US President Donald Trump (C) and Saudi's King Salman bin Abdulaziz al-Saud (C-R) pose for a picture with leaders of the Gulf…
هل ينهي ترامب الأزمة الخليجية قبل مغادرة البيت الأبيض؟

في وقت نفت فيه المنامة اتهامات الدوحة بشأن اختراق مقاتلات بحرينية للمجال الجوي القطري، وأكدت أنها اتهامات "لا تمت للحقيقة بصلة"، لا تزال هناك نقطة ضوء في آخر نفق الأزمة الخليجية القاتم.

يأتي التصعيد الجديد بعد بيان مجلس الدفاع الأعلى في البحرين، والذي يدعو إلى "ضرورة إنهاء الصراعات والنزاعات الإقليمية بالطرق السلمية".

وتفرض هذه الأحداث المتصاعدة بين البحرين وقطر تواجدها خلال مباحثات القمة الخليجية المزمع عقدها في 5 يناير المقبل بالرياض برئاسة ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة.

وينظر إلى القمة الخليجية المقبلة على نطاق واسع كونها تأتي بعد إعلان وزارة الخارجية الكويتية عن وجود "مباحثات مثمرة" بين أطراف الأزمة الخليجية في وقت سابق من الشهر الحالي.

لكن التجاذبات بين البحرين وقطر تصاعدت مجددا بين البحرين وقطر في أعقاب قضية الصيادين البحرينيين التي تقول المنامة "إنهم يتعرضون لاستهداف في أرواحهم وأرزاقهم" من جانب السلطات القطرية.

وقالت قطر، الخميس، إنها أبلغت مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة عن "خروقات جوية من قبل أربع طائرات مقاتلة بحرينية اخترقت الأجواء القطرية في يوم الأربعاء الموافق 9 ديسمبر 2020"، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء القطرية الرسمية (قنا).

مقاومة الصلح

ويرى المحلل السياسي الكويتي صالح المطيري إنه التصعيد البحريني القطري ليس جديدا بسبب الحساسية المفرطة بين البلدين تاريخيا.

وقال لموقع "الحرة" إنه على الرغم من الترابط التاريخي والاجتماعي بين البلدين، إلا أن هذا العامل أدى لتنافس شديد، مردفا: "هو إرث قديم من الصراع (...). إنه صراع نفسي أكثر من أنه استراتيجي".

تعليقا على التصعيد الأخير بين البلدين، يقول المطيري إن هذه الأفعال والعمليات تعتبر بمثابة "مقاومة الصلح"، مضيفا: "الولايات المتحدة هي الراعي الرئيسي للمصالحة، وهذه التجاذبات تظهر من أطراف لا ترغب في إعادة الأمور إلى نصابها".

وتابع: "إدارة ترامب مصرة على إنهاء الخلاف قبل مغادرة البيت الأبيض حتى يسجل ضمن الإنجازات التي حققها الرئيس الجمهوري، خاصة بعد الاختراق في العلاقات الخليجية الإسرائيلية الجديدة".

وكانت السعودية وحلفاؤها الإمارات والبحرين ومصر، قطعت علاقاتها مع قطر في يونيو 2017 ومنعتها من استخدام مجالها الجوي، متّهمة الدوحة بتمويل حركات إسلامية متطرفة وهو ما تنفيه الدوحة بشدة. كما أخذت عليها تقاربها الكبير مع إيران.

وأشار المطيري إلى أن "بعض مراكز القوى لدى أطراف الأزمة تملك مساعي لعرقلة المصالحة (...) في الأمتار الأخيرة"، موضحا أن "هذه القوى من الجانبين تمارس أفعال متعمدة لإحباط أي تقدم في جهود حل هذه الأزمة".

ويتهم المطيري، وهو ئيس مركز المدار للدراسات السياسية، بعض وسائل الإعلام بتعمد التصعيد في هذه المرحلة، قائلا: "إعلامنا الخليجي أغلبه مأمور. وهناك توجيهات من أطراف مختلفة لتعمد التأزيم لعدم رغبتها في حل (...)".

ويؤكد أن الإعلان الكويتي جاء بعد الحصول على ضمانات من مختلف الأطراف بوقف الصراع الإعلامي، لكن أطراف عدة خالفت ذلك.

ومع ذلك، لم يستبعد المطيري طي الازمة وفتح صفحة جديدة في القمة الخليجية المقبلة، في ظل رغبة إدارة ترامب في تتويج حقبتها بالمصالحة.

وقال "إن لم تستفد الدول من هذه الفرصة الناشئة في آخر أيام إدارة ترامب، فهذا خطأ كبير".

بدوره، قال المحلل السياسي البحريني سعد راشد لموقع "الحرة"، إن المصالحة الخليجية مستمرة بوجود الوساطة الكويتية وذلك "حال تنفيذ الدوحة للشروط التي وقعت عليها في اتفاقية الرياض".

وأردف: "أبواب دول المقاطعة مفتوحة متى ما نفذت قطر المطالب (...)، ولكن النظام القطري لا يرغب بذلك".

عارٍ عن الصحة

في بيان لوزارة الخارجية نشرته وكالة أنباء البحرين الرسمية (بنا)، قالت المنامة، الخميس، إن "ادعاء السلطات القطرية لا مسؤول وعارٍ من الصحة".

وقال راشد إن مضمون "الادعاءات" القطرية "غير حقيقية" وأنها "مفبركة".

وأضاف أن "التطور التكنولوجي يرصد حركة الطيران، ومن الممكن أن يكشف أي اختراق، لكننا أيضا لا نعلم لماذا قطر تأخرت 14 يوما حتى الإعلان عن هذه الحادثة المختلقة".

وأوضحت المنامة أن طائرتين مقاتلين تابعين لسلاح الجو الملكي البحريني مع طائرتين تابعتين لسلاح الجو الاميركي، قاما بتدريب مشترك في يوم 9 ديسمبر الماضي في المجال الجوي السعودي، قبل أن يعودوا لقاعدة الشيخ عيسى العسكرية، دون أن يدخل أي منها المجال الجوي القطري.

وقال البيان إن "سلاح الجو الملكي البحريني يتوخى الدقة والحرفية أثناء تنفيذ جميع الطلعات الجوية لضمان عدم الاقتراب من حدود الدول الأخرى".

وأشار راشد إلى أن المجال الجوي البحريني يعد من أكبر المجالات الجوية لدول مجلس التعاون الخليجي، في المقابل يصنف المجال الجوي القطري أنه الأصغر بين الدول الست، موضحا أن هذه المفارقة من شأنها "كشف الادعاءات القطرية التي تأتي للتغطية على قضية الصيادين العادلة".

ويرى المحلل السياسي البحريني أن بلاده لا ترغب بتضخيم الأمور في هذا التوقيت تحديدا، مشيرا إلى أن "البحرين لا تريد أن تخلق أزمة من هذه الحادثة".

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.