بعد ساعات من خبر نقله التلفزيون المصري عن توجيه للرئيس عبد الفتاح السيسي بإرسال وفدين أمنيين إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية للعمل على تثبيت الهدنة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، شهدت باحات المسجد الأقصى في القدس، الجمعة، مواجهات بين جنود إسرائيليين ومحتجين.
وبدأ القتال بين إسرائيل وحركة حماس، الذي دام 11 يوما، عقب اشتباكات بين قوات الأمن الإسرائيلية ومصلين في المسجد الأقصى، ودعوى قضائية رفعها مستوطنون إسرائيليون لطرد فلسطينيين من حي الشيخ جراح في القدس الشرقية.
وعادة ما تلعب مصر، التي تربطها معاهدة سلام وعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتجري أيضا اتصالات مع حماس، دورا رئيسيا في التهدئة في غزة.
لكن عودة الاشتباكات بعد ساعات من دخول الهدنة حيز التنفيذ يثير تساؤلات بشأن الضمانات التي سيبحث عنها الوفدان المصريان في إسرئيل والأراضي الفلسطينية لتثبيت الهدنة.
ويقول أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، لموقع "الحرة"، إن تثبيت الهدنة على الأرض يتطلب "احترام كلا الطرفين لشرطها؛ وهو وقف إطلاق النار".
هدنة بلا شروط
وبحسب تصريحات المسؤولين، لم تتضمن المبادرة المصرية أية شروط لوقف إطلاق النار، مما طرح تساؤلات حول الأسباب التي دفعت الجانبين لقبولها.
وقال المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، عوفير جندلمان، إن المجلس الوزاري وافق بـ"الإجماع" على "توصية قادة الأجهزة الأمنية جميعا، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع ورئيس الشاباك ورئيس الموساد ورئيس هيئة الأمن القومي، بقبول المقترح المصري لوقف إطلاق النار من قبل الطرفين وبدون أية شروط".
ويعلق مصري على ذلك قائلا: "لا توجد فصائل في غزة، حيث تقع السلطة الفعلية في يد حماس فقط لا غير. وقد تكبدت حماس خسائر فادحة دفعتها للتوسل للتوصل إلى وقف إطلاق نار، وهو الشيء الذي وافقت عليه إسرائيل بعد أن حققت الحملة العسكرية الجزء الأكبر من أهدافها وفي وقت قياسي".
وفي وقت سابق من الجمعة، رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بما وصفه بـ"نجاح استثنائي" للعملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، قائلا للصحافيين في تل أبيب: "لا يمكن لحماس الاختباء بعد الآن ... قمنا بتصفية أكثر من 200 إرهابي بينهم 25 من الكوادر".
وعلى الجانب الآخر، يقول المحلل الفلسطيني، أشرف عكة، لموقع "الحرة" إن "القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل أرادت أن تقلل من حجم الخسارة، خاصة أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية شكلت عامل ضغط أساسي على المستوى العسكري وعلى المستوى السياسي في هذه المرحلة".
وفي وقت مبكر من الجمعة، احتشد الآلاف من الفلسطينيين، بعد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حيث اعتبر الكثيرون أنه انتصار مكلف لكن واضح لحركة حماس على إسرائيل، حسبما نقلت وكالة أسوشيتد برس.
وأضاف عكة "موافقة الأطراف على التهدئة ناجمة أساسا عن الضغوط الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لأن الإدارة الأميركية أرادت منذ اللحظة الأولى إحياء مسار عملية السلام، وهي تؤمن بحل الدولتين".
وتابع "الإدارة الأميركية ضغطت بجهود مصرية (...) من أجل إجبار الأطراف على وقف إطلاق النار، لأن الموقف الأميركي كان واضحا وحازما وصارما في التعامل مع إسرائيل".
تهرب من الالتزامات
أما الخبير الأمني المصري، سمير راغب، فقد أرجع سبب موافقة إسرائيل على الهدنة بدون شروط إلى "رغبتها في التهرب من الالتزامات ومن أي اتفاق مكتوب".
