توترت علاقات مصر مع تركيا منذ الإطاحة بحكم الإخوان في 2013.
توترت علاقات مصر مع تركيا منذ الإطاحة بحكم الإخوان في 2013.

في يوليو الماضي كان الشرق الأوسط على وشك صراع عسكري جديد بين أقوى جيشين في المنطقة (مصر وتركيا) على الأراضي الليبية، تزامن ذلك مع مقال كتبه مستشار الرئيس التركي ياسين أَقطاي عن خوف الأتراك من أن تتحول بلادهم إلى "مصر السيسي" لو كانت محاولة انقلاب التي شهدتها البلاد عام 2016 قد نجحت.

وبعد ما يقرب من شهرين، شهدت الأزمة الليبية انفراجة، وتلاشى خطر المواجهة العسكرية، وتحول حديث أقطاي من "تخلف مصر خمسين عاما على أقل تقدير" بسبب الانقلاب الذي قام به الجيش، كما قال في مقالته، إلى "الجيش المصري جيش عظيم، ونحن نحترمه كثيرا، لأنه جيش أشقائنا" كما قال في مقابلة أجراها، السبت الماضي.

ورغم هذا التحول المفاجئ، لم يكن أقطاي هو المسؤول التركي الوحيد الذي يدلي بهذه "النغمة" الجديدة من التصريحات، فسبقه في ذلك رئيس الوزراء التركي السابق، بن علي يلدريم، الذي كتب في 2016 عن ضرورة الفصل بين العلاقات الاقتصادية والاجتماعية من جهة والخلافات السياسية من جهة أخرى، فيما يتعلق بالتعاون مع مصر.

كما أن الأحزاب المعارضة التركية تعتقد في أهمية التقارب السياسي مع مصر، وفي مقابل ذلك تندد بعلاقة الرئيس رجب طيب إردوغان بجماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها مصر إرهابية وتأوي تركيا بعض أفرادها على أراضيها.

ويعلق الكاتب والمحلل السياسي التركي، حمزة تكين، قائلا: "العلاقات بين تركيا ومصر لم تنقطع إلا على المستوى الرئاسي فقط، وبالتالي الحديث الأخير لأقطاي ليس غريبا، فيوجد رحلات جوية مباشرة، وزيارات سياحية متبادلة، وعلاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية بين البلدين".

وكشف تكين، المقرب من السلطة الحاكمة في تركيا، ومحلل سياسي تركي آخر، وهو فراس رضوان، تحدث إليهما موقع "الحرة"، عن معلومات مؤكدة لديهما تشير إلى اجتماعات مصرية تركية، على مستوى مخابراتي.

وقال تكين: "تصريحات أقطاي الأخيرة دقيقة وحقيقية، وليست مجرد تصريحات نثرية، وذلك عند وصفه الجيش المصري بالعظيم، الذي نحترمه كثيرا، لأنه جيش أشقائنا، كذلك عندما أشاد بالعلاقات الإيجابية المتينة بين عن الشعبين المصري والتركي".

وأضاف أن هذه التصريحات تعبر عما يجري بالخفاء، مشيرا إلى "محاولات من الجانبين المصري والتركي لتهدئة الأوضاع". وفي نفس المقابلة، تحدث أقطاي عن "تقارب وتواصل" بين الدولتين.

ويقول تكين إن ما جرى في الخفاء هو "زيارات لوفود مصرية رسمية، خلال الشهرين الماضيين، إلى تركيا لمحاولة إيجاد صيغة معينة حول الأزمة الليبية وغير الليبية".

تواصل موقع "الحرة" مع المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد حافظ، للتأكد من مزاعم الزيارات المصرية الرسمية إلى تركيا بشأن ليبيا، لكنه لم يرد.

استراتيجية "الخط الأحمر"

إلا أن الأمر الذي يجعل المغازلة التركية الأخيرة مختلفة هي الاهتمام الإعلامي التركي بها، كما أن حديث المسؤول التركي جاء في إطار مقابلة أجراها مع موقع "عربي 21"، المحسوب على تيار الإخوان المسلمين، والذي يتخذ من إسطنبول مقرا له، وذلك ضمن مجموعات قنوات تقول مصر إنها تستهدف قيادتها السياسية والتقليل من شأن "الإنجازات" التي تحدث على الأرض. 

وفي هذا الإطار، يقول أحمد الباز، مدير مركز "الإنذار المبكر" للدراسات السياسية والأمنية، ومقره أبوظبي، إن "تصريحات أقطاي هذه المرة ليست مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، حيث اهتمت وكالة الأناضول الرسمية بتغطيتها إلى جانب مؤسسات صحفية عدة، مما يعني أن ما قاله يمثل انعكاسا لوجهة النظر الرسمية التركية حاليا".

ويرى الباز أن المحاولات التركية الأخيرة لجذب ود مصر متأثرة بالتحول الاستراتيجي الذي أقرته الأخيرة خلال الشهور الماضية تجاه محوري ليبيا وشرق المتوسط، على حد قوله.

