الأرمن يحيون ذكرى الإبادة الجماعية على يد العثمانين
الأرمن يحيون ذكرى الإبادة الجماعية على يد العثمانين

مع إحياء الأرمن السبت، الذكرى السادسة بعد المئة للمجازر التي ارتكبها العثمانيون، بحق أسلافهم إبان الحرب العالمية الأولى، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، اعتراف الولايات المتحدة بأن ما حدث "إبادة جماعية".

وبهذه الخطوة سيكون بايدن أول رئيس أميركي يصف المجازر بأنها إبادة، وهي خطوة ليس لها عواقب قانونية، لكنه انتصار معنوي هائل للشعب الأرمني، كما يقول أرمنيون في دول عربية. 

وعلى الرغم من عقود من الضغط من قبل الجالية الأرمنية الأميركية، تجنب رؤساء الولايات المتحدة هذا الجدل خوفًا من حدوث قطيعة مع تركيا.

ويأتي قرار بايدن ليؤكد أن جهود هذه الجالية على مر العقود "لم تضع سدى وتذهب هباء"، حسبما قالت المديرة التنفيذية للهيئة الوطنية الأرمنية في الشرق الأوسط، فيرا يعقوبيان، في تصريحات لموقع الحرة. 

وأوضحت مديرة الهيئة التي تهتم بتوثيق تاريخ الشعب الأرمني ومقرها بيروت، أن "القرار الأميركي يعطي شعورا بالارتياح لكل الشعب الأرمني،  كما يعطي شعورا بالأمل في مزيد من الاعتراف الدولي بالإبادة".

وقال رئيس حزب الرامغافار الأرمني في لبنان، سيفاك هاكوبيان، إن "شعور الأرمن بهذا الاعتراف لا يوصف لأنه يأتي من دولة عظمى مثل الولايات المتحدة"، وأكد أنه يمثل دفعه معنوية كبيرة لكل الشعب الأرمني.

وأشار هاكوبيان في تصريحات لموقع "الحرة" إلى أن بايدن ليس الرئيس الأميركي الأول الذي يستخدم وصف إبادة لما حدث مع الأرمن، فقد سبقه الرئيس رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي، لكن ذلك جاء في سياق خطاب وليس كاعتراف رسمي. 

تاريخ الإبادة

وبحسب المؤرخين الأرمن، فإن مليونا ونصف أرمني قتلوا بشكل منهجي خلال الحرب العالمية الأولى على يد الأتراك العثمانيين. لكن تركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية، تقول إن عدد القتلى 500 ألف فقط. 

بدأت المأساة، عندما اشتبهت السلطات العثمانية بعدم ولاء الأرمن للامبراطورية منذ نشوء حركة قومية تطالب بحكم ذاتي للأرمن في نهاية القرن التاسع عشر.

وفي عام 1878،  ظهرت القضية عالميًا لأول مرة  بعد هزيمة الأتراك في الحرب الروسية التركية (1877-1878). وفي  المادة 16 من معاهدة سان ستيفانو التي تم توقيعها بعد الحرب، اتفق الجانبان على إجراء الباب العالي العثماني إصلاحات في  مقاطعات أرمينيا الغربية التابعة للإمبراطورية العثمانية، لضمان أمن السكان الأرمن هناك ضد الأكراد والشركس، بحسب المؤرخ الأرميني فاتشي تازيان.

وأضاف تازيان، في تصريحات لموقع قناة "الحرة"، أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لم ينفذ هذه الإصلاحات، ودارت مواجهات دامية قتل فيها 100 إلى 300 ألف أرمني بين عامي 1894 و1896، عرفت باسم "المذابح الحميدية" .

عندما وصل "الأتراك الجدد" إلى السلطة عام 1908 واستعادوا الحكم الدستوري، كانوا مدعومين بشدة من الأرمن. لكن بعد مرور عام، تعرض الأرمن والأقليات المسيحية الأخرى في أضنة (كيليكيا) لهجوم من قبل  الأتراك، مما أسفر عن قُتل حوالي 30 ألف أرمني، فيما عرف باسم "مجازر أضنة".

وفي أكتوبر 1914، دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا-المجر. وحين لحقت بها خسائر فادحة في المعارك التي جرت في المحافظات الأرمنية، ألقت باللوم على الأرمن، فاتهمتهم بالتعاون مع الروس ووصفتهم بـ"أعداء الداخل".

قُتل نحو مليون ونصف أرمني علي يد العثمانين إبان الحرب العالمية الأولى

وفي 24 أبريل 1915، ألقت السلطات العثمانية القبض على آلاف الأرمن للاشتباه بامتلاكهم نزعة قومية معادية للحكومة المركزية. وفي 26 أبريل، أجاز قانون ترحيلهم "لدواعي الأمن الداخلي"، فيما سمح قانون آخر صدر في 13 سبتمبر من نفس العام، بمصادرة أملاكههم.

ونفي السكان الأرمن في الأناضول وكيليكيا قسرا إلى صحارى ما بين النهرين، وقتل العديد منهم على الطريق أو في مخيمات، فمنهم من أحرق حيا ومنهم من قضى غرقا أو تسمما أو جراء إصابته بالتيفود، وفق تقارير دبلوماسيين أجانب وعملاء استخبارات من تلك الحقبة.

