مصر تتحفظ على قرار يدين إيران في مجال حقوق الإنسان في الأمم المتحدة
مصر تتحفظ على قرار يدين إيران في مجال حقوق الإنسان في الأمم المتحدة

منذ أيام، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يدعو إيران إلى احترام حقوق الإنسان لجميع مواطنيها، بأغلبية 79 صوتا مقابل 32، بينما امتنعت 64 دولة عن التصويت.

وقد أدان قرار الأمم المتحدة، استمرار تنفيذ توقيع عقوبة الإعدام في إيران، ووصفها بأنها "مثيرة للجزع"، وخاصة تلك التي تتم بناء على اعترافات انتزعت قسرا أو في جرائم لا تندرج في فئة أشد الجرائم خطورة، كما أعربت عن قلق الأمم المتحدة في استمرار إعدام القصر الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما.

كما أعرب القرار ببالغ القلق إزاء استمرار فرض العراقيل الشديدة وتزايد القيود من حرية التعبير والعبادة لأديان الأخرى والأقليات داخل البلاد، بمن فيهم المسيحيون واليهود والمسلمون السنة والبهائيون، الذين يواجهون قيود متشددة بسبب معتقداتهم، وتعرضوا للاعتقال والاختفاء القسري لفترات طويلة خلال جائحة كورونا.

ومن بين الدول العربية التي صوتت بـ"نعم" على القرار الإمارات والسعودية، بينما صوتت بعض الدول مثل العراق ولبنان ضد القرار بسبب النفوذ الإيراني في هذين البلدين، لكن الموقف الذي أثار جدلا، كان موقف مصر بسبب تحفظها على القرار، في مخالفة لشركائها الخليجين، مما أثار غضب بعض دول الخليج، المعادية لإيران.

إظهار الاستقلالية

ويرى الدكتور عمرو الشوبكي، المستشار بمركز الأهرام للدراسات، أن قرار مصر جاء لإظهار استقلاليتها عن دول الخليج في بعض الملفات التي لا تؤثر بشكل مباشر على العلاقات بينها وبين دول الخليج، مشيرا إلى أن تحفظ مصر هو رسالة لدولة الخليج بالاستقلالية في بعض القضايا الاستراتيجية.

وأضاف الشوبكي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن مصر لا ترى أن إيران لا تمثل أي تهديد مباشر لها، بل هي تمثل تهديدا مباشر على دول الخليج، لذلك تسعى دائما أن تظهر نوع من التضامن معهم في هذا الملف.

بينما قال محمد عبادي، مدير مركز جدار للدراسات، إن مصر تخشى أن يستغل الرئيس الأميركي ملف حقوق الإنسان في إيران، بالإضافة إلى استمرار إيران في تصعيدها في الملف النووي، لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران قبل تركه منصبه في 20 يناير، لذلك تريد من هذا الموقف أن تنأى بنفسها عن أي صراع عسكري في دول الخليج.

وأكد عبادي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن موقف مصر ثابت في هذه القضية وهي "الحيادية"، وهو ما ظهر واضحا من دعمها النظام السوري، المدعوم من إيران، رغم الضغط الشديد التي تعرضت له من دول الخليج.

قرار سيادي

أما المحلل السياسي البحريني سعد راشد، فقد قال إن قرار مصر بالامتناع عن التصويت عن إدانة الملف الحقوقي في إيران، يعتبر قرارا سياديا لها، مردفا: "نؤمن أن مصر هي العمق العربي، وأن هذه القرارات سيادية، ونحن نحترمها".

وأضاف: "هناك تنسيق مستمر بين مصر ودول الخليج وتحديدا السعودية والإمارات والبحرين، لكن فيما يتعلق بالتصويت، بالتأكيد مصر لديها مبرر واضح بخصوص ذلك".

وأشار راشد في تصريحه لموقع "الحرة" إلى أن مصر لديها مصالح قومية داخلية جعلتها تمتع عن هذا التصويت والاتجاه مع الإمارات والسعودية والبحرين بتأييد إدانة انتهاكات إيران لحقوق الإنسان.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تعارض مصر فيها الخليج فيما يخص إيران، فقد صوتت مصر في أكتوبر 2016، لصالح قرار روسي يتعلق بسوريا، وتدعمه إيران، وتعارضه السعودية في مجلس الأمن، مما تسبب في حالة غضب عارمة لدى السعودية وبعض دول الخليج.

