أزمة الطاقة في لبنان
اتفاق نفطي بين بغداد وبيروت في وقت يُعاني فيه لبنان من أزمة محروقات

قبل أكثر من شهرين أُعلن توصل حكومتي لبنان والعراق إلى اتفاق تبادل يقضي بتقديم العراق 500 ألف طن من النفط مقابل تقديم لبنان خدمات طبية واستشفائية، لتكشف بغداد مؤخرا عن عزمها زيادة النفط إلى لبنان إلى الضعف، أي إلى مليون طن، من دون أن يُقدم أي من الجانبين معلومات أكثر.  

وبحسب ما ذكرت الوكالة الوطنية اللبنانية حينها، يشمل الاتفاق "التعاون في مجال إدارة المستشفيات"، يشارك فيه خبراء لبنانيون وفرق طبية متخصصة ستساهم في إدارة مؤسسات جديدة ومدن طبيّة في العراق.  

ويرزح لبنان تحت ضغط أزمة اقتصادية خانقة، أدت إلى شبه انهيار في القطاع الصحي، مع انقطاع الدواء والمعدات الطبية والاستشفائية بسبب نقص الدولار وانهيار العملة، فضلاً عن هجرة الكادر الطبي بحثاً عن فرص عمل في الخارج لاسيما في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. 

ويُقدر عدد الأطباء الذين هاجروا فعلا بحوالي 4 آلاف من أصل 15 ألفاً يُمارسون المهنة، وهو الرقم الذي أكدته نقابة الأطباء نهاية عام 2020، وبالتالي من المؤكد أنه ارتفع أكثر منذ ذلك الحين.  

ويسود نوع من الغموض حول الاتفاق، ولم يفصح الجانب اللبناني إلى الآن عن تفاصيله، مع أنه أبرم منذ أكثر من شهرين. 

وردا على استفسارات موقع "الحرة"، قالت وزارة الطاقة اللبنانية إن الاتفاق لم يُنجز بعد وهناك تفاصيل مالية لها علاقة بمصرف لبنان لم تُحل بعد. 

وبشأن البنود الأخرى، قالت الوزارة إن "المفاوضات لا تزال جارية"، من دون الإدلاء بمعلومات أخرى عن الموضوع. 

وبالرغم من أن وزارة الطاقة اللبنانية ليس لديها معلومات، وتقول إن الاتفاق لم يحصل، كان لافتاً حديث مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم في حديث للقناة العراقية الإخبارية إن الاتفاق مُنجز بين وزارتي النفط في كل من العراق ولبنان وأن الاستيراد سيبدأ في غضون 10 أيام وهذا ما تنفيه مصادر عراقية مطلعة على المفاوضات. 

وكان وزير الطاقة قد أعلن قبل مدة في حلقة تلفزيونية أنه سينشر بنود الاتفاق، إلا إن ذلك لم يحصل، ولا يزال التكتم يحيط بكل ما له علاقة بهذا الأمر. 

وتقول مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الخبيرة في سياسات النفط، لوري هياتيان، لموقع "الحرة": "إلى الآن لم ينشروا أي شيء ونحن لا نعلم عن الاتفاق شيئاً، ونحن نعلم في لبنان كيف تُركَب السمسرات والطبخات فواجب الوزارة أن تعلن عن الاتفاق وبنوده بكامل تفاصيله من دون الدخول بمتاهات البنود السرية".  

تُضيف: "الفيول العراقي لا يصلح في لبنان وبالتالي الدولة العراقية تخصص كميات من النفط وشركة ثالثة نأخذهم وتجلب لنا الفيول وسمعنا حديث عن شركة كردية ستقوم بهذا الأمر. هناك من يقول إن المطلوب مقابل النفط خدمات طبية التي أيضاً غير واضحة، فما هي الخدمات التي سنقدمها نحن اليوم وهو لم يبق خدمات طبية في لبنان لكي يستفيد منها العراقيون كما كان الحال في السابق، وهناك أيضاً حديث أننا سندفع للشركة التي ستجلب لنا الفيول وبالتالي الأمور ضبابية وغير واضحة، فما الفائدة إذا كنا سندفع للشركة، هذه أسئلة على الوزارة أن تجاوب عليهم".   

