A Chinese national flag flutters near a minaret of the ancient Id Kah Mosque in the Old City in Kashgar in Xinjiang Uighur…
الصين تزعم أن حملتها في شينجيانغ هي جزء من جهود مكافحة الإرهاب

بينما كان البابا فرنسيس يصف لأول مرة مسلمي الإيغور في الصين بأنهم "مضطهدون"، كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش عن اعتقال السعودية لرجلين مسلمين صينيين من هذه الأقلية على أراضيها.. ربما يعكس الموقفان المتزامنان الرؤية المختلفة لما يحدث في منطقة شينجيانغ.

وقبل هذين الموقفين، انتقد مدافعون عن قضية هذه الأقلية الاستهجان الواسع الذي تلقت به الدول العربية والإسلامية، رسميا وشعبيا، الرسوم المسيئة الأخيرة للنبي محمد في فرنسا مقابل الصمت إزاء وضع المسلمين الإيغور في شمال غرب الصين.

وتقول هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى إنه "لطالما أظهرت الحكومة الصينية عداء للعديد من أشكال التعبير المتصلة بهوية الإيغور، وفرضت قيودا واسعة، منها دينية، على الحياة اليومية في شينجيانغ". 

ويصف رئيس مجلس العلاقات العربية الدولية (كارنتر) طارق آل شيخان الشمري تقارير المنظمات الحقوقية وإعلان الفاتيكان الأخير بـ"المسيس"، قائلا إن هناك من يستغل "ورقة الإيغور" لتحقيق أهداف أخرى.

ووقعت 22 دولة عضو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، العام الماضي، رسالة تنتقد معاملة الصين للإيغور وغيرهم من الأقليات، وهذه الدول هي: النمسا، ونيوزيلندا، وكندا، واليابان، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والسويد، ولاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا، والدنمارك، والنرويج، وأيرلندا الشمالية، وهولندا، وأيسلندا، ولكسمبورغ، وإسبانيا، وأستراليا، وأيرلندا، وبلجيكا، وسويسرا.

وردا على هذه الرسالة وجهت حينها 37 دولة بينها رسالة إلى الأمم المتحدة تدعم فيها سياسة بكين تجاه الأقليات، ومن هذه الدول: والسعودية وقطر وسوريا وكوريا الشمالية والجزائر ونيجيريا والفلبين وروسيا.

وتوفي المئات من الإيغور، الذين يقدر عددهم بحوالي 13 مليون شخص في شينجيانغ (بحسب هيومين رايتس ووتش)، في السنوات القليلة الماضية، أغلبهم في اضطرابات بينهم وبين أغلبية الهان العرقية الصينية.

وبينما تزعم الصين أن حملتها في هذه المنطقة هي جزء من جهود مكافحة الإرهاب، تسجل المنظمات الحقوقية منذ أواخر 2016، تصاعد مستوى القمع كثيرا هناك.

وبحسب رايتس ووتش، فإن جزءا كبيرا من هذا القمع يستهدف الممارسات الدينية. "يُسجن الإيغور ويحتجزون بسبب دراستهم للقرآن، وتأديتهم الحج من دون موافقة الدولة، وارتدائهم ملابس دينية".

لكن آل شيخان يقول لموقع "الحرة": "لا توجد أي أقلية في العالم ممنوعة من ممارسة الشعائر، والإسلام لا يشجع الدول والأشخاص على تهديد الأمن القومي وتأسيس حركات انفصالية".

وتقول بكين إن عناصر من الإيغور تشن حملة عنف تشمل التآمر للقيام بعمليات تفجير وتخريب وعصيان مدني من أجل إعلان دولة مستقلة.

"بيته من زجاج"

ويقول الباحث في الشؤون الدولية محمد العربي لموقع "الحرة" إن الدول العربية، ومن بينها الدول الحليفة للغرب، لا تفضل التدخل في شؤون الدول الأخرى حتى باسم الدفاع عن الأقليات، مضيفا "الأمر أشبه بمقولة من كان بيته من زجاج فلا يرم الناس بالحجر، فالدول العربية لديها أزمات داخلية أيضا".

وأضاف أن الدول العربية "تدرك مدى الكارثة التي أفضت إليها سياسات التدخل الغربي في المنطقة سواء لنشر الديمقراطية أو لحماية الأقليات".

وفي نفس السياق، قال آل شيخان إن دول الخليج تلتزم بالاتفاقيات الدولية التي تمنع التدخل في سياسة الدول الأخرى، مضيفا "دول الخليج لا تريد ولا تشجع الحركات الانفصالية حتى لا تعطي للآخرين ذريعة لاستغلال ذلك".

