في مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، سكب ليو جين، سائق التوصيل البالغ من العمر 45 عامًا، البنزين وأضرم النار في نفسه خارج محطة توزيع لشركة Eleme في مدينة تايتشو الشرقية، وهو يصيح أنه يريد أمواله.
وشركة "إيليم" جزء من مجموعة علي بابا العملاقة للتجارة الإلكترونية.
وأثارت هذه الحادثة جدلا واسعا في الصين بسبب الوضع الذي يعيشه عمال التكنولوجيا البسطاء.
كما ظهرت مخاوف بشأن ظروف العمل السيئة لسائقي التوصيل إلى الواجهة عندما توفي اثنين من موظفي منصة التجارة الإلكترونية Pinduoduo، المعروفة ببيع المنتجات الطازجة بأسعار منخفضة.
وبشكل منفصل، انهار سائق توصيل يبلغ من العمر 43 عامًا أثناء عمله وتوفي، الأسبوع الماضي، أثناء توصيل الطعام لشركة "إيلي. مي".
وقالت الشركة في بيان إنها ستمنح 600 ألف يوان (92700 دولار) لعائلة السائق وأعلنت الرفع من مستوى تغطيتها التأمينية للسائقين.
وقال بيانها إن إليم "لم تفعل ما يكفي فيما يتعلق بالتأمين ضد حوادث الوفاة وتحتاج إلى فعل المزيد".
كما تم تسليط الضوء على المشكلة مرة أخرى بعد أن انتحر موظف في Pinduoduo ولقبه تان، بعد أقل من أسبوعين من انهيار موظف يبلغ من العمر 22 عامًا ولقب تشانغ في أورومتشي أثناء عودته إلى المنزل من العمل مع زملائه ، وتوفي لاحقًا.
وإثر تسلسل حوادث الوفيات والانتحارات وسط العمال البسطاء، دعت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إلى تقليل ساعات العمل، ووصفت ساعات العمل الإضافية على حساب صحة الموظفين بأنها عملية "غير قانونية".
وباء كورونا.. نقمة ذات حدين
وبالرغم من مساهمة عمال التجارة الإلكترونية في الصين في الحفاظ على حياة مواطنيهم خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، من خلال توصيل مستلزمات الحياة إلى البيوت، إلا أنهم الآن يعيشون وضعا مزريا بسبب قلة مردود عملهم ماديا، لدرجة أن أحدهم أشعل النار في نفسه احتجاجًا على وضعه.
ومع وجود ملايين العائلات المحصورة في منازلهم، ارتفع الطلب على التجارة الإلكترونية، وقام الموظفون بتسليم أطنان من الخضار والأرز واللحوم وحفاضات الأطفال وغيرها من الإمدادات، غالبًا على متن الدراجات البخارية التي تعرضهم للشتاء والبرد.
وبينما يتمتع ذوو الياقات البيضاء في صناعة التكنولوجيا، بأجور مرتفعة، يتقاضى الموظفون البسطاء أجورا زهيدة لقاء العمل 12 ساعة في اليوم أو أكثر.
ويمثل هذا الجدل ضربة لصورة صناعات الإنترنت التي تعمل على تغيير اقتصاد الصين وتخلق وظائف جديدة.
هؤلاء البسطاء "جعلوا بعض المؤسسين من بين أغنى رواد الأعمال في العالم"، بحسب وكالة "أسوشيتد برس"
تضاعف ثروة أرباب العمل
وخلال ذروة الوباء، تضخمت ثروات أصحاب أكبر الشركات الصينية، بمن فيهم مؤسس شركة "علي بابا"، جاك ما، ومؤسس شركة "بيندوودو"، كولين هوانغ، مع ازدهار التجارة الإلكترونية.
وأثارت هذه المفارقة، غضبًا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي في الصين، حيث اشتبه كثير من الناس في أنها نتيجة إرهاق العمال، ما أدى إلى وفاة الكثير منهم بينما ارتفعت ثروة أرباب العمل.
كما أحيى الصينيون نقاشا وطنيا، قالوا إنه تأجل عدة عقود، حول ما يسمى بثقافة العمل في قطاع التكنولوجيا "996".
ويعني رمز "996" عمل الموظفين من الساعة 9 صباحًا حتى 9 مساءً، ستة أيام في الأسبوع.
وتزعم بعض الشركات أنها تدفع "مكافآت ضخمة" لبعض الموظفين، مما يحفزهم على العمل لوقت إضافي.
وقالت وكالة أنباء شينخوا، المملوكة للدولة، في منشور على موقع المدونات الصغيرة ويبو "يجب أن نسعى جاهدين للنجاح في السعي وراء الأحلام، لكن لا يمكن تجاهل الحقوق والمصالح المشروعة للعمال أو حتى انتهاكها".
سلطت المشكلة أيضًا الضوء على ظروف عمل سائقي التوصيل، الذين يتعرضون لضغوط شديدة لتوصيل الطلبات للعملاء بسرعة وفي بعض الأحيان يجنون أقل من 10 يوانات (1.55 دولار) لكل عملية تسليم.
وإذا فشلوا في الوفاء بالمواعيد النهائية، يمكن أن تتراوح الغرامات المفروضة من 1 يوان (0.15 دولار) إلى 500 يوان (77.30 دولارًا) إذا قدم العميل شكوى.
وكجزء من اقتصاد العمل الحر، لا يحصل عمال التوصيل هؤلاء غالبًا على المزايا المقدمة للموظفين بدوام كامل، مثل التأمين الصحي أو الاجتماعي.
ونظرًا لوجود العديد من الأشخاص المستعدين للعمل في ظل هذه الظروف، يصعب على الموظفين التفاوض بشأن رواتب وظروف أفضل.
وفي أغسطس الماضي، قال اتحاد نقابات العمال لعموم الصين (ACFTU) – وهي النقابة العمالية الوحيدة المسموح لها بالتواجد بشكل قانوني في الصين، أن 6.5 مليون عامل توصيل انضموا إليها منذ عام 2018.
ثقافة العمل الزائد
ومع ذلك، فإن مجموعة حقوق العمال "تشاينا لابور بولتان"، التي تتتبع علاقات العمل في الصين، تقول إنه "لم يتم عمل الكثير لتحسين إمكانية العمال على تحسين قدراتهم".
قال لي تشيانغ، مؤسس منظمة "تشاينا لابور ووتش"، وهي منظمة أخرى تراقب حقوق العمال: "يجب أن تصبح النقابات العمالية أكثر فاعلية، وإلا لا يمكن تطبيق قوانين العمل"، وفق "أسوشيتد برس".
وبموجب قوانين العمل الصينية، يجب ألا يعمل العمال أكثر من ثماني ساعات في اليوم، أو أكثر من 44 ساعة في الأسبوع في المتوسط.
ويجب ألا يتجاوز إجمالي ساعات العمل الإضافي 36 ساعة في الشهر ، ويجب ألا يتم ذلك إلا "بعد التشاور مع النقابة والعمال".
إلا أنه نادرًا ما يتم تطبيق تلك القوانين، لأن الموظفين غارقون في ثقافة العمل الزائد أثناء السعي للحصول على مكافآت أو في حالات سائقي التوصيل، لكسب لقمة العيش.

