدا، كما كانت تجري العادة. 

لا ثقة للمجتمع الدولي بلبنان الرسمي. هذا ما قاله مجدداً ماكرون، ولكن هذا ليس بجديد، بل هذا بالضبط ما سبق وقاله أكثر من مسؤول أجنبي، وكان آخرهم وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان. والرسالة الأبرز كانت "لا مساعدات من دون إصلاحات" مع لهجة عالية استخدمها الرئيس الفرنسي، وكأنه يوصل رسالة أخيرة إلى كُل من يهمّه الأمر. 

وبعد وصوله إلى بيروت، أعلن ماكرون أنه سيقترح على المسؤولين اللبنانيين "ميثاقاً سياسياً جديداً لتغيير النظام"، وهو ما فتح باباً للكثير من التساؤلات حول ما يريده الرئيس الفرنسي وما الذي يحمله في جعبته، خاصة بعد سريان أخبار تتحدث عن أنه يحمل مبادرة متكاملة لما تراه فرنسا طريق الحل في لبنان.

لكن اللافت، أن ماكرون لم يقدم خلال اجتماعاته مع المسؤولين اللبنانيين ورؤساء الأحزاب أي طرح شامل ولا أي ميثاق سياسي جديد. تقول مصادر مطلعة على أجواء اجتماعات الرئيس الفرنسي إنه "عرض مساعدته للبنان شرط أن تُساعده القوى السياسية المختلفة في مهتمه لإنقاذ لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها والتي زادت بعد الانفجار الذي وقع". 

لكن، كيف سيُساعد ماكرون وما الذي ينتظره من اللبنانيين؟ 
تقول المصادر: "الرئيس الفرنسي، خلال لقائه مع السياسيين والأحزاب، طلب منهم أن ينأوا بلبنان عن الصراعات في المنطقة، أي ما يُشبه حديث لودريان عن الحياد، ويُركزوا على مكافحة الفساد والقيام بالإصلاحات المطلوبة، وهو بدوره سيتحدث مع الأميركيين والأوروبيين من أجل فصل الاقتصاد عن السياسة"، أي وبحسب المصادر "سيعمل ماكرون على إقناع نظيره الأميركي دونالد ترامب بأن يُخفف الضغط المفروض على لبنان مُقابل أن يُقدم اللبنانيون على النأي بأنفسهم عن الانقسام الحاصل في المنطقة". 

وفرنسا، كانت من أكثر المرحبين بالتسوية التي حصلت عام 2016 والتي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية، وهي تعتمد سياسة مغايرة عن الدول الأوروبية وأميركا، في ما يخص التعامل مع مشكلة حزب الله وسلاحه، إذ تُفضل التغاضي عن الحديث عن السلاح مُقابل العمل على استقرار سياسي ـ اقتصادي. 

في خلال جولته في منطقة الجميزة حيث احتشد من حوله مواطنون مطالبين بإسقاط النظام وبعدم تقديم الدعم للدولة اللبنانية، قال ماكرون: "أنا هنا لإطلاق مبادرة سياسية جديدة، هذا ما سأعرب عنه بعد الظهر للمسؤولين والقوى السياسية اللبنانية"، مشيراً إلى ضرورة بدء "الإصلاحات (...) وتغيير النظام ووقف الانقسام ومحاربة الفساد".

المبادرة السياسية التي تحدث عنها ماكرون، طرحها أمام من اجتمع بهم في قصر الصنوبر، لكن ظهر أنها ليست مبادرة بمعنى بمبادرة بل أفكار عامة تتمحور حول "تحييد لبنان. الاهتمام بالاقتصاد. إجراء الإصلاحات في قطاعات أساسية. الحوار". وتقول المصادر إن الرئيس الفرنسي تحدث عن "إمكانية تطوير النظام السياسي وهذا بحاجة لمقاربة جديدة وجدية". 

لم يسمع ماكرون خلال اجتماعاته إلا كلمات من قبيل "نعمل على تنفيذ الإصلاحات" وهو يعلم، بحسب ما تقول المصادر، إن لا شيء من هذه الإصلاحات هو واقع بل شعارات، ويعلم أيضاً أن هذه الحكومة لا تستطيع أن تقدم أي جديد لكنه لم يطرح بأي شكل من الأشكال تغييرها، بل طلب الحوار والوحدة الوطنية لمواجهة الأزمة. 

أنهى الرئيس الفرنسي زيارته السريعة إلى لبنان مع التأكيد أن "لا ثقة بالطبقة السياسية" من دون أن يغلق الباب على التعامل معها، وهو ينتظر ممن اجتمع معهم أن يحملوا له إجابات واضحة حول ما طرحه أمامهم من سبل للحل، حين يعود إلى لبنان بعد أكثر من شهر للمشاركة باحتفال مئوية لبنان الكبير.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.