وعقب تأكيد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الشهر الماضي، أن بلاده "لن تتخلى عن مبدأ الحرية في نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد"، ثارت دول عربية وإسلامية عدة، على المستويين الرسمي والشعبي، لاستنكار الرسوم وتصريح ماكرون بينما تساءل البعض عن تلاشي غضب مماثل لقمع الصين للأقلية المسلمة في إقليم شينجيانع.

لكن العربي يرى أن أزمة الرسوم في فرنسا تختلف عن أزمة الإيغور في الصين، قائلا: "القضية في فرنسا لا تتعلق بالأقليات فحسب، بل بخطاب معاد للدين في الداخل الفرنسي يمكن أن تستغله بعض النظم العربية لتأكيد شرعيتها الدينية". 

الأزهر والإيغور 

وتعرض الأزهر وشيخه أحمد الطيب لانتقادات حادة من قبل مستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الذي كان يصدر فيه بيانات ويندد علماؤه بالتصريحات الفرنسية ضد الإسلام والرسوم المسيئة للنبي محمد، في مقابل ما وصف بـ"صمت" تجاه ما تتعرض له أقلية الإيغور. 

لكن الأزهر، الذي يرفض استخدام مصطلح الأقليات، كان من بين أولى المؤسسات في العالم المستنكرة لقرار السلطات الصينية منع الموظفين المدنيين والطلاب والمعلمين في إقليم شينجيانغ من الصيام في شهر رمضان من عام 2015. واعتبر الأزهر هذا القرار بمثابة "اضطهاد" بحق مسلمي الإيغور في الصين.

وفي 2018، انتقد مرصد الأزهر لمتابعة أحوال المسلمين في العالم، في تقرير له، مراكز إعادة تأهيل المسلمين التي تقيمها الصين، بعد تقرير لهيومن رايتس ووتش، جاء فيه إخضاع ملايين المسلمين في المنطقة إلى التلقين السياسي القسري، والمراقبة الجماعية، والقيود الشديدة على التنقل. ويُقدر أن مليون منهم محتجزون في معسكرات "التثقيف السياسي".

وفي هذا الإطار، يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن لموقع "الحرة" إن الأزهر كثيرا ما تحدث عن مناصرة الإيغور، كما أن صحيفته "صوت الأزهر" نشرت أكثر من مرة عن أزمتهم، وغطت وقائع وأحداث، تحدثت فيها عن اضطهاد وحرمان هذه الأقلية من العبادة. 

وأضاف: "الأزهر يؤدي دوره التقليدي، باعتباره مسؤول عن المسلمين السنة في العالم". وتستضيف جامعة الأزهر في مصر بعثات تعليمية من عدة بلدان منها طلاب من أقلية الإيغور المسلمة من الصين.

وشهدت السنوات الأخيرة ترحيل مواطنين من أقلية الإيغور قسرا إلى الصين، في خرق للقانون الدولي. وكانت مصر من بين الدول التي اعتقلت، في يوليو 2017، 62 منهم ورحلت 12 على الأقل، من بينهم طلاب بجامعة الأزهر، إلى بكين.

كانت مصر من بين الدول التي اعتقلت مواطنين من أقلية الإيغور

يقول حسن إن الأزهر صمت منذ أن طلبت السلطات الصينية من الأمن المصري ترحيل عدد من طلاب الإيغور بعد أن قدمت ما يفيد أنهم يتواصلون مع أهلهم في شينجيانغ ويحثوهم على المقاومة والاحتجاج.

وأضاف "منذ هذه اللحظة أعتقد الأزهر أن أزمة الإيغور قضية أمنية شائكة وتخص العلاقات الصينية-المصرية"، مع تأكيده على ما يتردد بشأن انتماء إيغوري لتركيا وقوميتها.

وتابع "لطالما قيل إن أقلية الإيغور ذات هوى تركي وتنتمي للقومية التركية، ولا تريد الذوبان في المجتمع الصيني".

وأوضح أنه في ظل الخلافات المصرية-التركية يُنظر للإيغور باعتبارهم امتداد لتركيا في وسط آسيا. وربما يفسر ذلك صمت الأزهر.

وكانت علاقات مصر مع تركيا توترت منذ عزل الجيش المصري الرئيس محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، عام 2013.

ولم يرد الأزهر على طلب موقع "الحرة" بالتعليق.

