في وقت سابق من مارس الجاري، انتشرت صور "عروس داعش"، وهي بإطلالة مغايرة تماما عن هيئتها السابقة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن التحول الفكري الذي مرت به الشابة التي كانت تحمل الجنسية البريطانية.
فقد خلعت "شرطية التنظيم القاسية" نقابها وظهرت بشكل يبدو أنه "بات أكثر ملاءمة لرحلة تسوق في شارع أكسفورد اللندني بدلا من" مخيم الهول الذي تعيش فيه، على حد وصف صحيفة "إندبندنت".
وفي فبراير الماضي، رفضت محكمة بريطانية، طلب شميمة بيغوم بالعودة المملكة المتحدة التي غادرتها متوجهة إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، عندما كانت في سن المراهقة.
وإذا كانت المحكمة قبلت طلبها.. فبأي فكر كانت ستعود بيغوم لموطنها؟
تحدث ماهر فرغلي، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، في دراسة له منشورة على موقع مركز الإمارات للسياسات، عن صعوبة التأهيل الفكري للعناصر العائدة "نظرا للتحولات الأيديولوجية الحادة، التي طرأت على الفكر التكفيري".
وبشأن التحولات التي طرأت في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أشار فرغلي إلى أربعة تيارات مختلفة: تيار الفرقان واللجنة المفوضة، تيار الحطاب أو ما يعرف بالتيار الحازمي، تيار البنعلي ومكتب البحوث، تيار الحجاجي.
وفي وقت تتلاشى فيه هذه التيارات، لا تزال ما تعرف بـ"مؤسسة التراث العلمي"، وهي دار نشر إلكترونية تابعة لـ"التيار البنعلي" متواجدة على تطبيق تلغرام للتراسل، وتصدر دوريات عن أفكار تنظيم الدولة الإسلامية، كان آخرها في فبراير الماضي.
ما هي مؤسسة التراث العلمي؟
يقول منير أديب، خبير شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، لموقع "الحرة"، إن هذه المؤسسة التي أنشأها التنظيم كانت معنية بالنظر في التراث الإسلامي والقضايا الفقهية محل الخلاف مع التنظيمات الدينية والمجتمعات الإسلامية التي لا تؤمن بأفكار انقلب عليها داعش.
وأضاف "كانت مهمة هذه المؤسسة تجديد المسار الديني للتنظيم، خاصة وأنه ينبى أفكارا متطرفة صادمة وخارجة عن سياق المجتمعات العربية وغير العربية وإطار المفهوم المتعارف عليه من الإسلام".
وأوضح أن التنظيم كان يهدف من إنشاء هذه المؤسسة إلى الحفاظ على هذه الأفكار الصدامية المتطرفة وتطوير خطابها في اتجاه الإرهاب العنيف، مضيفا "غالبا كانت هذه المؤسسة هي المتحكمة في خطاب داعش".
وبحسب أديب، فإن أغلب قيادات داعش إما ينتمون للتنظيم العسكري أو التنظيم الفكري الذي كانت مؤسسة التراث العلمي جزءا منه، وتعبر عنه.
ووفقا للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فإن تسمية "تيار البنعلية" الذي تتبع له المؤسسة تعود إلى "تركي البنعلي" وهو شيخ بحريني، قتلته غارة للتحالف الدولي على مدينة الرقة السورية عام 2017.
وتابع أديب "هذه المؤسسة كانت ذات وضع خاص داخل التنظيم، وأغلب قيادات داعش لهم علاقة تنظيمية أو فكرية بها".
انشقاق فكري
بعد مقتل البنعلي بعام، بدأت الانقسامات الفكرية تظهر داخل التنظيم حتى انشقت المؤسسة عن التنظيم.
يقول ماهر فرغلي لموقع "الحرة" إن محور الانشقاق كان حول "العذر بالجهل، وإنزال أحكام الدول الكافرة على ساكنيها، وبيعة مجهول الحال".
وكمثال للخلاف الفكري بين تيارين داخل التنظيم، أوضح المركز المصري للفكر أنه فيما يتعلق بالعذر بالجهل، فإن التيار الحازمي يرى أنه في مسائل التوحيد والشرك لا عذر لأحد، وأن كل من مارس أو قام بفعل من نواقض الدين فهو كافر، دون الحاجة إلى النظر في تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وأن من لم يقم بتكفير هؤلاء فهو كافر ومرتد، عملا بقاعدة عندهم تقول "من لم يكفر الكافر فهو كافر".
وفي المقابل، يتفق تيار البنعلي على أنه لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك، لكنه يرفض إطلاق "من لم يكفر الكافر فهو كافر" على الإطلاق، الأمر الذي ترتب عليه تكفير "الحازمية" لـ"البنعلية".
وفي إصدارها الشهر الماضي، تحدثت مؤسسة التراث العلمي عن أن التنظيم كان يكفر كل من هم ليسوا دواعش.
وينظر منير أديب إلى هذا الانشقاق باعتباره "أزمة كبيرة حقيقية للتنظيم"، قائلا: "هي مرحلة من ضمن المراحل التي يمر بها. وحاليا لا يمر بانشقاق تنظيمي فقط، بل فكري أيضا".
وأكد أن هذا لا يعني "تحلل الفكرة الأساسية للتنظيم، وإنما تعرضها للتجريف أو التطور الذي لا يشير إلى الاستغناء عن الأفكار العنيفة، بل قد ينتج عنه أفكار ا أكثر عنفا".
وفي نفس السياق، يرى فرغلي أن الخلافات الفكرية ستستمر، قائلا: "هذه المسائل لن تنتهي ومرشحة للزيادة بسبب سيطرة تيار أمير داعش الحالي الأشد تكفيرا".
وكان التنظيم المتطرف أعلن إبراهيم الهاشمي القرشي "أميرا له" بعدما توجت هزيمة داعش في سوريا والعراق، إلى حد كبير، بمقتل زعيمه أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019.
والجمعة الماضية حث الصليب الأحمر الدول على استعادة مواطنيها المحتجزين في مخيمات سورية، أبرزها مخيم الهول الذي يعج بدواعش سابقين من الصعب معرفة إلى أي تيار هم كانوا أو لا يزالوا ينتمون إليه، ومن بين هؤلاء شميمة بيغوم.
