A Chinese national flag flutters near a minaret of the ancient Id Kah Mosque in the Old City in Kashgar in Xinjiang Uighur…
الصين تزعم أن حملتها في شينجيانغ هي جزء من جهود مكافحة الإرهاب

بينما كان البابا فرنسيس يصف لأول مرة مسلمي الإيغور في الصين بأنهم "مضطهدون"، كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش عن اعتقال السعودية لرجلين مسلمين صينيين من هذه الأقلية على أراضيها.. ربما يعكس الموقفان المتزامنان الرؤية المختلفة لما يحدث في منطقة شينجيانغ.

وقبل هذين الموقفين، انتقد مدافعون عن قضية هذه الأقلية الاستهجان الواسع الذي تلقت به الدول العربية والإسلامية، رسميا وشعبيا، الرسوم المسيئة الأخيرة للنبي محمد في فرنسا مقابل الصمت إزاء وضع المسلمين الإيغور في شمال غرب الصين.

وتقول هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى إنه "لطالما أظهرت الحكومة الصينية عداء للعديد من أشكال التعبير المتصلة بهوية الإيغور، وفرضت قيودا واسعة، منها دينية، على الحياة اليومية في شينجيانغ". 

ويصف رئيس مجلس العلاقات العربية الدولية (كارنتر) طارق آل شيخان الشمري تقارير المنظمات الحقوقية وإعلان الفاتيكان الأخير بـ"المسيس"، قائلا إن هناك من يستغل "ورقة الإيغور" لتحقيق أهداف أخرى.

ووقعت 22 دولة عضو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، العام الماضي، رسالة تنتقد معاملة الصين للإيغور وغيرهم من الأقليات، وهذه الدول هي: النمسا، ونيوزيلندا، وكندا، واليابان، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والسويد، ولاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا، والدنمارك، والنرويج، وأيرلندا الشمالية، وهولندا، وأيسلندا، ولكسمبورغ، وإسبانيا، وأستراليا، وأيرلندا، وبلجيكا، وسويسرا.

وردا على هذه الرسالة وجهت حينها 37 دولة بينها رسالة إلى الأمم المتحدة تدعم فيها سياسة بكين تجاه الأقليات، ومن هذه الدول: والسعودية وقطر وسوريا وكوريا الشمالية والجزائر ونيجيريا والفلبين وروسيا.

وتوفي المئات من الإيغور، الذين يقدر عددهم بحوالي 13 مليون شخص في شينجيانغ (بحسب هيومين رايتس ووتش)، في السنوات القليلة الماضية، أغلبهم في اضطرابات بينهم وبين أغلبية الهان العرقية الصينية.

وبينما تزعم الصين أن حملتها في هذه المنطقة هي جزء من جهود مكافحة الإرهاب، تسجل المنظمات الحقوقية منذ أواخر 2016، تصاعد مستوى القمع كثيرا هناك.

وبحسب رايتس ووتش، فإن جزءا كبيرا من هذا القمع يستهدف الممارسات الدينية. "يُسجن الإيغور ويحتجزون بسبب دراستهم للقرآن، وتأديتهم الحج من دون موافقة الدولة، وارتدائهم ملابس دينية".

لكن آل شيخان يقول لموقع "الحرة": "لا توجد أي أقلية في العالم ممنوعة من ممارسة الشعائر، والإسلام لا يشجع الدول والأشخاص على تهديد الأمن القومي وتأسيس حركات انفصالية".

وتقول بكين إن عناصر من الإيغور تشن حملة عنف تشمل التآمر للقيام بعمليات تفجير وتخريب وعصيان مدني من أجل إعلان دولة مستقلة.

"بيته من زجاج"

ويقول الباحث في الشؤون الدولية محمد العربي لموقع "الحرة" إن الدول العربية، ومن بينها الدول الحليفة للغرب، لا تفضل التدخل في شؤون الدول الأخرى حتى باسم الدفاع عن الأقليات، مضيفا "الأمر أشبه بمقولة من كان بيته من زجاج فلا يرم الناس بالحجر، فالدول العربية لديها أزمات داخلية أيضا".

وأضاف أن الدول العربية "تدرك مدى الكارثة التي أفضت إليها سياسات التدخل الغربي في المنطقة سواء لنشر الديمقراطية أو لحماية الأقليات".

وفي نفس السياق، قال آل شيخان إن دول الخليج تلتزم بالاتفاقيات الدولية التي تمنع التدخل في سياسة الدول الأخرى، مضيفا "دول الخليج لا تريد ولا تشجع الحركات الانفصالية حتى لا تعطي للآخرين ذريعة لاستغلال ذلك".

