Egypt's Deputy Foreign Minister Hamdi Sanad Loza (background) meets with his Turkish counterpart Sedat Onal (Foreground) in the…
أرسلت تركيا وفدا لإجراء محادثات في القاهرة في مايو الماضي.

في وقت تسير فيه كل من مصر وقطر بخطى ثابتة نحو تحسين العلاقات بينهما، وصلت حد الدعوات المتبادلة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيح تميم بن حمد لزيارة دولهما، يبدو أن خطوات المصالحة بين القاهرة وأنقرة تتعرقل.

فقد ذكرت تقارير صحفية أن اللقاءات التي كانت مقررة بين الجانبين تأجلت، وذلك بعد أيام من حديث تلفزيوني لوزير الخارجية المصري سامح شكري قال فيه إن القاهرة تقيم السياسات التركية بناء على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والاحترام المتبادل.

لكن مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، انتقد قرار قضائي مصري، صدر الاثنين الماضي، لتأييد أحكام إعدام 12 من الأعضاء البارزين بالإخوان المسلمين، متسائلا: "مشاهد الإعدام الجماعية إلى أين ستقود مصر؟"

إلا أن رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات، سمير غطاس، أرجع تأجيل الاجتماعات بين الدولتين إلى مجموعة من الأسباب، على رأسها الزيارة المفاجئة إلى طرابلس التي قام بها كل من وزراء الدفاع والداخلية والخارجية التركيين بالإضافة رئيس جهاز المخابرات ومدير الاتصالات الرئاسية "دون إعلام الجانب الليبي".

كما تحدث عن عدم رحيل القوات التركية والمرتزقة الأجانب والميليشيا الأجنبية التي تعمل على الأراضي الليبية لصالح أنقرة.

وقال لموقع "الحرة": "هذا يؤشر إلى توتر أكبر في العلاقة بين القاهرة وأنقرة بسبب ليبيا التي أصبحت تقريبا تحت الوصاية التركية بمباركة دولية".

ويعتقد غطاس أن هذه التطورات ستؤثر على الوضع في ليبيا، قائلا: "مصر تعتقد أن هذا المناخ سيؤثر بشدة على الانتخابات الليبية المزمع إجراؤها في 24 ديسمبر المقبل، وقد تؤول السلطة إلى أطراف حليفة لتركيا مما يؤثر على العلاقات بين القاهرة وطرابلس".

وفي المقابل استبعد الخبير الاستراتيجي التركي جواد غوك أن تكون الزيارة المفاجئة الأخيرة لوزراء تركيا سببا في تأجيل اللقاءات بين الطرفين.

وبعد حوالي أسبوع من الزيارة التركية الوزارية المفاجئة إلى ليبيا، قام رئيس المخابرات المصرية عباس كامل بزيارة طرابلس، وانتشرت صور رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة الذي يقود حكومة وحدة وطنية جديدة، ووزير داخليته وهما يتجولان برفقة كامل في ميدان الشهداء بالعاصمة.

ويلاحظ غطاس عودة مصر إلى الحديث عن علاقاتها القوية برجل شرق ليبيا القوي المشير خليفة حفتر، الذي زاره كامل، حاملا معه رسالة من السيسي تشيد بـ"جهود" القوات الموالية لحفتر والمعروفة باسم "الجيش الوطني الليبي". 

وهذا يعني، في نظر غطاس، "أنه لا يمكن إهمال دور مصر في ليبيا أو تهميشه من قبل تركيا".

ويرى غطاس أن "الوضع الليبي قضية مهمة جدا للسياسة المصرية، ولا يمكن التهاون فيها خاصة وأن القاهرة كانت تعتقد أن تفاهماتها التي جرت مؤخرا مع تركيا ستنعكس على الوضع (في ليبيا) لكنها تكتشف الآن أن تركيا تتعامل مع ليبيا باعتبارها ضمن الولايات العثمانية الجديدة"، مشيرا إلى دعوة إردوغان لأذربيجان للاستثمار في النفط في ليبيا. 

وكانت وسائل إعلام تركية وليبية نقلت أن إردوغان عرض على إلهام علييف رئيس أذربيجان التنقيب عن النفط في ليبيا بالتعاون مع تركيا.

وتوترت علاقات تركيا بمصر بسبب قضايا عدة، من مواقف متعارضة تجاه الإسلام السياسي والصراع الليبي وشرق البحر المتوسط.

لكنها سعت جاهدة، في الشهور القليلة الماضية، إلى إصلاح العلاقات مع القاهرة التي أرسلت إليها وفدا لإجراء محادثات، وأجرى وزير خارجيتها جاويش داود أوغلو مكالمة هاتفية مع نظيره المصري.

