Iraqi men march in the southern city of Basra on November, 2016 during the funeral of four fighters from the Hashed al-Shaabi …
توجت هزيمة داعش في سوريا والعراق، إلى حد كبير، بمقتل زعيمه أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019.

في وقت سابق من مارس الجاري، انتشرت صور "عروس داعش"، وهي بإطلالة مغايرة تماما عن هيئتها السابقة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن التحول الفكري الذي مرت به الشابة التي كانت تحمل الجنسية البريطانية.

فقد خلعت "شرطية التنظيم القاسية" نقابها وظهرت بشكل يبدو أنه "بات أكثر ملاءمة لرحلة تسوق في شارع أكسفورد اللندني بدلا من" مخيم الهول الذي تعيش فيه، على حد وصف صحيفة "إندبندنت".

وفي فبراير الماضي، رفضت محكمة بريطانية، طلب شميمة بيغوم بالعودة المملكة المتحدة التي غادرتها متوجهة إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، عندما كانت في سن المراهقة.

الصحيفة وصفت الإطلالة بـ "الانفصال عن الماضي الداعشي"

وإذا كانت المحكمة قبلت طلبها.. فبأي فكر كانت ستعود بيغوم لموطنها؟  

تحدث ماهر فرغلي، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، في دراسة له منشورة على موقع مركز الإمارات للسياسات، عن صعوبة التأهيل الفكري للعناصر العائدة "نظرا للتحولات الأيديولوجية الحادة، التي طرأت على الفكر التكفيري".

وبشأن التحولات التي طرأت في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أشار فرغلي إلى أربعة تيارات مختلفة: تيار الفرقان واللجنة المفوضة، تيار الحطاب أو ما يعرف بالتيار الحازمي، تيار البنعلي ومكتب البحوث، تيار الحجاجي.

وفي وقت تتلاشى فيه هذه التيارات، لا تزال ما تعرف بـ"مؤسسة التراث العلمي"، وهي دار نشر إلكترونية تابعة لـ"التيار البنعلي" متواجدة على تطبيق تلغرام للتراسل، وتصدر دوريات عن أفكار تنظيم الدولة الإسلامية، كان آخرها في فبراير الماضي.

ما هي مؤسسة التراث العلمي؟

يقول منير أديب، خبير شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، لموقع "الحرة"، إن هذه المؤسسة التي أنشأها التنظيم كانت معنية بالنظر في التراث الإسلامي والقضايا الفقهية محل الخلاف مع التنظيمات الدينية والمجتمعات الإسلامية التي لا تؤمن بأفكار انقلب عليها داعش.

وأضاف "كانت مهمة هذه المؤسسة تجديد المسار الديني للتنظيم، خاصة وأنه ينبى أفكارا متطرفة صادمة وخارجة عن سياق المجتمعات العربية وغير العربية وإطار المفهوم المتعارف عليه من الإسلام".

وأوضح أن التنظيم كان يهدف من إنشاء هذه المؤسسة إلى الحفاظ على هذه الأفكار الصدامية المتطرفة وتطوير خطابها في اتجاه الإرهاب العنيف، مضيفا "غالبا كانت هذه المؤسسة هي المتحكمة في خطاب داعش".

وبحسب أديب، فإن أغلب قيادات داعش إما ينتمون للتنظيم العسكري أو التنظيم الفكري الذي كانت مؤسسة التراث العلمي جزءا منه، وتعبر عنه.

ووفقا للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فإن تسمية "تيار البنعلية" الذي تتبع له المؤسسة تعود إلى "تركي البنعلي" وهو شيخ بحريني، قتلته غارة للتحالف الدولي على مدينة الرقة السورية عام 2017.

وتابع أديب "هذه المؤسسة كانت ذات وضع خاص داخل التنظيم، وأغلب قيادات داعش لهم علاقة تنظيمية أو فكرية بها".

انشقاق فكري

بعد مقتل البنعلي بعام، بدأت الانقسامات الفكرية تظهر داخل التنظيم حتى انشقت المؤسسة عن التنظيم.

يقول ماهر فرغلي لموقع "الحرة" إن محور الانشقاق كان حول "العذر بالجهل، وإنزال أحكام الدول الكافرة على ساكنيها، وبيعة مجهول الحال".

وكمثال للخلاف الفكري بين تيارين داخل التنظيم، أوضح المركز المصري للفكر أنه فيما يتعلق بالعذر بالجهل، فإن التيار الحازمي يرى أنه في مسائل التوحيد والشرك لا عذر لأحد، وأن كل من مارس أو قام بفعل من نواقض الدين فهو كافر، دون الحاجة إلى النظر في تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وأن من لم يقم بتكفير هؤلاء فهو كافر ومرتد، عملا بقاعدة عندهم تقول "من لم يكفر الكافر فهو كافر".

وفي المقابل، يتفق تيار البنعلي على أنه لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك، لكنه يرفض إطلاق "من لم يكفر الكافر فهو كافر" على الإطلاق، الأمر الذي ترتب عليه تكفير "الحازمية" لـ"البنعلية".

وفي إصدارها الشهر الماضي، تحدثت مؤسسة التراث العلمي عن أن التنظيم كان يكفر كل من هم ليسوا دواعش.

وينظر منير أديب إلى هذا الانشقاق باعتباره "أزمة كبيرة حقيقية للتنظيم"، قائلا: "هي مرحلة من ضمن المراحل التي يمر بها. وحاليا لا يمر بانشقاق تنظيمي فقط، بل فكري أيضا".

وأكد أن هذا لا يعني "تحلل الفكرة الأساسية للتنظيم، وإنما تعرضها للتجريف أو التطور الذي لا يشير إلى الاستغناء عن الأفكار العنيفة، بل قد ينتج عنه أفكار ا أكثر عنفا". 

وفي نفس السياق، يرى فرغلي أن الخلافات الفكرية ستستمر، قائلا: "هذه المسائل لن تنتهي ومرشحة للزيادة بسبب سيطرة تيار أمير داعش الحالي الأشد تكفيرا".

وكان التنظيم المتطرف أعلن إبراهيم الهاشمي القرشي "أميرا له" بعدما توجت هزيمة داعش في سوريا والعراق، إلى حد كبير، بمقتل زعيمه أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019.

والجمعة الماضية حث الصليب الأحمر الدول على استعادة مواطنيها المحتجزين في مخيمات سورية، أبرزها مخيم الهول الذي يعج بدواعش سابقين من الصعب معرفة إلى أي تيار هم كانوا أو لا يزالوا ينتمون إليه، ومن بين هؤلاء شميمة بيغوم.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.