The Palestinian neighborhood of Silwan is seen in the background as people walk on a promenade on the surrounding walls of…
بلدة سلوان مسرحا لمعارك يعتبرها اليهود قانونية ويراها العرب أيدولوجية في القدس الشرقية

بعد أسبوعين على وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل المسلحة في غزة، اتجهت الأنظار إلى جهود تثبيت الهدنة وإعادة إعمار القطاع وتجديد مخزون نظام القبة الحديدية. 

غير أن الشرارة الأصلية وراء اندلاع هذه الجولة من الصراع، وهي قرارات بإخلاء بعض بيوت حي الشيخ جراح من قاطنيها العرب، لم تنطفئ، مهددة باشتعال الوضع في أية لحظة، بل إن القدس الآن تعيش نزاعا على نطاق أوسع في بلدة سلوان المجاورة للأقصى.

وتنظر المحاكم الإسرائيلية في قضية ملكية عقارات لما يقرب من 800 فرد يشكلون 78 عائلة عربية تقريبا في سلوان، تقول منظمة يهودية إنها أقيمت على أرض كانت ملكا لليهود قبل 1948. 

وأضحت المدينة الغنية بالمواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى العصر البرونزي، محطة نزاع جديد بين عرب يقولون إنها "خطة لتهويد القدس"، ويهود يقولون إنهم يستخدمون الطرق القانونية الشرعية لاستعادة أملاكهم القديمة.

جانب الأقصى.. عند نبع جيحون 

تقع سلوان في منطقة يعرفها العرب بـ"عين الحلوة"، ويسميها اليهود مدينة داود، وهي ملاصقة تماما للمسجد الأقصى في الجزء الشرقي من القدس.

يشتهر الحي بعين ماء يقول اليهود إن اسمه "نبع جيحون"، إذ ترجح بعض الروايات أنه مكان النبع الذي تعمّد فيه الملك سليمان، في حين يسميه المسيحيون "نبع العذراء"، إذ يقولون إن المسيح استخدم ماءه في شفاء الأعمى، في حين يسميه المسلمون نبع أم الدرج. 

وكانت سلوان تحت الحكم الأردني حتى عام 1967، في حين يعدها اليهود جزءا من "حديقة الملك" المشار إليها في التوارة. 

وتوجد حاليا عدة جيوب يهودية داخل سلوان الذي تقطنه الأغلبية العربية من الفلسطينيين الذين لا يحملون جنسيات إسرائيلية، والبالغ تعدادهم نحو 50 ألف نسمة.

وطبقا لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، تعمل منظمة "عطيرت كوهانيم" اليهودية على إخراج سكان عرب من المنطقة من خلال دعم دعاوى قضائية متفرقة عبر فترات زمنية مختلفة يرفعها مستوطنون، يستندون إلى أن أراضي بسلوان كانت مملوكة بشكل شرعي لصندوق استثمار يهودي نشط في المنطقة منذ أكثر من 100 عام. 

ومنذ 2015، تخوض بعض العائلات الفلسطينية ومنها رجل يدعى زهير الرجبي وهو أب لأربعة أطفال، معارك قانونية في المحاكم الإسرائيلية التي حكمت، يناير 2020، بإخلاء منزل الرجبي في حي بطن الهوى الكائن بسلوان.

والأربعاء الماضي، أجلت محكمة إسرائيلية النظر في دعوى إخلاء عائلتين لمنزليهما في البلدة ذاتها وذلك حتى يوم 1 ديسمبر المقبل. 

في تصريح لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، قال متحدث باسم عطيرت كوهانيم، إن المنظمة لا تعلق على إجراءات المحكمة الجارية كمسألة سياسية، في حين قال رئيس المنظمة، دانيال لوريال، في تصريحات سابقة ديسمبر الماضي أن المنظمة "مجرد وسيط" بين الفلسطينيين والمشترين الإسرائيليين.

وقال لوريا في حديث لوكالة فرانس برس: "ينطلق عملنا من العقار الأيديولوجي"، مضيفا: "نحن لا نجبر أحدا على البيع، لكن إذا أراد عربي أن يبيع فلن نقول له إننا غير مهتمين".