الإيغور والرسوم المسيئة

وفي إطار الاختلاف بين أزمة الرسوم في فرنسا وأزمة الإيغور في الصين، تحدث الباحث في الشؤون الدولية في مركز الإنذار المبكر، ومقره أبوظبي، محمد العربي، عما سماه بـ"التداخل السكاني وارتباك العلاقات" بين كل من فرنسا والعالم العربي، وهو الأمر الذي لا ينطبق على العلاقات مع الصين. 

وقال: "الدول العربية، خاصة من شمال أفريقيا، تعد المصدر الرئيس للمهاجرين في فرنسا، وهناك تداخل سكاني، فضلا عن ارتباك العلاقات التاريخية بين الغرب الاستعماري والدول العربية".

من المظاهرات المنددة بالرسوم المسيئة في باكستان

وتابع "هذا العامل لا ذكر له في العلاقات العربية الصينية التي سجلت مواجهة عسكرية واحدة مع الدول العباسية في القرن الثامن الميلادي".

كما يعتقد العربي أن العلاقات بين الصين والمنطقة "تفسر إحجام الدول العربية عن انتقاد سياسات الصين الداخلية تجاه الإيغور"، وهو الأمر الذي ينطبق على إيران وتركيا، على حد قوله.

هل تجدي الانتقادات اللفظية؟

ورغم مرور أكثر من شهر على أزمة الرسوم المسيئة، تصدر وسم (هاشتاغ) #مقاطعه_المنتجات_الفرنسيه32 قائمة أكثر الوسوم انتشارا عربيا، الأحد.

ومع صعوبة تقييم الأثر الفوري لدعوات المقاطعة، مع ملاحظة عدم رواج المنتجات الفرنسية، ذات التكلفة المرتفعة، بين طبقات عربية وإسلامية عدة، يتواصل الانتقاد اللفظي لفرنسا.

ندد الأزهر بمراكز إعادة تأهيل المسلمين الإيغور

لكن الانتقادات اللفظية لسياسات حرية التعبير الفرنسية لا تعني أن الدول العربية ستضحي بعلاقاتها مع فرنسا أو أي حليف غربي آخر، على حسب العربي الذي مضى قائلا: "العواصم الغربية تعي جيدا أن هذا الخطاب معد للاستهلاك المحلي". 

وفي هذا الصدد أشار المحلل السياسي التركي، فراس رضوان إلى ما وصفه بـ"الاستفادة السياسية لتركيا" من الخطأ الذي ارتكبه ماكرون بتصريحه.

إلا أن هذه الانتقادات اللفظية لا صدى لها في الدول العربية، عندما يتعلق الأمر بوضع الإيغور. 

التبادل التجاري الصيني-العربي

ويعكس ارتفاع حجم استثمارات الصين في العالم العربي من 36.7 مليار دولار في 2004 إلى 266.4 مليار دولار في 2019، مدى التغول الاقتصادي في المنطقة، حسبما أظهرت بيانات صادرة عن وزارة التجارة الصينية.

كما يكشف التقرير السنوي لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والدول العربية لعام 2018 أن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية زاد بحوالي 28% مقارنة بعام 2017، ليصل إلى 224.3 مليار دولار.

أيضا زاد حجم عقود المقاولات الصينية في الدول العربية بنسبة 9%، لتصل إلى 35.6 مليار دولار. وأيضا الاستثمارات الصينية المباشرة في الدول العربية لتبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار.

وبلغت مساعدات الصين للدول العربية في 2018 حوالي 23 مليار دولار، لتشمل قروضا بقيمة 20 مليارا لتطوير مشروعات وخلق وظائف، و90.6 مليون دولار مساعدات إنسانية وإنشائية لسوريا واليمن والأردن ولبنان.

على الأطفال التحدث بلغة الماندرين بدلاً من لغتهم الأم الإيغورية
"سياسة تفريق العائلات".. الصين تفصل آلاف الأطفال من الإيغور عن آبائهم
أظهرت وثائق حكومية في منطقة شينجيانغ أن الآلاف من أطفال عرقية الإيغور المسلمين في الصين يعانون بعد إجبار أمهاتهم أو آبائهم على دخول معسكرات الاعتقال الصينية والسجون وغيرها من مرافق الاحتجاز، وفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وشهد عام 2019 تعاونا اقتصاديا واسعا بين الصين وثلاث دول عربية كبرى، إذ اقترضت مصر 1.2 مليار دولار من الصين لإنشاء قطار كهربائي بطول 68 كيلومترا يصل إلى العاصمة الإدارية الجديدة التي تشهد استثمارا صينيا يشمل إنشاء 18 برجا في منطقة الأعمال، بقيمة 3 مليارات دولار.