وعقب تأكيد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الشهر الماضي، أن بلاده "لن تتخلى عن مبدأ الحرية في نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد"، ثارت دول عربية وإسلامية عدة، على المستويين الرسمي والشعبي، لاستنكار الرسوم وتصريح ماكرون بينما تساءل البعض عن تلاشي غضب مماثل لقمع الصين للأقلية المسلمة في إقليم شينجيانع.

لكن العربي يرى أن أزمة الرسوم في فرنسا تختلف عن أزمة الإيغور في الصين، قائلا: "القضية في فرنسا لا تتعلق بالأقليات فحسب، بل بخطاب معاد للدين في الداخل الفرنسي يمكن أن تستغله بعض النظم العربية لتأكيد شرعيتها الدينية". 

الأزهر والإيغور 

وتعرض الأزهر وشيخه أحمد الطيب لانتقادات حادة من قبل مستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الذي كان يصدر فيه بيانات ويندد علماؤه بالتصريحات الفرنسية ضد الإسلام والرسوم المسيئة للنبي محمد، في مقابل ما وصف بـ"صمت" تجاه ما تتعرض له أقلية الإيغور. 

لكن الأزهر، الذي يرفض استخدام مصطلح الأقليات، كان من بين أولى المؤسسات في العالم المستنكرة لقرار السلطات الصينية منع الموظفين المدنيين والطلاب والمعلمين في إقليم شينجيانغ من الصيام في شهر رمضان من عام 2015. واعتبر الأزهر هذا القرار بمثابة "اضطهاد" بحق مسلمي الإيغور في الصين.

وفي 2018، انتقد مرصد الأزهر لمتابعة أحوال المسلمين في العالم، في تقرير له، مراكز إعادة تأهيل المسلمين التي تقيمها الصين، بعد تقرير لهيومن رايتس ووتش، جاء فيه إخضاع ملايين المسلمين في المنطقة إلى التلقين السياسي القسري، والمراقبة الجماعية، والقيود الشديدة على التنقل. ويُقدر أن مليون منهم محتجزون في معسكرات "التثقيف السياسي".

وفي هذا الإطار، يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن لموقع "الحرة" إن الأزهر كثيرا ما تحدث عن مناصرة الإيغور، كما أن صحيفته "صوت الأزهر" نشرت أكثر من مرة عن أزمتهم، وغطت وقائع وأحداث، تحدثت فيها عن اضطهاد وحرمان هذه الأقلية من العبادة. 

وأضاف: "الأزهر يؤدي دوره التقليدي، باعتباره مسؤول عن المسلمين السنة في العالم". وتستضيف جامعة الأزهر في مصر بعثات تعليمية من عدة بلدان منها طلاب من أقلية الإيغور المسلمة من الصين.

وشهدت السنوات الأخيرة ترحيل مواطنين من أقلية الإيغور قسرا إلى الصين، في خرق للقانون الدولي. وكانت مصر من بين الدول التي اعتقلت، في يوليو 2017، 62 منهم ورحلت 12 على الأقل، من بينهم طلاب بجامعة الأزهر، إلى بكين.

كانت مصر من بين الدول التي اعتقلت مواطنين من أقلية الإيغور

يقول حسن إن الأزهر صمت منذ أن طلبت السلطات الصينية من الأمن المصري ترحيل عدد من طلاب الإيغور بعد أن قدمت ما يفيد أنهم يتواصلون مع أهلهم في شينجيانغ ويحثوهم على المقاومة والاحتجاج.

وأضاف "منذ هذه اللحظة أعتقد الأزهر أن أزمة الإيغور قضية أمنية شائكة وتخص العلاقات الصينية-المصرية"، مع تأكيده على ما يتردد بشأن انتماء إيغوري لتركيا وقوميتها.

وتابع "لطالما قيل إن أقلية الإيغور ذات هوى تركي وتنتمي للقومية التركية، ولا تريد الذوبان في المجتمع الصيني".

وأوضح أنه في ظل الخلافات المصرية-التركية يُنظر للإيغور باعتبارهم امتداد لتركيا في وسط آسيا. وربما يفسر ذلك صمت الأزهر.

وكانت علاقات مصر مع تركيا توترت منذ عزل الجيش المصري الرئيس محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، عام 2013.

ولم يرد الأزهر على طلب موقع "الحرة" بالتعليق.