وفي وقت سابق من يونيو الجاري، قال إردوغان لقناة (تي.آر.تي) الإخبارية: "لدينا إمكانات كبيرة للتعاون مع مصر في نطاق واسع من المجالات من شرق البحر المتوسط إلى ليبيا". 

وأضاف أنه "يحب" الشعب المصري "وبالتالي فإننا مصممون على استئناف هذه العملية".

وفي إطار هذه المساعي، عقد وفد تركي محادثات مع مسؤولين مصريين في القاهرة، أواخر مايو الماضي، في أول اتصال مباشر بين القوتين الإقليميتين المتنافستين منذ سنوات، بعد خلاف نجم عن إطاحة الجيش المصري عام 2013 الرئيس محمد مرسي المنتخب ديمقراطيا والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي كان مقربا من إردوغان. 

ويشير غطاس إلى خلافات شائكة أخرى لا تزال عالقة بين الطرفين وهي "العلاقة مع الإخوان، وترسيم الحدود البحرية".

وعن السبب الذي يجعل أنقرة تتراجع عن مساعيها بإتمام المصالحة مع مصر، قال غطاس: "تركيا تمتلك مشروعا توسعيا إمبراطوريا جديدا، يشمل المنطقة كلها، هي فشلت في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي فاستدارت إلى العالم العربي، ومصر كانت العقبة الأساسية (...) هي تريد أن تتمدد عربيا".

ووصف غطاس المساعي التركية الأخيرة لإصلاح العلاقات مع قوى إقليمية بـ"علاقات تكتيكية"، نتيجة أزمات تركيا المالية ومع القوميات والعلاقة مع الولايات المتحدة، "فاضطرت لاتخاذ انحناءة تكتيكية حتى تمر هذه الظروف، وتعود لوضعها السابق"، على حد قوله. 

ولا تزال العملة التركية، وهي الأسوأ أداء في الأسواق الناشئة هذا العام، منخفضة 11 في المئة منذ بداية 2021. 

وتراجعت الليرة 16 في المئة منذ منتصف مارس، بعدما أقال إردوغان رئيس البنك المركزي بشكل مفاجئ وعين مكانه آخر اشتهر في السابق بانتقاده لرفع أسعار الفائدة في الآونة الأخيرة.

وقد هوت احتياطيات تركيا من النقد الأجنبي 75 في المئة العام الماضي، مثيرة بواعث قلق من أزمة في ميزان المدفوعات.

وفي هذا السياق، يقول غوك لموقع "الحرة" إن سبب تأجيل الاجتماعات بين القاهرة وأنقرة هو انشغال الحكومة التركية بالفساد المالي والإداري الداخلي، وقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وزيارة أذربيجان". 

وأضاف غوك "الحكومة التركية تدرس مطالب مصر، وتحاول أن تفسح مجالا وتكسب وقتا لمفاوضات تكون لها اليد العليا فيها". 

ويعتقد غوك أن الحكومة التركية سوف تخطو خطوات عملية من أجل إتمام المصالحة "وتدرس خسائرها وفوائدها"، قائلا: "قضية ليبيا سهلة مقارنة بالخلافات المباشرة بين البلدين".

وتحدث غوك عن اتفاق بين الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره إردوغان، خلال اجتماعهما في وقت سابق من هذا الأسبوع، على أن تقوم تركيا بدور رئيسي في تأمين مطار كابل مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، "وتنقل بموجبها المرتزقة السوريين من ليبيا إلى أفغانستان".

وأشار إلى أنه من المحتمل أن تنتقل القوات التركية أيضا من ليبيا إلى أفغانستان.

ويشير الخبير التركي إلى أن المطالب الصعبة تتمثل في تسليم تركيا لعناصر إخوانية مطلوبين للعدالة في مصر، ووقف وسائل الإعلام المعارضة.

الملابس الصينية السريعة

توفر شركات الموضة الصينية منتجات شبيهة بأحدث منتجات دور الأزياء العالمية، بأسعار زهيدة مغرية. لكن السؤال: هل يمكن تحمل تكاليفها؟

يقول إينار تنجين، الخبير في الشأن الصيني، إن شركات الأزياء الصينية تلاحق آخر صيحات الموضة، وتقدم منتجا يشبه ما يراه الناس في عروض الأزياء في نيويورك أو ميلان، على سبيل المثال، وبسعر متاح على نطاق واسع، رغم أن المنتج ليس بنفس الجودة.