ويُعاني لبنان من أزمة محروقات بسبب عدم فتح الاعتمادات بالدولار من قبل مصرف لبنان لكي يتم استيراد النفط، ما أدى إلى تراجع التغذية بالكهرباء بنسبة تصل إلى 80٪ على الأراضي اللبنانية كافة بما فيها العاصمة بيروت، ويقف اللبنانيون لساعات في انتظار أن يزودوا مركباتهم بالقليل من الوقود، وتتجه المحطات إلى الإقفال قريباً بعد أن وصل المخزون إلى أدنى مستوياته. 

من جهته، يقول الخبير في الصناعة النفطية، المهندس ربيع ياغي، في حديث لموقع "الحرة": "الفيول أويل العراقي ثقيل، وغير قابل للاستعمال في لبنان، ولا يمكن الاستفادة منه لمعامل توليد الطاقة في معملي الذوق والجية، إلا من خلال عملية مقايضة بين لبنان وشركة أو مؤسسة بترولية عالمية، تكون قادرة على أخذ الكمية العراقية، مقابل تزويدنا بالفيول أويل بحسب المواصفات اللبنانية".  

ويُضيف: "العقل يقول إذا حصلنا على 7 مليون برميل من النفط الخام فمن المنطق أن يُطلب تكريرها وما يخرج منها نأتي به إلى لبنان خاصة أن لدى العراق القدرة على ذلك، وإذا قدرنا أننا سنحصل على مليون طن من المشتقات النفطية فعملياً نغطي طاقة استهلاكية لمدة 3 أشهر، وبالتالي المطلوب إدارة رشيدة من وزارة الطاقة ولكن مع الأسف ليس لديها كفاءات تستطيع التعامل مع هذا الواقع ولا الشفافية الكافية".  

في المقابل، يقول عباس إبراهيم: "النفط العراقي لا يتناسب مع التجهيزات الموجودة في لبنان لتوليد الطاقة، لذا، تمّ الاتفاق على تحويل هذه المواد أو إضافتها إلى مواد أخرى لتصبح صالحة لمحارق الكهرباء اللّبنانيّة، أو تبديلها مع دول أخرى، وهذه الآليّة سيحدّدها الفنيّون في وزارات النفط العراقيّة واللّبنانيّة، الأهمّ أن النفط سيصِلُ إلى لبنان صالحاً للاستعمال". 

لكن الأمور على الجانب العراقي مختلفة تماماً، إذ يبدو أن الحكومة العراقية أنجزت من جهتها كُل المطلوب منها، ولا تزال في انتظار الجانب اللبناني كي يوقع على الاتفاق ولكن دون نتيجة، بالرغم من برقيات الشكر التي أمطرتها القيادات اللبنانية للجانب العراقي من رئيس الجمهورية إلى رئيسي مجلس النواب والحكومة.  

ويتبيّن أن الغموض اللبناني في هذا الشأن لم يأت من عدم بالرغم من حديث إبراهيم الذي أيضاً ذكر احتمال تبديل المواد مع دول أخرى من دون أن يُحدد أكثر، إذ تقول مصادر عراقية مطلعة على الملف لموقع "الحرة": "هناك الكثير من الغموض في تعامل الدولة اللبنانية مع هذا الموضوع. منذ ما يُقارب الثلاثة أشهر ونحن ننتظر الرد من الجانب اللبناني ولكن لم يأت إلى الآن والاتفاق لم يوقع بعد".  

