قبل الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر التي شنها تنظيم القاعدة على واشنطن ونيويورك، وتسببت في خوض الولايات المتحدة أطول حرب في تاريخها، ينسحب مَن تبقى مِن الجنود الأميركيين في أفغانستان، بينما تترقب دول الإقليم المجاورة تداعيات ذلك على المنطقة.
وفي إطار عملية السلام التي بدأت في سبتمبر من العام الماضي في الدوحة وبموجبها تسحب الولايات المتحدة كل قواتها من أفغانستان، تعهدت حركة طالبان بعدم تنفيذ هجمات كبرى في المدن.
غير أن المدن الأفغانية الكبرى تشهد منذ عدة أشهر موجة اغتيالات استهدفت صحافيين وقضاة وأطباء وشخصيات سياسية ودينية وحقوقية. وحملت كابل وواشنطن حركة طالبان مسؤولية الاغتيالات.
وبينما كثفت حركة طالبان -التي استقبلت قادة من تنظيم القاعدة على أراضيها- هجماتها، يثير انسحاب الولايات المتحدة قلق النظام في أفغانستان وخارجها.
الفائز.. طالبان
يعتقد حميد رضا عزيزي، الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أن حركة طالبان ستكون طالبان الفائز الأكبر من انسحاب الولايات المتحدة.
ويرسم عزيزي صورة قاتمة لـ"المؤسسات الديمقراطية المهتزة في أفغانستان"، بمجرد انسحاب الولايات المتحدة، متوقعا أن تبدأ طالبان على الأرجح في السيطرة على الدولة.
وحكمت طالبان أفغانستان من عام 1996 حتى عام 2001 عندما أطاحت بها قوات تقودها الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الوقت تشن الحركة حربا طويلة، وما زالت تسيطر على أجزاء كبيرة من البلاد.
وقال عزيزي لموقع "الحرة": "بالطبع، تختلف طالبان اليوم عن طالبان قبل عام 2001. لقد تعلم قادتها قواعد اللعبة السياسية والدولية. ومع ذلك، فإن التوجه الإيديولوجي الصارم لا يزال ساريا، وسيجعل الحياة أكثر صعوبة على الشعب الأفغاني".
وعلى العكس من ذلك، لا يعتقد الخبير الجيوسياسي والمحلل الهندي فايبهاف سينغ أن طالبان ستكون قادرة على استعادة السيطرة على كابل بنفس الطريقة التي اعتمدتها في التسعينات.
وقال لموقع "الحرة": "القوات المسلحة الأفغانية مدربة تدريبا جيدا، وتقاتل طالبان منذ فترة طويلة بدعم أميركي بسيط للغاية. لقد أثبت الجنود الأفغان أنهم قوة فعالة في ساحة المعركة".
وأضاف "لن تحصل طالبان على الشرعية التي حصلت عليها من السعودية والإمارات خلال الفترة 1996-2001".
ولتعويض ذلك، توقع سينغ أن تحصل طالبان، علنا أو سرا، على دعم من دول مثل باكستان وإيران وروسيا والصين، قائلا: "لا تستطيع طالبان الاستيلاء على كابل إلا بدعم من باكستان، الأمر الذي ستدفع إسلام آباد ثمنه غاليا".
وكانت باكستان الداعم الرئيس لطالبان أثناء حكمها لأفغانستان المجاورة خلال تسعينات القرن الماضي.
ويعد نفوذ باكستان على الحركة التي شنت تمردا منذ الإطاحة بها عام 2001، أساسيا في التوصل لتسوية سياسية مع حكومة الرئيس أشرف غني.
وفي هذا السياق، يقول المحلل الباكستاني قمر تشيما لموقع "الحرة" إن الولايات المتحدة تطلب من باكستان بذل المزيد من الجهد في أفغانستان، بما في ذلك مناشدة طالبان مواصلة الانخراط في عملية السلام الأفغانية في تركيا.
وارتبكت عملية السلام بعد قرار طالبان بالنأي عن نفسها عن القمم الخاصة بأفغانستان لحين انسحاب جميع القوات الأجنبية من البلاد.
وكان دبلوماسيون يأملون في أن تعطي قمة في تركيا، السبت المقبل، دفعة نحو تسوية سياسية بين طالبان والحكومة الأفغانية.
واتخذت طالبان قرارها بعد أن قالت الولايات المتحدة، منذ أسبوعين، إنها ستسحب جميع القوات بحلول 11 سبتمبر، هذا العام، متجاوزة مهلة الأول من مايو التي اتفقت عليها طالبان مع الإدارة الأميركية السابقة.
والاثنين الماضي، حثت باكستان طالبان على مواصلة الانخراط في عملية السلام الأفغانية.
ويقول سينغ إن "اعتماد طالبان على الاستخبارات الداخلية الباكستانية يجعل الهند متشائمة من التطورات الأخيرة".