الإيغور والرسوم المسيئة

وفي إطار الاختلاف بين أزمة الرسوم في فرنسا وأزمة الإيغور في الصين، تحدث الباحث في الشؤون الدولية في مركز الإنذار المبكر، ومقره أبوظبي، محمد العربي، عما سماه بـ"التداخل السكاني وارتباك العلاقات" بين كل من فرنسا والعالم العربي، وهو الأمر الذي لا ينطبق على العلاقات مع الصين. 

وقال: "الدول العربية، خاصة من شمال أفريقيا، تعد المصدر الرئيس للمهاجرين في فرنسا، وهناك تداخل سكاني، فضلا عن ارتباك العلاقات التاريخية بين الغرب الاستعماري والدول العربية".

من المظاهرات المنددة بالرسوم المسيئة في باكستان

وتابع "هذا العامل لا ذكر له في العلاقات العربية الصينية التي سجلت مواجهة عسكرية واحدة مع الدول العباسية في القرن الثامن الميلادي".

كما يعتقد العربي أن العلاقات بين الصين والمنطقة "تفسر إحجام الدول العربية عن انتقاد سياسات الصين الداخلية تجاه الإيغور"، وهو الأمر الذي ينطبق على إيران وتركيا، على حد قوله.

هل تجدي الانتقادات اللفظية؟

ورغم مرور أكثر من شهر على أزمة الرسوم المسيئة، تصدر وسم (هاشتاغ) #مقاطعه_المنتجات_الفرنسيه32 قائمة أكثر الوسوم انتشارا عربيا، الأحد.

ومع صعوبة تقييم الأثر الفوري لدعوات المقاطعة، مع ملاحظة عدم رواج المنتجات الفرنسية، ذات التكلفة المرتفعة، بين طبقات عربية وإسلامية عدة، يتواصل الانتقاد اللفظي لفرنسا.

ندد الأزهر بمراكز إعادة تأهيل المسلمين الإيغور

لكن الانتقادات اللفظية لسياسات حرية التعبير الفرنسية لا تعني أن الدول العربية ستضحي بعلاقاتها مع فرنسا أو أي حليف غربي آخر، على حسب العربي الذي مضى قائلا: "العواصم الغربية تعي جيدا أن هذا الخطاب معد للاستهلاك المحلي". 

وفي هذا الصدد أشار المحلل السياسي التركي، فراس رضوان إلى ما وصفه بـ"الاستفادة السياسية لتركيا" من الخطأ الذي ارتكبه ماكرون بتصريحه.

إلا أن هذه الانتقادات اللفظية لا صدى لها في الدول العربية، عندما يتعلق الأمر بوضع الإيغور. 

التبادل التجاري الصيني-العربي

ويعكس ارتفاع حجم استثمارات الصين في العالم العربي من 36.7 مليار دولار في 2004 إلى 266.4 مليار دولار في 2019، مدى التغول الاقتصادي في المنطقة، حسبما أظهرت بيانات صادرة عن وزارة التجارة الصينية.

كما يكشف التقرير السنوي لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والدول العربية لعام 2018 أن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية زاد بحوالي 28% مقارنة بعام 2017، ليصل إلى 224.3 مليار دولار.

أيضا زاد حجم عقود المقاولات الصينية في الدول العربية بنسبة 9%، لتصل إلى 35.6 مليار دولار. وأيضا الاستثمارات الصينية المباشرة في الدول العربية لتبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار.

وبلغت مساعدات الصين للدول العربية في 2018 حوالي 23 مليار دولار، لتشمل قروضا بقيمة 20 مليارا لتطوير مشروعات وخلق وظائف، و90.6 مليون دولار مساعدات إنسانية وإنشائية لسوريا واليمن والأردن ولبنان.

على الأطفال التحدث بلغة الماندرين بدلاً من لغتهم الأم الإيغورية
"سياسة تفريق العائلات".. الصين تفصل آلاف الأطفال من الإيغور عن آبائهم
أظهرت وثائق حكومية في منطقة شينجيانغ أن الآلاف من أطفال عرقية الإيغور المسلمين في الصين يعانون بعد إجبار أمهاتهم أو آبائهم على دخول معسكرات الاعتقال الصينية والسجون وغيرها من مرافق الاحتجاز، وفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وشهد عام 2019 تعاونا اقتصاديا واسعا بين الصين وثلاث دول عربية كبرى، إذ اقترضت مصر 1.2 مليار دولار من الصين لإنشاء قطار كهربائي بطول 68 كيلومترا يصل إلى العاصمة الإدارية الجديدة التي تشهد استثمارا صينيا يشمل إنشاء 18 برجا في منطقة الأعمال، بقيمة 3 مليارات دولار.

