العلاقات بدأت بالعودة إلى مسارها الطبيعي بين مصر وقطر
العلاقات بدأت بالعودة إلى مسارها الطبيعي بين مصر وقطر

بعد توقيع اتفاق العلا، بدأ طريق عودة العلاقات بين مصر وقطر ، وكانت زيارة وزير خارجية الدوحة محمد عبد الرحمن آل ثاني للقاهرة، الثلاثاء، أحدث اتصال بين الجانبين.

وكانت مصر من أوائل الدول الأربع التي استأنفت حركة الطيران مع الدوحة، في يناير الماضي، بعدما أنهت، إلى جانب السعودية والإمارات والبحرين، مقاطعتها لقطر، والتي بدأت عام 2017، ووقعت على اتفاق المصالحة في مدينة العلا  السعودية.

وكانت الدول الأربع قد قاطعت قطر بسبب علاقاتها الوثيقة مع تركيا وإيران، واتهامها بدعم جماعة الإخوان المسلمين وتمويل الجماعات المتطرفة.

ويقول أستاذ القانون الدولي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أيمن سلامة إن زيارة بن عبد الرحمن آل ثاني تأتي في "أجواء وظروف إيجابية" خاصة بعد إعادة افتتاح السفارتين في البلدين، وعودة العلاقات الدبلوماسية.

وقبل زيارة وزير الخارجية، اتفق الجانبان على استئناف عمل السفارتين في القاهرة والدوحة، وعلى تكثيف التعاون في إطار العمل العربي المشترك مثل ملفات تتعلق بفلسطين وسوريا والعراق وليبيا، في اجتماعات استضفتها الكويت إلى جانب الاجتماعات الدورية لجامعة الدول العربية.

"السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي يتلقي رسالة خطية من امير قطر نقلها وزير الخارجية القطري". استقبل السيد الرئيس عبد...

Posted by ‎المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية-Spokesman for the Egyptian Presidency‎ on Tuesday, May 25, 2021

ويصف سلامة الزيارة بـ"المهمة"، قائلا لموقع "الحرة" إنها "ستساهم في رفع التنسيق والتشاور والعمل المشترك" بين البلدين، مشيرا إلى زيارات سابقة لمسؤولين ووزراء قطريين إلى مصر.

وعن أهداف مصر من إعادة العلاقات مع قطر، قال أستاذ العلوم السياسية في قطر، علي الهيل، لموقع "الحرة": "يوجد في قطر أكثر من 300 ألف مصري، وهم يرسلون تحويلات إلى ذويهم بالعملة الصعبة، كما تمتلك الدوحة استثمارات كبيرة في القاهرة".

وتحدث الهيل عن احتمال توسط الدوحة  بين مصر وتركيا في ترسيم الحدود البحرية، بالنظر إلى "التحالف القطري التركي"، على حد قوله.

وفي وقت سابق من مايو الجاري، عقدت مصر وتركيا محادثات بشأن الصراع في ليبيا وسوريا والأوضاع الأمنية في منطقة شرق البحر المتوسط، في مسعى لإعادة بناء العلاقات المتوترة بينهما.

وخلال زيارته للقاهرة، نقل وزير الخارجية القطري رسالة خطية من أمير قطر  تميم بن حمد آل ثاني للرئيس المصري عبد الفتاح السيسيتتضمن دعوته لزيارة الدوحة، فيما توقع الهيل أن يلبي السيسي الدعوة.

"قلق من الإخوان"

ويشكل ملف الإخوان المسلمين  حجر عثرة على طريق إتمام المصالحة بين الجانبين، فالجماعة المصنفة إرهابية في مصر، تستضيف الدوحة أبرز قياداتها على أراضيها.

ويعلق سلامة على ذلك، قائلا: "هذا يقلق مصر قلقا شديدا، ولا يجعل الأمور تسير في وتيرتها الطبيعية".

وأضاف "من الصعب التوصل إلى حلحلة هذا الملف الشائك" بين الدولتين، مشيرا إلى ما وصفها بـ"السياسة الهجومية العدائية المستمرة لقناة الجزيرة ضد مصر تحديدا، بالرغم من اتفاق العلا".

أما الهيل فيرى أن ملف الإخوان المسلمين، الذي كان يشكل "هاجسا سياسيا مصريا"، على حد قوله، قد أُغلق،

وأضاف "جماعة الإخوان لم تعد قوة سياسية فاعلة على الساحة العربية، وقطر لا تتعامل معها من منطلق إيديولوجي".

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.