وفي يونيو الماضي، وبعدما تفقد وحدات عسكرية في قاعدة "سيدي براني" الجوية قرب الحدود مع ليبيا، تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن "حق مصر الشرعي للتدخل في ليبيا"، وذلك بعد أيام من قوله أمام حشد ضم عددا من قيادات القبائل الليبية: "إذا كان يعتقد البعض أنه يستطيع أن يتجاوز خط سرت-الجفرة.. ده أمر بالنسبة لنا خط أحمر".

 

 

يقول البار، في حديثه لموقع "الحرة"، إن "القوى الدولية استنفرت بعد هذا الإعلان، وسعت للتدخل، من أجل منع تصعيد أزمة محتملة".

وأضاف: "من الواضح أن بعض الدول الأوروبية كانت متطلعة لهذا الاستنفار، لتأخذ موقعا تستطيع من خلاله كبح تركيا، وعلى رأس هذه القوى فرنسا".

كما أشار مدير مركز "الإنذار المبكر" إلى توقيع اتفاق ترسيم الحدود المصرية اليونانية، وهو الأمر الذي وصفه بـ"تحول استراتيجي ثان" ترتب عليه "حصار" قانوني لتركيا وقضم لتوسعها غير المنضبط، على حد قوله.

والتوتر متصاعد من الأصل بين أثينا وأنقرة بسبب تنقيب تركيا في شرق المتوسط قبالة ساحل قبرص المقسمة، وهو الأمر الذي تعارضه فرنسا أيضا.

"كسر التحالفات"

هذا الترسيم للحدود البحرية المصرية اليونانية، الذي تم توقيعه في أغسطس الماضي، يراه المحلل السياسي التركي، فراس رضوان، سببا في تصريحات أقطاي الأخيرة. 

وفي يناير الماضي، غرد أقطاي مقترحا التوصل لاتفاق مصري-تركي حول المياه الاقتصادية بين الدولتين في شرق المتوسط، مضيفا: "إذا كانت اليونان وقبرص واليونان وإسرائيل سرقت حلمكم في أن تكون مصر قاعدة لتصدير الغاز، فإن حكومة تركيا لم تفعل".

تغريدات أقطاي في يناير الماضي.

وقال رضوان في حديث لموقع "الحرة": "تصريحات أقطاي ربما تعكس محاولة تركيا لاستقطاب مصر من التحالفات القائمة (اليوناني المصري، والفرنسي المصري) لأن مصر تمثل ثقلا، وستحقق تركيا مكسبا إذا نجحت في كسر هذا التحالف".

وفي يناير 2019، اجتمعت دول بشرق المتوسط، واتفقت على إنشاء "منتدى غاز شرق المتوسط"، على أن يكون مقره القاهرة.

ويضم المنتدى مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، دون أن توجه الدعوة لتركيا التي كانت لتوها وقعت اتفاقية مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية، الأمر الذي قوبل بإدانة من اليونان وقبرص ومصر.

إلا أن المحاولة التركية لاستقطاب مصر الآن من تحالفاتها الجديدة، وإعادة التحالف القديم معها لا يبدو بهذه السهولة، فعقبات جمة تقف حائلا دون تنفيذ ذلك.

وكانت علاقات مصر مع تركيا توترت منذ عزل الجيش المصري الرئيس محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، عام 2013.

وفي مؤتمر صحفي عقده الأحد الماضي، رد وزير الخارجية المصري، سامح شكري، على التصريحات التركية الجديدة، قائلا إن القاهرة تريد أفعالا من تركيا وليس أقوالا.

وأكد شكري على مطالب القاهرة في أن تنسحب أنقرة من العراق وسوريا وليبيا، وأن تخفف التوتر القائم في شرق المتوسط، وتتوقف عن سياساتها التوسعية المقوضة لاستقرار الشرق الأوسط.

الانسحاب التركي

ويعلق رضوان على ذلك، بقوله: "شروط سامح شكري مستحيلة التنفيذ، الجميع يعلم أن خروج تركيا من شمال العراق وسوريا وليبيا مستحيل بدون الوصول إلى حل جذري كامل".

وأوضح وجهة النظر التركية، قائلا: "فعلى الحكومة العراقية مثلا أن تقضي على حزب العمال الكردستاني، وهذا صعب لعدم قدرتها العسكرية على ذلك".

وتشن أنقرة ضربات جوية بشكل متكرر على شمال العراق، كما تنفذ قصفا بالمدفعية وعمليات برية أيضا ضد حزب العمال الكردستاني الذي يتمركز مسلحوه في شمال العراق.

ويريد الحزب حكما ذاتيا في جنوب شرق تركيا، ذي الأغلبية الكردية، لكن أنقرة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي  تعتبره جماعة إرهابية. 

ويكمل رضوان، قائلا: "أما الوضع في الشمال السوري فقد استقر على ما هو عليه الآن ولا يمكن الحديث عن خروج الجيش التركي من هناك، بينما تتواصل المفاوضات السياسية بين المعارضة والنظام السوري".