كما وقعت السعودية 12 اتفاقية تجارية مع الصين، بقيمة 28 مليار دولار. وبلغ نصيب شركة أرامكو وحدها عشرة مليارات دولار.

وكذلك وقعت الإمارات 16 اتفاقية مع الصين في مجالات الاقتصاد والنفط والبيئة. وتضمن الاتفاق مشروعا تولته شركة إعمار لتطوير منطقة سكنية وترفيهية في محيط مطار داكسينغ الدولي في بكين، بقيمة 11 مليار دولار.

أما النفط العربي، فقد بلغ حجم صادراته إلى الصين في عام 2018 حوالي 107.7 مليار دولار، بحسب المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية.

وجاءت 3 دول عربية ضمن الدول الـ5 الأولى التي استوردت الصين منها احتياجاتها من النفط في العام ذاته. وهي السعودية في المركز الـ2 (بقيمة 29.7 مليار دولار)، والعراق في المركز الـ4 (بقيمة 22.4 مليار دولار)، وسلطنة عمان في المركز الـ5 (بقيمة 17.3 مليار دولار).

"الإيغور الأتراك"

ورغم التحالف الاقتصادي والتعاون العسكري مع الصين، كانت تركيا هي الدولة الأكثر تفاعلا مع أزمة الإيغور في إقليم شينجيانغ، الأمر الذي أرجعه الباحث محمد العربي إلى "أسباب عرقية".

ورغم ذلك يقول الكاتب والمحلل السياسي التركي، حمزة تكين، لموقع "الحرة"، إن تركيا تستطيع انتقاد الصين في ظل ظروف سياسية واقتصادية معينة، واصفا العلاقات بينهما بـ"الجيدة".

لكنه قال إن العلاقات السياسية بينهما يشوبها الخلاف، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية السورية.

ويقول تكين، المقرب من السلطة الحاكمة في تركيا، إن قضية الإيغور حساسة لأنقرة، وتؤثر سلبا على بعض النواحي في العلاقات بين الدولتين.

وفي هذا الإطار، يقول رئيس مجلس العلاقات العربية الدولية (كارنتر) طارق آل شيخان الشمري إن "تركيا تستغل ورقة الإيغور"، مضيفا "إردوغان يستخدمهم لابتزاز الصين". 

وتعود أصول الإيغور عرقيا إلى الشعوب التركية، وهم يعتبرون أنفسهم أقرب عرقيا وثقافيا لشعوب آسيا الوسطى، حيث يجاور الإقليم الهند وأفغانستان ومنغوليا.

وفي أوائل القرن العشرين أعلن الإيغور استقلالهم لفترة وجيزة، لكن الإقليم وقع تحت سيطرة الصين الشيوعية عام 1949.

تستضيف إسطنبول عددا كبيرا من الجمعيات التي تساعد الإيغور

ومنذ ذلك الحين، انتقل عدد كبير من عرقية الهان إلى الإقليم، حيث خشى الإيغور من اندثار ثقافتهم.

ويتحدث الإيغور لغة مشتقة من التركية، وهم يشكلون نحو 45% من سكان إقليم شينجيانغ، في حين تبلغ نسبة الصينيين من عرقية الهان نحو 40%.

ويعد هذا الإقليم أكبر أقاليم الصين، ويتمتع بالحكم الذاتي مثل إقليم التبت نظريا، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء من هذا القبيل. 

وقال تكين إن "إردوغان هو الرئيس الوحيد في العالم الذي خاطب الصينيين مباشرة وعلى طاولتهم وأرضهم عن الإيغور خلال زيارته الأخيرة للصين، وحتى خلال المؤتمرات الصحفية التي عقدها هناك".

وأضاف: "تركيا الدولة الوحيدة في العالم التي تستقبل الإيغور، وتسمح لهم بإقامة الجمعيات الإغاثية والثقافية والاجتماعية غيرها، وهذه الجمعيات تدعم الإيغور الموجودين في الصين".

وتابع "جمعيات الإيغور الموجودة في قلب إسطنبول من أكبر الجمعيات في الداخل التركي، ولدى هذه الجمعيات مراكز ضخمة وليست مجرد مكاتب صغيرة".

ويعتقد تكين أنه "إذا كان تخفيف للقيود الصينية على الإيغور خلال الفترة الماضية، فإن الفضل في ذلك يعود لتدخل تركيا. أصلا لم يكن هناك تدخلات أخرى، لم نسمع انتقادات دول إسلامية صامتة".

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.