وأضاف "أكد الانسحاب الأخير لطالبان من محادثات السلام في تركيا موقف نيودلهي من أن طالبان لعبة في أيدي المخابرات الباكستانية. وبالتالي، لا يمكن الوثوق بها".
باكستان.. كبش فداء
وردا على ذلك، يقول تشيما: "تعتقد باكستان أن الرئيس أشرف غني لا يستمع للولايات المتحدة بشكل صحيح، وأن القوى الإقليمية لا تتعاون بالطريقة التي ينبغي أن تتعاون بها".
وتابع "تريد الولايات المتحدة أن تقدم رؤيتها الاستراتيجية المتمثلة في القضاء على تنظيم القاعدة، وهم يريدون لوم باكستان بشأن طالبان".
ويتوقع تشيما المزيد من الخلافات وعدم وضوح الرؤى بين باكستان وأفغانستان مستقبلا، قائلا: "ستبدأ لعبة اللوم".
وفي مقابل ذلك، فإن باكستان ليست في وضع يسمح لها بفعل المزيد نظرا لوجود العديد من التحديات الداخلية، الأمر الذي يزعج رجال السياسة في باكستان، بحسب تشيما.
ويقول سينغ إن أي دعم باكستاني لطالبان سيؤثر على اقتصادها الذي يعاني، قائلا إن إسلام آباد "لا يمكنها تحمل موجة أخرى من اللاجئين الأفغان إذا استولت الحركة مرة أخرى على الحكم في أفغانستان".
وبحسب سينغ، فإن الهند تدرك أن أي زعزعة للاستقرار في أفغانستان ستخلق مشاكل لباكستان أكثر من للهند.
وعدد هذه المشاكل بقوله: "أزمة اللاجئين، صعود ثقافة الكلاشينكوف، تهريب المخدرات، صعود الميليشيات، وفوق كل ذلك، ضغط متواضع من الغرب بينما تواجه باكستان العديد من المشاكل التي يجب عليها التعامل معها".
وكانت العلاقات بين الهند وباكستان تجمدت منذ تفجير انتحاري تعرضت له قافلة عسكرية هندية في كشمير في 2019. وقالت الهند إن متشددين في باكستان كانوا وراءه، مما دفع نيودلهي إلى إرسال طائرات حربية لشن غارة في باكستان.
وفي وقت لاحق من ذلك العام ألغى رئيس الوزراء الهندي الحكم الذاتي في الشطر الخاضع للحكم الهندي من كشمير لتشديد قبضته على الإقليم، الأمر الذي أثار غضب إسلام آباد، وأدى إلى خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين القوتين النوويتين وتعليق التجارة الثنائية.
فوضى في المنطقة
وقال تشيما: "يمكن أن تصبح المنطقة في حالة فوضى، وهناك احتمال كبير لحدوث اضطرابات في أفغانستان مما يمكن أن يؤثر على البلدان الأخرى".
وأضاف "الهند لها وجود في أفغانستان، وباكستان تخشى أن تتمكن نيودلهي من استخدام أذرعها لزعزعة استقرار باكستان حيث يوجد العديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية المناهضة لإسلام آباد، بما في ذلك حركة طالبان باكستان في أفغانستان، ولم يقم أي من الأفغان أو الأميركيين بأي عملية عسكرية للقضاء عليها".
والأربعاء، انفجرت سيارة كانت مليئة بالمتفجرات في منطقة انتظار السيارات في فندق سيرينا الفخم، وأودى بحياة أربعة أشخاص وأصاب 11 آخرين في مدينة كويتا جنوب غرب باكستان.
وأعلنت حركة طالبان الباكستانية مسؤوليتها عن التفجير.
ويقع الفندق جوار القنصلية الإيرانية ومقر إقامة حاكم الإقليم. وكويتا عاصمة إقليم بلوخستان في جنوب غرب باكستان الذي يشهد منذ فترة طويلة تمردا محدودا من سكان محليين.
إيران.. حماية للمصالح
وبالنسبة لإيران، يعتقد عزيزي أن طهران قد أعدت نفسها بالفعل لأفغانستان ما بعد الولايات المتحدة.
وقال: "تشير الاتصالات والاجتماعات الأخيرة بين ممثلي طالبان والمسؤولين الإيرانيين إلى أن طهران قد اعترفت بالفعل بالجماعة باعتبارها جهة فاعلة لا يمكن إنكارها. لكنه في الغالب اعتراف بدافع الضرورة".
ويرى عزيزي أن إيران تحتاج إلى بناء علاقات مع الحركة السنية المتشددة لحماية "مصالحها وأمنها من التهديد المحتمل في البلد المجاور الذي ستسيطر عليه طالبان في المستقبل القريب".