لكن المحامي الفلسطيني، يزيد قعوار، يقول في حديث لموقع قناة "الحرة" إن تأجيل المحاكم الإسرائيلية للنظر في القضية "سياسي"، مضيفا: "الدافع غير المعلن لقرار المحكمة الإسرائيلية هو الانتظار لحين أن تخفف الأضواء عن القضية الفلسطينية"، على حد قوله. 

ويترافع قعوار عن 13 بناية تقطنها 61 عائلة فلسطينية، ويقول إن الحكومة الإسرائيلية تسعى من خلال قوانينها أن تعيد عجلة التاريخ لنقطة زمنية محددة بالتغاضي عن ما حصل خلال الـ 100 عام الماضية.

في هذا السياق، تشير منظمة العفو الدولية إلى أن القوانين الإسرائيلية تمكن اليهود من الادعاء أمام المحاكم ومحاولة إثبات ملكيتهم  لأصول من عقود مضت، في حين لاتسمح للسكان العرب بذات الحق، وتمنع الذين خرجوا من أراضيهم وممتلكاتهم بعد عام 1948 من العودة لبيوتهم. 

وفي الحالات التي لايتاح فيها  ورثة أحياء لملاك الأراضي اليهود السابقين في القدس الشرقية، تمنح إسرائيل إدارة حقوق الأرض لكيان حكومي يُدعى الحارس العام.

ويقول قعوار إنه لو طبقت ذات القوانين على الجميع، إن العرب يحق لهم أن يعودوا لحي رحافيا، أحد أفخم أحياء القدس، والذي كان يسكنه فلسطينيون عرب قبل الحرب العالمية الأولى. 

لا حل قريب

وبينما يستمر أهالي سلوان حاليا في التظاهر والاعتصام، يقول الناطق باسم لجان الدفاع عن أراضي سلوان، فخري أبو دياب، إن الحراك الجماهيري على الأرض لا يزال يصنع الضغط المحلي والتعاطف العالمي مع "قضية مخالفة للقانون الدولي بطرد الناس من منازلها ضمن مساعٍ لتهويد المدينة القديمة"، على حد قوله. 

وأضاف، خلال حديثه لموقع "الحرة"، أنه يرى الدعاوى المقامة في سلوان امتدادا لما حدث في الشيخ جراح، وأنه محاولة لـ "تهويد الحوض المقدس" حول المسجد الأقصى، مشيرا إلى أن عروض بيع المنازل والتنازل بمقابل مادي لا تلقى الترحيب داخل أهالي الحي. 

في المقابل، لا ينكر المحلل الإسرائيلي يوآف شتيرن، أن النزاع له خلفية سياسية، ويؤكد أنه ليس مجرد نزاع قانوني حول ملكية عقار، مستدركا في الوقت ذاته أن الأرض ملكية يهودية.

ويقول شتيرن، المنتمي إلى معسكر اليسار، إن الأراضي التي كانت يملكها اليهود تحولت إلى الأردن في أغلبها، ثم رجعت ملكيتها لصالح إسرائيل بعد عام 1967، موضحا أن الدولة تعترف بملكية اليهود الأصليين.

وأصدرت إسرائيل عام 1970 قانونا يسمح لليهود باستعادة الممتلكات التي فقدوها في 1948 أو قبله، وهو عام إعلان قيام دولة إسرائيل التي شهدت أيضا انتقال السلطة على القدس الشرقية من سيطرة بريطانيا إلى الأردن، قبل أن تذهب تلك السيطرة إلى إسرائيل في العام 1967.

ويرى شتيرن أن الحل الأمثل لهذه الإشكالية لدى الحكومة الائتلافية الجديدة في إسرائيل "التي يجب أن تجد صيغة ملائمة مقبولة من جميع الأطراف لإنهاء هذه القضية من المنظور القانوني والسياسي".

وتابع: "القضية باتت مؤخرا موضوع رأي عام دولي ساهم في مواجهات مع حماس بغزة (...) وفي حال عدم إيجاد حلول قد تكون هناك جولة جديدة من الصراع مع الفصائل المسلحة في القطاع".

ومع ذلك، يستبعد المحلل الإسرائيلي إيجاد حل قريب لهذه القضية باعتبار أن الأحزاب المختلفة التي ستشكل الحكومة الجديدة لديها تباين في الآراء إزاء نزاع الشيخ جراح وسلوان، وهو ما قد يؤدي إلى لجوء الفلسطينيين للشارع وإشعال فتيل العنف بالمنطقة مجددا، بحسب شتيرن.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.