كما أن مصر شاركت بشكل رسمي العام المضي، في احتفالات مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة وذلك بمناسبة مرور ٤٠ عاما على الثورة الإيرانية، حيث أوفدت وزارة الخارجية المصرية، نائب وزير الخارجية المصري للشؤون الأسيوية السفير خالد ثروت للمشاركة في احتفالات الثورة الإيرانية، في خطوة زادت التكهنات حول مستقبل العلاقات بين البلدين.

وبحسب معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن مصر لديها العديد من التفاهمات مع طهران في عدد من الملفات المشتركة، التي تعكس مصالحها، مثل موقفهما من دعم نظام الأسد، وضرورة إخضاع البرنامج النووي الإسرائيلي للرقابة الدولية.

لا يؤثر

أما عن رد فعل الخليج من هذا الموقف، فقد أكد عبادي أن الخليج تعود على الموقف المصري، ويقبل بالموقف المصري الذي لا يتحالف مع إيران ولا يعارضها، والاكتفاء منه بالتصريحات التي تندد بأي محاولة للاعتداء على الأمن القومي الخليجي.

وأكد الشوبكي أن هذا الموقف أو غيره من عشرات المواقف من هذا النوع لن تؤثر على التحالف المصري الخليجي، مضيفا أن تحفظ مصر على قرار الأمم المتحدة في قرار يخص إيران في مجال حقوق الإنسان لا يعكس تحولا جذريا في العلاقة مع دول الخليج.

ويرى معهد واشطن أنه على الرغم من أن مواجهة إيران تمثل إحدى الأولويات القصوى لدول الخليج، يبدو أن المسؤولين قد قبلوا مشاركة مصر المحدودة في الحملة الموجهة ضد إيران. ويبدو أن هذا الترتيب هو الأمثل بالنسبة للقاهرة، ففي الوقت الذي ستبقى فيه مصر حليفة لدول الخليج، فإنها ستكون أيضا قادرة على تبنى مواقف تعكس المصالح الاستراتيجية المشتركة بينها وبين طهران. 

علاقات متقلبة

وعلى مدار العقود الماضية شهدت العلاقات المصرية الإيرانية تقلبات كبيرة، حيث بدأت بعلاقة مصاهرة بين الأسرتين الحاكمتين في كلا البلدين، وذلك بعد زواج شقيقة الملك فاروق من محمد رضا بهلوي، ولى عهد إيران في عام 1939، وبعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وقع خلاف شديد بين البلدين بسبب موقف مصر المعادي للثورة، وقم استضافت مصر شاه إيران وأقامت عند وفاته جنازة عسكرية حضرها رئيس الجمهورية وقتها محمد أنور السادات.

وبعد ثورة يناير 2011 وتولي الإخوان المسلمين حكم مصر في عام 2012، شهدت العلاقات بين البلدين تقاربا كبيرا رغم الاختلاف المذهبي بين النظامين الحاكمين، وصلت إلى حد زيارة الرئيس الراحل محمد مرسي طهران ثم زيارة الرئيس الإيراني وقتها أحمدي نجاد القاهرة، وهو ما أثار غضب دول الخليج.

ولكن مع صعود الرئيس عبد الفتاح السيسي للسلطة في مصر، تغيرت العلاقات واتبعت مصر الحيادية في الملف الإيراني، وأكد معهد واشنطن أن أولويات القاهرة منذ اليوم الأول لمجيء السيسي للسلطة، كانت وما زالت تتمحور حول مواجهة خطر الإسلاميين الراديكاليين سواء داخل مصر أو خارجها. ومن ثم، تتراجع أولوية مواجهة الخطر الإيراني بالنسبة لمصر.

وصرح راشد: "هناك تباين في الآراء فيما يتعلق بالملف الحقوقي، خاصة وأن مصر لديها علاقات مع روسيا والصين (...)، لكن هذا لا يعني أن مصر لا تتوافق مع دول الثلاثي الخليجي".

وتابع: "القضايا الحقوقية تختلف عن مسائل مكافحة الإرهاب مثلا التي نجد مصر فيها داعمة بقوة لقرارات الثلاثي الخليجي، خاصة فيما يتعلق بالتنظيمات الإرهابية المتطرفة ومنها هذه التنظيمات الموالية لإيران".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.