ورغم علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة، دعمت إيران في 2001 الغزو الأميركي الذي أطاح طالبان التي فرضت التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية على أفغانستان في الفترة من 1996 حتى 2001.
وتتشارك إيران حدودا يبلغ طولها نحو 965 كلم مع أفغانستان. وتشابكت العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وكادت إيران، التي يقودها رجال دين شيعة، أن تخوض حربا مع طالبان في 1998 بعد هجوم على قنصليتها في مدينة مزار الشريف الأفغانية أدى إلى مقتل تسعة دبلوماسيين إيرانيين وصحافي.
ولطالما دعمت طهران أقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان التي تعرضت إلى الاضطهاد من قبل طالبان خلال حكم الحركة في تسعينات القرن الماضي.
لكن صدرت اتهامات من أطراف غربية وأفغانية للحرس الثوري الإيراني بإقامة علاقات مع طالبان خلال السنوات الأخيرة هدفها إخراج القوات الأميركية من أفغانستان.
وفي يناير الماضي، عقدته حركة طالبان الأفغانية اجتماعا مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى في طهران.
واستضافت إيران وفدا من طالبان بقيادة الملا عبد الغني برادر أحد القادة المؤسسين للحركة وواحد من أبرز مفاوضيها، لمدة أسبوع، وقالت إن ذلك "جزء من سياسة طهران للتواصل مع الأطراف المنخرطة في عملية السلام الأفغانية".
الحاجة إلى الهند
أما بالنسبة للهند، فيقول سينغ إنه سواء استمرت الحكومة الأفغانية في الحكم أو استولت طالبان عليه، فكلاهما بحاجة إلى نيودلهي لإعادة بناء أفغانستان، مشيرا إلى الاحتياطي الأجنبي في الهند الذي يزيد عن 400 مليار دولار والناتج المحلي الإجمالي الذي يزيد عن ثلاثة تريليونات دولار.
ويعتقد سينغ أن مشكلة الهند مع طالبان هي أن "قادة الحركة لم يتغيروا؛ يتبنون العنف والوحشية فيما يتعلق بتعليم الفتيات، نهجهم تجاه الحكم أشبه بالعصور الوسطى، ولا يؤمنون بالديمقراطية".
ويرى أن "الانسحاب الأميركي من أفغانستان سيقلل من اعتماد الولايات المتحدة على باكستان، الأمر الذي سيوفر لواشنطن قدرا كبيرا من الحرية للي أذرع إسلام آباد"، على حد قوله.
والعلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان، الحليفين ظاهريا، كثيرا ما شهدت توترا. وقد أغضب الرئيس السابق دونالد ترامب المسؤولين الباكستانيين في الماضي بلهجته الحادة.
ومطلع 2018، غرد ترامب قائلا إن باكستان لم تقدم لواشنطن "أي شيء سوى الأكاذيب والخداع اعتقادا منها أن قادتنا أغبياء".
وأضاف "قدموا ملاذا آمنا للإرهابيين الذين نتعقبهم في أفغانستان. انتهى الأمر"، في إشارة إلى حركة طالبان التي يقول خبراء إنها تلقت تمويلا وتسليحا من المؤسسة العسكرية الباكستانية لأسباب إيديولوجية ولمواجهة النفوذ المتصاعد للهند في أفغانستان.
وتنفي باكستان تلك الاتهامات وتقول إنها دفعت ثمن تحالفها مع الولايات المتحدة فيما يسمى "الحرب على الإرهاب" عبر مقتل آلاف من مواطنيها في معركتها ضد التمرد.
وبعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001، أقامت واشنطن تحالفا استراتيجيا مع إسلام آباد لمساعدتها في حربها ضد المتطرفين.
ولطالما اتهمت واشنطن وكابل، إسلام آباد بإيواء متطرفين أفغان منهم عناصر في طالبان، يعتقد أنهم مرتبطون بالمؤسسة العسكرية الباكستانية التي تسعى لاستخدامهم كدرع إقليمية لمواجهة عدوها الهندي.
ومن أكثر ما يقلقهم موقف إسلام آباد من شبكة حقاني القوية، أحد فصائل حركة طالبان الأفغانية بزعامة سراج الدين حقاني.
وهذه المجموعة متهمة بالوقوف وراء عدد من أعنف الهجمات الدامية على القوات الأميركية في أفغانستان، ووصفها رئيس أركان الجيش الأميركي السابق الجنرال مايك مولن بأنها "ذراع حقيقية" للاستخبارات الباكستانية.
ووجدت هذه المجموعة منذ عدة سنوات ملاذا آمنا في المناطق القبلية بشمال غرب باكستان.
لكن في 2014، شن الجيش الباكستاني عملية عسكرية في تلك المناطق، ليصر الآن على أنه قضى على جميع الملاذات الآمنة في البلاد.