وقال راغب لموقع "الحرة" إن "تثبيت الهدنة على الأرض يعتمد على ما إذا كان الطرفان مستفيدان من عودة التصعيد أم لا".
ويعتقد راغب أن الإسرائيليين والفلسطينيين وصلا "للحظة الحقيقة وهي أن استمرار التصعيد لن يحقق أكثر مما حُقق وسيزيد من الخسائر".
وأشار راغب إلى "مرحلة التسوية السياسية" التي ستعقب تثبيت الهدنة، قائلا إنها "تتطلب إجراءات لبناء الثقة، مثل عملية تبادل للأسرى أو الإفراج عن المعتقلين".
فيما يرى عكة أن "الضامن الأساسي لوقف إطلاق النار هو وقف الاستفزازات الإسرائيلية".
وبعد صلاة الجمعة التي شارك فيها آلاف الفلسطينيين، اندلعت مواجهات مجددا بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين في باحة المسجد الأقصى في القدس الشرقية.
وقال المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية إن الشرطة تعرضت لإلقاء حجارة من قبل الفلسطينيين وبدأت بإجراءات مكافحة "الشغب".
ماذا سيحدث في "الشيخ جراح"؟
ويُنظر إلى النزاع الأخير على أنه أسوأ أعمال عنف بين الطرفين منذ سنوات، وقد اندلع على خلفية التهديد بطرد عائلات فلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح لصالح مستوطنين يهود.
ولا يزال مصير العائلات الفلسطينية في الحي غير معروف، خاصة وأن وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه لم يشر إليه.
ويقول عكة: "لا توجد ضمانات واضحة بخصوص حي الشيخ جراح، سوى الإعلان الإسرائيلي عن وقف ترحيل السكان، ولكن لا يوجد نص واضح على ذلك في هذا الاتفاق".
فيما يعلق مئير مصري، قائلا: "لا يوجد أي تعد على السكان العرب المقدسيين. هناك نزاع بين أسر يهودية وعربية بشأن ملكية أربع منازل".
وأضاف "الأسر احتكمت إلى القضاء الإسرائيلي في هذا الشأن. وحتى هذه اللحظة، لم يصدر القضاء حكما نهائيا. وبالتالي فالقصة مفتعلة منذ اليوم الأول بهدف إحداث موجة من العنف، وفتح المجال لحماس لإقحام نفسها في المشهد".
ومضى يقول: "حماس لا علاقة لها بالمشاكل العالقة في القدس. الحركة تسعى إلى إقحام نفسها في المشهد المقدسي لدواعي انتخابية وشعبوية".
وفيما يتعلق بالاحتجاجات المتواصلة في المسجد الأقصى قال مصري: "المسجد الأقصى شأنه شأن كافة الأماكن المقدسة في البلدة القديمة: تحميه وتؤمنه الشرطة الإسرائيلية".
"أما فيما يخص الشؤون الإدارية والدينية، فللأردن الوصاية؛ وهذا وفقا للأمر الراهن المتفق عليه منذ عقود. إذن لا جديد على الساحة"، بحسب مئير مصري.
ويتفق راغب مع ما يقوله عكة، قائلا: "لا توجد ضمانات فيما يتعلق بالوضع في الشيخ جراح ولا المسجد الأقصى"، مشيرا إلى أن "العمليات العسكرية التي حصلت لم تغير الواقع داخل القدس والمناطق الأخرى، ولا اتفاق مكتوب بخصوص ذلك".
ويرى أن "حل الصراع يكون بإقامة الدولة الفلسطينية، على مبدأ حل الدولتين، وعاصمتها القدس الشرقية، وما عدا ذلك يعني أن الصراعات قد تشتعل في المستقبل"، على حد قوله.
ورغم ذلك، يستبعد راغب إمكانية "العيش المشترك بين الجانبين"، مشيرا إلى استمرار التوترات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.