وفي 2018، وقعت أنقرة وموسكو اتفاقا لإقامة منطقة خفض التصعيد في إدلب بالشمال السوري، بما سمح لتركيا بإقامة نقاط مراقبة وتواجد عسكري بري على الأرض.

"أما في ليبيا، فالقوات التركية في ليبيا ليست قوات احتلال، بل جاءت بناء على اتفاقات رسمية مسجلة في الأمم المتحدة بين حكومتي البلدين"، على حد قول رضوان.

وكانت حكومة الوفاق الوطني الليبية، المعترف بها دوليا، وقعت مع تركيا اتفاقا بشأن الحدود البحرية في البحر المتوسط العام الماضي. وشمل الاتفاق توقيع مذكرتي تفاهم، إحداهما حول التعاون الأمني، والثانية في المجال البحري.

ويعلق تكين على تصريحات شكري بقوله: "تركيا ليست دولة معتدية، وليس من حقه أن يطالبها بالتوقف عن عملياتها للدفاع عن نفسها ومناصرة حلفائها، وبالتالي مطالبه ولا بالأحلام (مستحيلة التنفيذ) كما يقال باللغة العامية".

"تواصل مخابراتي"

وبعد أسابيع من التهديد والوعيد، والحرب الكلامية بين الطرفين، ووشك اندلاع مواجهة عسكرية بينهما على الأراضي الليبية، توصل الطرفان المتنازعان في ليبيا إلى وقف لإطلاق النار، وانخرطا في عدة مفاوضات سياسية، كانت مصر حاضرة في تفاصيلها، فيما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بإعادة تركيا المئات من المرتزقة من ليبيا إلى الشمال السوري.

وفي هذا الشأن، يعتقد رضون أن تواصلاً تركيا-مصريا مخابراتيا يجري تحت الطاولة، بعيدا عن الخلافات السياسية، مرجعا ذلك إلى الضغط الأميركي لحل الأزمة الليبية، ورغبة أجهزة المخابرات في كلا البلدين في ذلك.

بينما قال تكين: "تركيا حريصة على علاقات جيدة مع الدولة المصرية والجيش والشعب المصريين، وهي لم تهاجم مصر ككيان أبدا، وهناك مساع لتحسين العلاقات".

وأشار إلى أن السبب وراء الاهتمام التركي بتصريحات أقطاي الأخيرة يتمثل في الحاجة إلى التهدئة في منطقة الشرق الأوسط، والتنسيق الذي يعود بالنفع على الجانبين.

وتابع "الكرة الآن في الملعب المصري".

معارضة أم مجرمون؟

وتمثل تركيا مقرا رئيسا لعدد من القنوات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين التي لجأ أفراد منها إلى تركيا، خوفا من الملاحقة الأمنية داخل مصر، بعد أعمال العنف التي وقعت عقب الإطاحة بمرسي.

وترى القاهرة أن هذه القنوات تبث موادا دعائية كاذبة عن قيادتها السياسية، كما سبق وأن حرض مقدم برنامج على إحدى هذه القنوات على قتل أفراد من الشرطة والجيش المصريين، بينما دافع ثان عن هشام عشماوي، ضابط الصاعقة الذي أعدمته مصر في وقت سابق من هذا العام بعد إدانته بتهم إرهابية.

لكن رضوان يرى أن هؤلاء المصريين المتواجدين في تركيا "معارضة سياسية" لا يجب تسليم أفرادها، وفي نفس الوقت لم يستبعد المحلل السياسي التركي أن تتوصل كل من القاهرة وأنقرة إلى تفاهمات أمنية بهذا الصدد، إذا اتفق البلدان على عودة العلاقات.

فيما قال تكين: "من غير المعقول أن تسلم تركيا أشخاصا مهددين بالإعدام والقتل، وهي لا تأوي هذه القنوات أو هؤلاء الأشخاص لانتمائهم للإخوان المسلمين، بل هم موجودون بصفة قانونية، ولن تغلق القنوات لأنها مرخصة وتعمل وفق القوانين الطبيعية التركية".

وبينما لم ترد مصر على المزاعم التركية الأخيرة بإجراء محادثات، على عدة مستويات، غير مسبوقة بين البلدين منذ الإطاحة بحكم الإخوان، يبقى التوتر سائدا في ظل ظهور إعلاميين وسياسيين ينتقدون الدولة المصرية على شاشات القنوات التي تقول القاهرة إنها بتمويل وتوجيه رسمي تركي، بمقابل ظهور إعلاميين وصحافيين مصريين على وسائل إعلام حكومية وشبه حكومية، تنتقد السلطات التركية، وتتهمها بتمويل الإرهابيين وإيوائهم. 

وفي 2014، أقرت السلطات المصرية قواعد جديدة للسفر إلى تركيا، تتضمن ضرورة الحصول على الموافقة الأمنية للشباب ما بين سن 18 عاما و40 عاما، "تخوفا من انضمامهم إلى جماعات إرهابية تتواجد على الأراضي التركية".    
 

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.