لكن الجودة، هنا، لا تتعلق بمتانة المنتج أو تميزه حِرفيا، فحسب.

جويل الحج موسى أعدت تحقيقا لبرنامج "الحرة تتحرى" فتح ملف الأزياء الصينية ووجد حقائق صادمة.   

السموم

تعتمد كبريات علامات الأزياء الصينية، بشكل كبير، على الألياف الصناعية ـ البوليستر والنايلون والاكليريك ـ وموادة مستخلصة من البتروكيمياويات.

تشكل المواد الداخلة في صناعة تلك الأقمشة ـ وفق دراسة لمؤسسة "Plastic Soup" ـ خطرا كبيرة على صحة المستهلك.

ما يقرب من 70 في المئة من ملابس علامات الأزياء التجارية الصينية، ومعظم المفروشات والستائر والسجاد مصنوعة البوليستر والنايلون والأكريليك، وبمجرد استنشاقها، وفق الدراسة، يمكن للألياف الاصطناعية أن تخترق أنسجة الرئة وتسبب التهابا مزمنا. 

وتربط تقارير علمية بين المواد الصناعية المستخدمة في صنع الأقمشة بأمراض مثل السرطان وأمراض القلب والربو والسكري. 

ويمكن لجزيئات تلك المواد أن تصل، إذ نستنشقها، إلى الكبد والقلب والكلى والمخ، وحتى إلى الأجنة في الأرحام.

في خريف 2021، كشفت تحقيقات صحفية، في كندا، وجود مواد ضارة في الملابس التي يقتنيها الكنديون عبر مواقع التسوق الصينية. 

في سترة أطفال تم شراؤها من موقع Shein الصيني، اثبتت الاختبارات وجود ما يقارب 20 ضعفا من كمية الرصاص المسموح بها قانونية لأسباب صحية. 

وبحسب موقع وزارة الصحة الكندية، يتسبب الرصاص بأضرار في الدماغ والقلب والكلى والجهاز التناسلي. 

الرضّع والأطفال والحوامل هم الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر. 

رغم أن الرصاص عنصر طبيعي يمكن  العثور عليه في البيئة المحيطة، تتجاوز نسبته في الملابس الصينية، وفق نتائج الدراسة، مستويات التلوث البيئي، أو الكميات الصغيرة التي تتعرض لها الملابس عن غير قصد أثناء عمليات التصنيع. 

إثر التحقيقات الكندية، أعلنت شركة Shein سحب قطع ملابس، وأكد المتحدث باسم الشركة "الامتثال لمعايير السلامة"، الا أن الاتهامات تصاعدت لتطال كبريات منصات التسوق الصينية، مثل TEMU وAli Express. 

وأكدت نتائج فحوص مختبرية، أجريت في كوريا الجنوبية وفرنسا، ارتفاع نسب المواد السامة في منتجات الموضة السريعة الصينية. 

يقول نيكولاس لوريس، الخبير في شؤون الطاقة والسياسات البيئية إن مواد سامة تُستخدم في جميع أنواع الصناعات تقريبا، لكن ضمن معايير محددة تحمي العمال والمستهلكين، وتحافظ على البيئة. 

"مشكلة النموذج الصيني هي أنهم يتجاهلون كل هذه المعايير، وهنا يكمن الخطر الحقيقي". 

إغراء الأسعار

التقارير عهن سموم المواد البيتروكيمياوية لم تحُل دون تهافت الزبائن ـ حول العالم ـ على الصناعات الصينية. 

الأسعار مغرية.

لهذا، تسبق الصين دول العالم في إنتاج الأنسجة وتصديرها.

في عام 2022، شكلت صادرات الصين من المنسوجات 43 في المئة من الصادرات العالمية. وفي عام 2023، أنتجت الصين 19.36 مليار قطعة ملابس. وبلغ حجم صادرات الصين عام 2024 أكثر من 301 مليار دولار.

وساهمت شركات الموضة السريعة الصينية على نحو كبير في تحقيق هذا التفوق. وبحسب أرقام منظمة التجارة العالمية، تشحن شركتا TEMU وShein مجتمعتين، حوالي 9000 طن من البضائع إلى دول حول العالم يوميا، أي ما يساوي حمولة 88 طائرة بوينغ عملاقة. 

تقول هدى حلبي، وهي حرفية متخصصة في الخياطة، إن البضاعة الصينية اليوم تغزو العالم، لكن غالبيتها غير صالحة للخياطة. "لا تملك الناس المال لشراء النوعية الجيدة للأقمشة ولذلك تشتري الأرخص وسرعان ما يقومون برميه".

