قطر تستضيف المكتب السياسي لحركة حماس منذ 2012 ـ صورة أرشيفية.
قطر تستضيف المكتب السياسي لحركة حماس منذ 2012 ـ صورة أرشيفية.

منذ إعلان المغرب إقامة علاقات دبلوماسية متكاملة مع إسرائيل، بدأ الحديث عن الدولة المقبلة التي ستنضم لقطار التطبيع الذي دشنته الإمارات وتبعتها البحرين ثم انتقل للسودان، قبل استقراره أخيرا في الرباط.

ومن ضمن الدول التي دخلت قائمة الترشيحات هي قطر، التي تحتفظ بعلاقات صريحة مع إسرائيل منذ التسعينات.

ومع ذلك، رفضت الدوحة طلب الولايات المتحدة بالانضمام لمعاهدة إبراهيم في نوفمبر الماضي، حسبما أفاد مصدر لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية الذي قال إن الرفض القطري من المحتمل أن يتغير في عهد الإدارة الأميركية الجديدة.

وكانت الولايات المتحدة قادت صفقات التطبيع العربية الجديدة مع إسرائيل، حيث احتضن البيت الأبيض توقيع صفقتي الإمارات والبحرين في منتصف سبتمبر الماضي.

بعد صعود الشيخ حمد بن خليفة للعرش في الإمارة الخليجية الغنية بالغاز الطبيعي عام 1996، دشنت الدوحة علاقات تجارية مع إسرائيل بعد أن افتتحت مكتبا للتمثيل التجاري الإسرائيلي، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين، إلا أن هذا المكتب أغلق من الجانب القطري بعد 4 سنوات من افتتاحه.

حماس مفتاح التحول

وقالت الصحيفة الإسرائيلية إن "العلاقات التي تطورت بين إسرائيل وقطر لتوفير التمويل الكافي لحماس وتجنب الانهيار الاقتصادي والحرب في قطاع غزة، يمكن أن تكون محرك التطبيع بين البلدين".

وأشارت إلى أن "التنسيق الوثيق بين إسرائيل وقطر لتسهيل لتمويل اقتصاد قطاع غزة، مرجح أن يكون مفتاح التحول لنقل الدوحة إلى اتفاق تطبيع".

إلى ذلك، قال الباحث والمحلل السياسي الإسرائيلي، إيدي كوهين، لموقع "الحرة"، إن "هناك مصالح مشتركة بين الأطراف الثلاثة"، موضحا أن "إعادة إعمار غزة ووجود المال القطري من مصلحة الدولة الإسرائيلية".

رغم ذلك، استبعد كوهين وجود اتفاق تطبيع بين البلدين في الوقت القريب، قائلا: "قطر ترغب أن تبقي الوضع كما هو حاليا".

كوهين يؤكد أن المسؤولين في بلاده على تواصل شبة يومي مع نظرائهم في الدوحة "بحجة الوساطة مع حركة حماس"، فيما تقول "جيروزاليم بوست" في تقريرها إن "الارتباط الأميركي القطري وقدرة الدوحة على منع حماس من شن حرب واسعة على إسرائيل، جعل من الموساد مستعد للتعامل مع الدوحة بشأن القضايا المتعلقة بقطاع غزة".

وقال كوهين إن "سياسة قطر تأتي من وراء الكواليس، بحيث لديها علاقات مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته تدعم حركة حماس في قطاع غزة"، مردفا: "اللعب على الحبلين كان دائما شعار قطر". 

الأزمة سبب التأخير

وأشار كوهين إلى أن مسألة إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين إسرائيل وقطر تعد "ممكنة" في عهد الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، مضيفا: "إذا ما انحلت الأزمة الخليجية ربما نشاهد صفقة إسرائيلية قطرية".

وتستضيف الرياض القمة الخليجية في يوم 5 يناير المقبل، وسط توقعات بانفراج في الأزمة التي شهدت مقاطعة السعودية وحلفاءها لقطر قبل 3 سنوات.

وعزا كوهين أسباب عدم انضمام الدوحة مع الدول العربية التي اتجهت لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، إلى الأزمة الخليجية التي "جعلت قطر ترتمي في الحضن الإيراني التركي"، على حد تعبيره. 

وأضاف: "وجدت قطر نفسها محاصرة برا وجوا وكل المنافذ مغلقة أمامها، حيث اتجهت لإيران وتركيا مشكلين مثلث ضد العرب والولايات المتحدة وإسرائيل (...)".

ورغم ذلك، قال كوهين إن "قطر تملك علاقات مع الجميع حتى مع الولايات المتحدة التي تستضيف الدوحة أكبر قواعدها العسكرية في المنطقة".

وينظر إلى القمة الخليجية المقبلة على نطاق واسع كونها تأتي بعد إعلان وزارة الخارجية الكويتية عن وجود "مباحثات مثمرة" بين أطراف الأزمة الخليجية في وقت سابق من الشهر الحالي.

وتابع: "السياسة تجاه إيران دافئة، حتى قناة الجزيرة القطرية غير أسلوبها في تغطية المظاهرات الإيرانية (...)، كما أن هناك تمجيدا لقاسم سليماني بعد حادثة مقتل قائد فيلق القدس".

وكانت السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قطعت علاقاتها مع قطر في يونيو 2017 ومنعتها من استخدام مجالها الجوي، متهمة الدوحة بتمويل حركات إسلامية متطرفة وهو ما تنفيه الدوحة بشدة. كما أخذت عليها تقاربها الكبير مع إيران.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.