لماذا لم يُوقع؟ تقول المصادر: "حين ذهب وزير الطاقة اللبناني مع مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم إلى العراق، وأُعلن الاتفاق، كان من المفترض أن يكون مع وزير الطاقة المدير المختص في الوزارة الذي هو مخوّل بالتوقيع على هكذا اتفاقيات، وهذا ما لم يحصل، بالتالي قال الوفد اللبناني إنه سيعود إلى لبنان ليمضي الاتفاق ويُرسله إلى العراق ولكن إلى اليوم لم يحصل هذا الأمر وهذا ما يُثير الريبة".  

أكثر من ذلك، يقول المصدر: "أرسلت الحكومة العراقية موفداً ليحصل على العقد موقعاً، بعد تأخر إرساله من الجانب اللبناني، ولكن الموفد استقر في بيروت فترة ينتظر رد الحكومة اللبنانية الذي لم يأت، فعاد خالي الوفاض"، ويضيف: "لدينا الكثير من الأسئلة حول ما يحصل وحول هذا التأخر المريب في المضي بالاتفاق علماً أننا نرى حاجة لبنان للنفط هذه الأيام".  

وفق المعلومات فإن هناك طرفاً ثالثاً في الاتفاق، كما قالت هايتيان، هذا الطرف هو الذي سيأخذ النفط العراقي ويعطي لبنان بالمقابل حاجته، أو هذا المفترض. وهنا يقول المصدر العراقي: "هناك غموض كبير حول الشركة التي ستكرر هذا النفط ولكن العقد للدولة اللبنانية أو للشركة وكم ستحصل المصفاة من النفط (النسبة) وماذا ستُقدم بالمقابل".  

أما بخصوص التبادل الطبي، فيقول المصدر: "طبعاً نحن كنا ننتظر ولا زلنا أن نحصل على خدمات استشفائية مقابل النفط، ولكن لدينا الكثير من التحفظات فيما خص الفاتورة الاستشفائية المرتفعة التي تُقدمها لنا الدولة اللبنانية. كُل شيء مضروب 5 أضعاف وأحياناً 10 أضعاف من قيمته الفعلية".

العراق وسوريا

لا تزال العلاقة الرسمية بين العراق وسوريا موضع حذر منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي. ويبدو الملف السوري محاطا بالإرباك، خصوصا على الجانب العراقي، ويدل على هذا الإرباك التعاطي الإعلامي مع أي تواصل رسمي بين البلدين، وكأن الطرفين في علاقة "محرّمة"، يحاول الإعلام الرسمي العراقي دائما مداراتها وإخفائها عن العيون ووسائل الإعلام.

حدث ذلك حينما زار حميد الشطري، رئيس جهاز الاستخبارات العراقية، سوريا في نهاية العام الماضي والتقى الشرع، ولم يُعلن عن الخبر في وسائل الإعلام العراقية الرسمية، ولم يكشف عن اللقاء إلا بعد ان تناولته وسائل الإعلام السورية. 

ومثل هذا الأمر حدث قبل أيام في لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني برعاية قطرية في الدوحة، واُخفي الخبر عن الإعلام ليومين قبل ان تظهر صور الرجلين في حضور أمير قطر.

ردّة الفعل في الشارع العراقي على اللقاء تفسّر إخفاء الخبر قبل الإفصاح عنه. فقد انقسم العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي حول المسألة، وهاجم كثيرون السوداني على قبوله الجلوس مع من يعتبرونه "متورطاً في الدم العراقي"، و"مطلوبا للقضاء العراقي".

الباحث القانوني العراقي علي التميمي يشرح الإطار القانوني الدولي المتعلق برؤساء الجمهوريات، في حال صحّت الأخبار عن أحكام قضائية ضد الشرع في العراق.

ويرى التميمي أن رؤساء الدول يتمتعون بـ"حصانة مطلقة تجاه القوانين الجنائية للدول الأخرى". ويشرح لموقع "الحرة" أن هذه الحصانة "ليست شخصية للرؤساء، بل هي امتياز للدول التي يمثلونها"، وهي تمنع إلقاء القبض عليهم عند دخولهم أراضي الدول الأخرى". 