وفرة نفايات

ما يظنه المستهلك توفيرا، يدفعه أضعافا، تقول حلبي، في سباق محموم للحاق بصيحات الموضة السريعة. وتضيف دارين شاهين، إعلامية، خبيرة موضة لبنانية، أن الدخول في لعبة الترند والموضة يجعلنا ندفع بضع دولارات على بعض الألبسة لنقوم بالنهاية برميها إلى النفايات. 

وتتابع حلبي أن "الأزياء التي تعتمد على الكلاسيكية، الأزياء البطيئة، هي قطع ممكن شراؤها من ماركات عالمية، وهي غالبا تكون أسعارها مكلفة أكثر، ولكن بطبيعة الحال تكون أنواع القماش من مواد صديقة للبيئة، مثل القطن العضوي، ويكون عمر هذه القطعة أطول، ويمكن أن نرتديها أكثر من ثلاثين مرة من دون رميها".

"إنتاج ضخم + ملابس قصيرة العمر = ملايين الأطنان من نفايات الملابس سنويا على مستوى العالم؛" معادلة بسيطة، وفق ما يؤكده لـ"الحرة" سامي ديماسي، مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا.

 يتم التخلص من 92 مليون طن من نفايات المنسوجات سنويا، يقول ديماسي، "أي ما يعادل شاحنة قمامة مليئة بالملابس كل ثانية".

ويشير تقرير لموقع Firstpost الإخباري أن الصين هي المصنِّع والمستهلك الأكبر للملابس في العالم، وهي أيضا المساهم الأعلى في نفايات المنسوجات. ينتهي المطاف سنويا بحوالي 26 مليون طن من الملابس في مكبات النفايات ـ معظمها منسوج من مواد صناعية غير قابلة لإعادة التدوير.

عدم قابلية الألياف الصناعية على التحلل عضويا، وصعوبة إعادة تدويرها، جعلا من المكبات والمحارق، المستقر النهائي لنفايات الملابس.

تؤكد تقارير دولية أن كميات قليلة من هذه النفايات تم التخلص منها بطرق آمنة. ويقول ديماسي لـ"الحرة" إن 8 في المئة فقط من ألياف المنسوجات في عام 2023 صُنعت من مواد أعيد تدويرها، وأقل من واحد بالمئة من إجمالي سوق الألياف مصدره منسوجات أعيد تدويرها، "وهذا يبيّن أن هناك كثيرا من المنسوجات التي لا يعاد تدويرها، ترمى في النفايات، أو تحرق أو ترمى في المياه".

ألوان الأنهار

إلقاء نفايات الملابس في المسطحات المائية ليس سوى مصدر من مصادر  التلوث في الصين. فمصانع الأزياء تتخلص من ملايين الأطنان من المياه الملوثة في المجاري المائية. 

ومن المفارقات الشائعة ـ المقلقة ـ في الصين، أنه يمكن التنبؤ بألوان موضة الموسم من خلال متابعة مياه الأنهار. ويؤكد تقرير لمجلة "فوردهام" للقانون الدولي أن (70%) من البحيرات والأنهار (و90%) من المياه الجوفية في الصين ملوثة، ما يهدد الحياة البرية وإمكانية وصول المواطنين إلى مياه نظيفة. 

وتقدّر مجموعة البنك الدولي أن ما بين (17% و 20%) من التلوث الصناعي للمياه في الصين ناتج عن عمليات صباغة ومعالجة المنسوجات. 

علاوة على ذلك، تحتوي المياه في الصين على 72 مادة كيميائية سامة مصدرها صباغة المنسوجات؛ 30 مادة منها لا يمكن إزالتها من المياه.

ألوان الهواء

يقول مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا، سامي ديماسي، لـ"الحرة" إن سلسلة قيمة المنسوجات، كل عام، تشير إلى أنها مسؤولة عن نحو 8 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري. 

لا تقتصر المسألة على الأضرار البيئة اليوم، يقول ديماسي؛ الأضرار ستمتد لعقود قادمة. "والأجيال الشابة التي ترى في الموضة السريعة فرصة لشراء منتجات رخيصة جدا، يفرحون بها أمام أصدقائهم، لا يدركون التكلفة الاقتصادية والبيئية لتلك الصناعة". 

رغم كل هذه الآثار البيئية، تبقى العروض المغرية والأسعار التي تصعب مقاومتها، أحد الأسباب وراء لجوء المستهلكين إلى مواقع التسوق الصينية.

فهم يستطيعون تحمل تكاليفها، لكن ـ مرة أخرى ـ يبقى السؤال قائما: هل يستطيعون بالفعل؟