كما وقعت السعودية 12 اتفاقية تجارية مع الصين، بقيمة 28 مليار دولار. وبلغ نصيب شركة أرامكو وحدها عشرة مليارات دولار.

وكذلك وقعت الإمارات 16 اتفاقية مع الصين في مجالات الاقتصاد والنفط والبيئة. وتضمن الاتفاق مشروعا تولته شركة إعمار لتطوير منطقة سكنية وترفيهية في محيط مطار داكسينغ الدولي في بكين، بقيمة 11 مليار دولار.

أما النفط العربي، فقد بلغ حجم صادراته إلى الصين في عام 2018 حوالي 107.7 مليار دولار، بحسب المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية.

وجاءت 3 دول عربية ضمن الدول الـ5 الأولى التي استوردت الصين منها احتياجاتها من النفط في العام ذاته. وهي السعودية في المركز الـ2 (بقيمة 29.7 مليار دولار)، والعراق في المركز الـ4 (بقيمة 22.4 مليار دولار)، وسلطنة عمان في المركز الـ5 (بقيمة 17.3 مليار دولار).

"الإيغور الأتراك"

ورغم التحالف الاقتصادي والتعاون العسكري مع الصين، كانت تركيا هي الدولة الأكثر تفاعلا مع أزمة الإيغور في إقليم شينجيانغ، الأمر الذي أرجعه الباحث محمد العربي إلى "أسباب عرقية".

ورغم ذلك يقول الكاتب والمحلل السياسي التركي، حمزة تكين، لموقع "الحرة"، إن تركيا تستطيع انتقاد الصين في ظل ظروف سياسية واقتصادية معينة، واصفا العلاقات بينهما بـ"الجيدة".

لكنه قال إن العلاقات السياسية بينهما يشوبها الخلاف، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية السورية.

ويقول تكين، المقرب من السلطة الحاكمة في تركيا، إن قضية الإيغور حساسة لأنقرة، وتؤثر سلبا على بعض النواحي في العلاقات بين الدولتين.

وفي هذا الإطار، يقول رئيس مجلس العلاقات العربية الدولية (كارنتر) طارق آل شيخان الشمري إن "تركيا تستغل ورقة الإيغور"، مضيفا "إردوغان يستخدمهم لابتزاز الصين". 

وتعود أصول الإيغور عرقيا إلى الشعوب التركية، وهم يعتبرون أنفسهم أقرب عرقيا وثقافيا لشعوب آسيا الوسطى، حيث يجاور الإقليم الهند وأفغانستان ومنغوليا.

وفي أوائل القرن العشرين أعلن الإيغور استقلالهم لفترة وجيزة، لكن الإقليم وقع تحت سيطرة الصين الشيوعية عام 1949.

تستضيف إسطنبول عددا كبيرا من الجمعيات التي تساعد الإيغور

ومنذ ذلك الحين، انتقل عدد كبير من عرقية الهان إلى الإقليم، حيث خشى الإيغور من اندثار ثقافتهم.

ويتحدث الإيغور لغة مشتقة من التركية، وهم يشكلون نحو 45% من سكان إقليم شينجيانغ، في حين تبلغ نسبة الصينيين من عرقية الهان نحو 40%.

ويعد هذا الإقليم أكبر أقاليم الصين، ويتمتع بالحكم الذاتي مثل إقليم التبت نظريا، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء من هذا القبيل. 

وقال تكين إن "إردوغان هو الرئيس الوحيد في العالم الذي خاطب الصينيين مباشرة وعلى طاولتهم وأرضهم عن الإيغور خلال زيارته الأخيرة للصين، وحتى خلال المؤتمرات الصحفية التي عقدها هناك".

وأضاف: "تركيا الدولة الوحيدة في العالم التي تستقبل الإيغور، وتسمح لهم بإقامة الجمعيات الإغاثية والثقافية والاجتماعية غيرها، وهذه الجمعيات تدعم الإيغور الموجودين في الصين".

وتابع "جمعيات الإيغور الموجودة في قلب إسطنبول من أكبر الجمعيات في الداخل التركي، ولدى هذه الجمعيات مراكز ضخمة وليست مجرد مكاتب صغيرة".

ويعتقد تكين أنه "إذا كان تخفيف للقيود الصينية على الإيغور خلال الفترة الماضية، فإن الفضل في ذلك يعود لتدخل تركيا. أصلا لم يكن هناك تدخلات أخرى، لم نسمع انتقادات دول إسلامية صامتة".

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".