ويشير التميمي إلى أن هناك استثناء واحداً لهذه القواعد، يكون في حال "كان الرئيس مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية وكانت الدولة المضيفة موقعة على اتفاقية روما ١٩٩٨ الخاصة بهذه المحكمة"، هنا، يتابع التميمي، تكون الدولة "ملزمة بتسليم هذا الرئيس الى المحكمة وفقاً لنظام روما الأساسي".

لكن هل حقا أحمد الشرع مطلوب للقضاء العراقي؟

ويشير الباحث العراقي عقيل عباس إلى "عدم وجود أي ملف قضائي ضد الشرع في المحاكم العراقية". 

ويستغرب كيف أن العراق الرسمي "لم يصدر بعد أي بيان رسمي يشرح ملابسات قضية الشرع وما يحكى عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، والجهات الرسمية لديها السجلات والحقائق، لكنها تركت الأمر للفصائل المسلحة وجمهورها وللتهويل والتجييش وصناعة بعبع (وحش مخيف) طائفي جديد، وكأن العراق لم يعان ما عاناه من الطائفية والتحريض الطائفي".

وكانت انتشرت وثيقة على وسائل التواصل الاجتماعي، تداولها عراقيون، عبارة عن مذكرة قبض بحق أحمد الشرع. وقد سارع مجلس القضاء الأعلى في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية في 26 من فبراير الماضي، إلى نفي صحة الوثيقة ووصفها بأنها "مزورة وغير صحيحة".

عباس مقتنع أن الغضب الشعبي من لقاء السوداني والشرع "وراءه أسباب سياسية مبرمجة، وليس تلقائياً، وجرى تحشيد الجمهور الشيعي لأسباب كثيرة، تصب كلها في مصالح إيران، غير السعيدة بسقوط بشار الأسد وحلول الشرع مكانه".

وبحسب عباس، منذ سقوط الأسد، "بدأت حملة في العراق لصناعة "بعبع" من الجولاني (أحمد الشرع)". يشرح: "يريد هؤلاء أن يقولوا ان تنظيم القاعدة يحكم سوريا، وهذا غير صحيح".

ويقول عباس لموقع "الحرة"، إن لدى الناس اسباباً موضوعية كثيرة للقلق من الشرع، خصوصاً خلفيته الجهادية المتطرفة ووضعه على لوائح الإرهاب، والشرع يقول إنه تجاوز هذا الأمر، "لكننا نحتاج ان ننتظر ونرى"، بحسب تعبيره.

ما قام به السوداني "خطوة ذكية وحكيمة سياسياً وتشير إلى اختلاف جدي بينه وبين بقية الفرقاء الشيعة في الإطار التنسيقي"، يقول عباس.

ويضيف: "هناك اعتبارات براغماتية واقعية تحكم سلوك السوداني، فهو كرئيس وزراء عليه أن يتعاطى مع سوريا كجار لا يجب استعداءه".

ويضيء الباحث القانوني علي التميمي على صلاحيات رئيس الحكومة في الدستور العراقي، فهو "ممثل الشعب داخلياً وخارجياً في السياسة العامة وإدارة شؤون البلاد بالطول والعرض"، وفق تعبيره، ورئيس الوزراء في العراق هو "بمثابة رئيس الجمهورية في الدول التي تأخذ بالنظام الرئاسي".

أما من الجانب السياسي، فإن السوداني، برأي عباس، "يخشى -وعن حق- ان تختطف حكومته المقبلة أو رئاسته للوزراء باسم حرب وهمية تديرها إيران والفصائل المسلحة وتشنّ في داخل سوريا تحت عنوان التحرير الذي نادى به المرشد الإيراني علي خامنئي قائلا إن شباب سوريا سيحررون بلدهم". وهذا يعني، بحسب عباس، ابتعاد السوداني عن التأثير الإيراني، و"أنا أتصور أن إيران غير سعيدة بهذا"، كما يقول.