FILE PHOTO: A burned tank stands near the town of Adwa, Tigray region, Ethiopia, March 18, 2021. REUTERS/Baz Ratner/File Photo…
عبرت الولايات المتحدة عن قلقها بشأن الأزمة الإنسانية في إقليم تيغراي الإثيوبي

في منطقة يندلع فيها نزاع مائي طويل الأمد، وأزمة إنسانية وأخرى حدودية، وصراع دموي، ورئيس يمدد فترة ولايته، اتجهت واشنطن لتكثيف جهودها الدبلوماسية في المنطقة، حتى استحدثت منصبا جديدا خاصا للقرن الأفريقي، يتولاه الدبلوماسي الأميركي المخضرم جيفري فيلتمان.

وفي بيان على موقع الخارجية الأميركية، قال الوزير أنتوني بلينكن إن المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي فيلتمان سيقود أيضا الجهود الدولية لإنهاء التوتر بين إثيوبيا والسودان، والتوتر الناتج عن إقامة سد النهضة الإثيوبي.

بينما ذكر بيان البيت الأبيض أن عمل فيلتمان "سيعتمد على جهودنا المستمرة لمعالجة الأزمات الملحة في إثيوبيا، حيث نواصل الحث على الانسحاب الفوري للقوات الإريترية، ووقف الأعمال العدائية من قبل جميع الأطراف، ووصول المساعدات الإنسانية دون عوائق". 

كما حث البيان "قادة مصر وإثيوبيا والسودان على التعاون لحل نزاعاتهم حول سد النهضة الإثيوبي الكبير ومواردهم المائية المشتركة".

وتقول كارولين روز، كبيرة المحللين بمعهد "نيو لاينز" للاستراتيجيات والسياسات بواشنطن، لموقع "الحرة": "مع هذا المنصب الجديد، تسعى إدارة الرئيس جو بايدن إلى الانخراط في الدبلوماسية الاستباقية، وزيادة المشاركة مع الحكومات القرن الأفريقي كوسيلة لمنع الصراع على نطاق واسع وظهور أي قوة إقليمية مهيمنة". 

وأضافت "هذه استراتيجية طويلة المدى تبنتها الولايات المتحدة ولن يتم تنفيذها فقط في القرن الأفريقي، ولكن أيضا في مناطق البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج".

ويصف عطية عيسوي، خبير الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية هذا التعيين بـ"المهم"، قائلا لموقع "الحرة" إنه سيعيد الجهود والمساعدات الأميركية للمنطقة بشكل أفضل.

وفي سبتمبر، منعت الولايات المتحدة مساعدات مالية لإثيوبيا بقيمة 100 مليون دولار. بعدما قال الرئيس السابق دونالد ترامب إن إثيوبيا انتهكت اتفاقا بوساطة أميركية لحل النزاع بشأن سد النهضة، مما دفعه إلى قطع المساعدات المالية. 

وردا على ذلك، استدعت إثيوبيا السفير الأميركي في أكتوبر للاحتجاج على ما وصفته بأنه "تحريض على الحرب" مع مصر من قبل ترامب بسبب النزاع القائم حول ملء وتشغيل السد.

ولا يزال نزاع مرير بين مصر وإثيوبيا والسودان على ملء وتشغيل السد قائما حتى بعد البدء بملء خزان السد عقب أمطار الصيف في يوليو الماضي، وإصرار إثيوبيا على الملء الثاني في يوليو المقبل، رغم مطالب من مصر والسودان بالتوصل أولا إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيله.

وترى مصر السد تهديدا كبيرا لإمداداتها من المياه العذبة التي يأتي أكثر من 90 في المئة منها من النيل. وتقول إثيوبيا إن السد حيوي لتنميتها الاقتصادية.

وفي أبريل الجاري، حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إثيوبيا من خطر نشوب صراع بسبب السد.

وحول ما إذا كان تعيين جيفري سيساهم في الوصول لحل لهذا النزاع المرير، قال عيسوي: "الموقف الأميركي غامض ولا يرقى للقدر الكافي لإعطاء دفعة للمباحثات". 

وأضاف "ربما يرجع ذلك إلى محاولة إدارة بايدن استعادة ثقة إثيوبيا في الولايات المتحدة باعتبارها طرفا محايدا، بعد أن فقدت هذه الثقة خلال فترة ترامب الذي وصفت إثيوبيا موقفه من الأزمة بالانحياز".