ونُفذت عملية الإبادة على مرحلتين: الأولى قُتل الذكور البالغون جماعياً، والثانية، أجبرت النساء والأطفال والشيوخ، حسب قانون التهجير، على المشي في مسيرات موت حتى بادية الشام في عامي 1915 و1916، حيث تعرضوا لعمليات نهب واغتصاب وقتل دورياً. وتشير التقديرات إلى أن عدد من أجبر على المشاركة هذه المسيرات يتراوح بين 800 ألف حتى 1.2 مليون أرمني، لم يبق منهم على قيد الحياة سوى 200 ألف فقط.

ويؤكد المورخون الأرمن أن حوالي مليوني أرمني كانوا يعيشون في أراضي الدولة العثمانية مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، ولكن بحلول عام 1922، انخفض عددهم إلى 400 ألف فقط

الاعتراف الدولي

ومع انهيار الدولة العثمانية وتأسيس الدول التركية الحديثة، أقرت أنقرة بوقوع مذابح، لكنها رفضت توصيفها بالإبادة، مشيرة إلى أن حربا أهلية في الأناضول تزامنت مع مجاعة، تسببت بمقتل ما بين 300 و500 ألف أرمني، فضلا عن عدد مساو من الأتراك.

وفي العام 2000، أكد 126 باحثا بينهم الحائز جائزة نوبل للسلام إيلي فيزل في بيان نشر في صحيفة نيويورك تايمز أن "الإبادة الأرمنية إبان الحرب العالمية الأولى واقع تاريخي لا يمكن إنكاره".

وتشكل مسألة الاعتراف بأن مجازر الأرمن كانت إبادة جماعية حساسية ومصدر توتر وقلق شديد بين تركيا وأميركا والغرب. 

وفي 20 أبريل 1965 كانت الأوروغواي أول بلد يعترف بإبادة الأرمن. وأقر البرلمان الأوروبي بالإبادة الأرمنية في 1987.

وفي 2001 أقرت فرنسا قانونا يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن، وأقيم يوم وطني لإحياء ذكرى الإبادة لأول مرة في 24 أبريل 2019. غير أن فرنسا لا تجرم إنكار الإبادة، خلافا لسويسرا وقبرص وسلوفاكيا.

وصوتت برلمانات حوالي ثلاثين دولة على قوانين أو قرارات أو مذكرات تعترف صراحة بإبادة الأرمن، هي ألمانيا والأرجنتين والنمسا وبلجيكا وبوليفيا والبرازيل وكندا وتشيلي وقبرص والولايات المتحدة وفرنسا واليونان وإيطاليا ولبنان وليتوانيا ولوكسمبورغ وباراغواء وهولندا وبولندا والبرتغال وروسيا وسلوفاكيا والسويد وسويسرا والأوروغواي والفاتيكان وفنزويلا.

ومن البلدان التي صوتت مؤخرا على قرار يعترف بالإبادة هولندا عام 2018 والبرتغال عام 2019. كذلك أصدر مجلس النواب الألماني قرارا بهذا الصدد في 2016 وصفته المستشارة أنغيلا ميركل بأنه غير ملزم.

وفي 24 أبريل 2015، فيما كانت أرمينيا تحيي مئوية الإبادة، وصف البابا فرنسيس ما حدث بأنها "أول إبادة في القرن العشرين".

أهمية الاعتراف الأميركي

في ديسمبر 2019، أقر الكونغرس الأميركي بـ"الإبادة الأرمنية" في عملية تصويت رمزية، غير أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب رفضت استخدام كلمة "إبادة".

وكان أكثر من 100 عضو في الكونغرس على رأسهم آدم شيف الرئيس الديموقراطي للجنة المخابرات في مجلس النواب قد بعثوا برسالة الى بايدن يحضونه فيها على الوفاء بتعهده بالاعتراف بالابادة خلال حملته الانتخابية.

وقال الدكتور هاكوب مقديس، المحاضر في أكاديمية الإدارة العامة في أرمينيا، إن القرار الأميركي يعتبر دعما معنويا لكل الأمة الأرمينية في مختلف أنحاء العالم.

وأضاف مقديس في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أنه يمكن استخدام هذا القرار للضغط السياسي على تركيا باعتبارها الوريث الشرعي للدولة العثمانية لدفع تعويضات لأرمينيا على هذه الجرائم، واسترداد جميع الأراضي الأرمينية التي استولت عليها الإمبراطورية العثمانية آنذاك.

بدورها، أضافت يعقوبيان أن هذا القرار يفتح الباب أمام المرحلة الثانية وهي الضغط على أنقرة للاعتراف بالابادة ودفع التعويضات للشعب الأرمني ليس فقط علي ما حدث خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن أيضا تعويضهم علي ما حدث خلال 106 عام الماضية وتهجيرهم من أراضيهم ومناطقهم .

لكن هاكوبيان يرى أن هذا القرار معنوي وليس له أي سند قانوني، لأنه لا يجرم من ينكر بهذه الإبادة على غرار القوانين الأوروبية.

يذكر أنه خلال السنوات الأخيرة، تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا بسبب شراء أنقرة نظاما دفاعيا جويا من روسيا - الخصم الرئيسي للحلف الأطلسي - وتوغلاتها ضد المقاتلين الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة في سوريا.  كما انتقدت إدارة بايدن أردوغان بسبب رهاب المثلية بعد أن استخدم المسؤولون لغة تقلل من شأن مجتمع المثليين والسحاقيات والمتحولين جنسيا خلال التصدي لاحتجاجات.

ومن المتوقع أن تزيد هذه الخطوة الأميركية الخلاف بين أنقرة وواشنطن.

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك، قبل أن يؤذن له بالدخل للتبضع.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".