وفي فبراير الماضي، قررت الولايات عدم ربط التعليق المؤقت لبعض مساعدات إثيوبيا بالسياسية الأميركية بخصوص سد النهضة.

وحينها قالت إدارة الرئيس جو بايدن إنها ستراجع السياسة الأميركية بشأن السد، وستقيم الدور الذي يمكن أن تضطلع به لتسهيل التوصل إلى حل بين البلدان الثلاثة.

ويرى عيسوي أن هذا القرار يعكس "محاولة واشنطن لأن تثبت لإثيوبيا أنها تلتزم الحياد"، قائلا إن هذه المحاولة إما أن تزيد من تعنت إثيوبيا، من وجهة نظر مصر والسودان، أو تعطي فرصة للولايات بالتدخل لإعادة التفاوض أو الوساطة.

وأوضح أن تعيين فيلتمان لن يؤدي بالضرورة لحل مشكلة سد النهضة، "لأن ذلك يتعلق باستعادة ثقة إثيوبيا أولا، وموقف أديس أبابا من الوساطة ثانيا".

وأضاف "بعد تصاعد أزمة سد النهضة، تشعر الولايات المتحدة بعدم الاستقرار في المنطقة، الأمر الذي لا تريده".

أولوية الأزمات

وترى روز أن تعيين فيلتمان يشير إلى إعطاء الولايات المتحدة أولوية استراتيجية أكبر للقرن الأفريقي. 

لكن بيانا بلينكن والبيت الأبيض لم يتطرقا إلى جميع مشاكل دول القرن الأفريقي (الصومال، جيبوتي، إثيوبيا، إريتريا، وإقليم أرض الصومال الإنفصالي)، واكتفيا بذكر أزمات سد النهضة، والنزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا بشأن منطقة الفشقة الخصيبة، والصراع في إقليم تيغراي، دون أن يتطرق إلى الأزمة التي خمد لهيبها مؤقتا في مقديشو.

وتفسر روز هذا الأمر، قائلة: "أثارت واشنطن قلقها من خطر نشوب صراع، كما يتضح من التصعيد بشأن سد النهضة والصراع في تيغراي، في الوقت الذي تتواجد فيه في المنطقة قوى عظمى منافسة أخرى، مثل روسيا والصين وخصوم آخرين".

ويقول عطية: "الاهتمام الأميركي خلال فترة ترامب تقلص بشدة، الأمر الذي أثر على كثير من برامج المساعدة، بما في ذلك برامج الدعم الأمني التي تعول عليها الكثير من الدول لمواجهة الإرهاب وتهديدات الأمن القومي".

وفي عملية انسحاب عالمية للقوات الأميركية قبل مغادرته البيت الأبيض، سحب ترامب سحب معظم قوات بلاده من الصومال.

ومنذ أوائل التسعينات يشهد الصومال حربا أهلية، لكن على مدار العقد الماضي استعادت قوة حفظ السلام المدعومة من الاتحاد الأفريقي والقوات الأميركية السيطرة على مقديشو وأجزاء كبيرة من البلاد من حركة الشباب.

ورغم التوتر الذي شهده الصومال مؤخرا على خلفية اقتراح الرئيس محمد عبد الله محمد تمديد فترة ولايته، وما أعقب ذلك من اشتباكات مسلحة، خلى بيانا البيت الأبيض وبلينكن من أي ذكر لذلك.

ويرى عيسوي أن اهتمام البيانين بقضيتي سد النهضة وإقليم تيغراي الإثيوبيين دون غيرهما يعكس أولويتهما بالنسبة لفيلتمان، لكنه قال: "طالما أنه مبعوث خاص للقرن الأفريقي فسيهتم بجميع قضاياه، لكن يبدو أن التركيز سينصب حاليا على هاتين القضيتين".

وعبرت الولايات المتحدة عن قلقها بشأن الأزمة الإنسانية في إقليم تيغراي الإثيوبي، حيث أعلنت الحكومة المركزية انتصارها على حكومة إقليمية متمردة في صراع اندلع في نوفمبر، بعد أن هاجمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قواعد للجيش في أنحاء المنطقة.

والاثنين الماضي، تحدث بلينكن إلى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، وحث على انسحاب القوات الإريترية المتورطة في صراع تيغراي "على الفور وبشكل كامل وبطريقة يمكن التحقق منها".

وشن الجيش الاتحادي هجوما مضادا على الجبهة الشعبية إلى جانب جنود إريتريين وقوات من إقليم أمهرة المجاور.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.