سوريا- حمص- الأسد
سوريا تعاني من أزمة اقتصادية غير مسبوقة

قبل شهرين داهمت دورية أمنية مكتب التاجر السوري (م.أ) في مدينة حمص السورية بشكل مفاجئ ودون أي سابق إنذار، وذلك في أثناء الحملات التي شهدتها عدة محافظات سورية، واستهدفت حينها مكاتب تصريف العملة، وأخرى تختص بالحوالات الداخلية والخارجية ومحال بيع الذهب والأحجار الثمينة.

وللوهلة الأولى أعتقد التاجر أن الدورية لا تختلف عن غيرها من الدوريات الأمنية التي تصول وتجول في  المحافظات وأحيائها بين بين حين وآخر، ليتفاجأ بأنها تتبع لما يسمى "المكتب السري"، وهو الأمر الذي أخبره به أحد العناصر من فرع "أمن الدولة"، الذين كانوا ضمن القوات المرافقة.

"اتهمت بتصريف القطع الأجنبي بطريقة غير مشروعة، والمحصلة أنني أجبرت على دفع مبالغ مالية بالدولار والليرة السورية. 25 ألف دولار ومليونا ليرة سورية". يقول التاجر الذي طلب عدم ذكر اسمه لضرورات أمنية في تصريحات لموقع "الحرة".

ويضيف: "بعد وصول الدورية وفرض طوق أمني في محيط محلي التجاري دخل إلي أحد العناصر وعرّف نفسه بأنه يتبع لفرع أمن الدولة الأمني، وقال لي بالحرف: عطي للشباب المصاري وفرطها بأرضها".

وتابع العنصر الأمني، بحسب حديث التاجر: "الدورية قادمة من العاصمة دمشق، وتتبع للمكتب السري. غير ربك ما بحلّها بطريقة أخرى".

ويشير التاجر إلى أن الحادثة التي تعرض لها في مدينة حمص وسط البلاد تعتبر واحدة من مئات الحوادث التي يتعرض لها التجار. ليس في الوقت الحالي فحسب، بل تمتد إلى السنوات العشر الماضية، وقبلها أيضا بسنوات لكنها كانت بوتيرة أقل.

وباتت المداهمات المذكورة التي تعرف بـ"مداهمات المكتب السري" هاجسا كبيرا يخشاه جميع التجار، الكبار منهم والصغار، في مختلف المحافظات السورية، وبالأخص العاصمة دمشق وحلب التي تعرف بـ"العاصمة الاقتصادية لسوريا".

وتتضارب الجهة الرئيسية التي يتبع لها "المكتب السري"، والذي سبق وأن أعلنت حكومة نظام الأسد إلغاءه في عام 2009 بعد تبعيته آنذاك لـ"إدارة الجمارك العامة"، "لكن بشكل صوري وعلى الإعلام فقط"، بحسب ما تقول مصادر مطلعة من العاصمة دمشق في تصريحات لموقع "الحرة".

"إغلاق وعزوف عن التجارة"

وتعاني سوريا من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ألقت بظلالها مؤخرا على سعر صرف الليرة السورية في سوق العملات الأجنبية، فضلا عن ارتفاع معدلات التضخم بأشواط كبيرة، وهو الأمر الذي انعكس على طبيعة الحياة اليومية للمواطنين وعلى التجار أيضا، الذين فضلوا الاستمرار بتجارتهم داخل المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ويقول اقتصاديون وخبراء إن حكومة النظام اتجهت، قبل سنوات، للبحث عن موارد لرفد خزينتها المتهالكة، سواء من جيوب التجار في المحافظات السورية أو من خلال اتباع طرق التفافية على العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليها.

وبوتيرة متكررة تعلن حكومة نظام الأسد عن مداهمات أمنية في دمشق وباقي المناطق السورية، وتقول إنها تستهدف تجار السوق السوداء والمضاربين على العملة السورية. لكن ذلك يأخذ أبعادا "خفية" تصب في غايات أخرى، بحسب خبراء اقتصاد سوريين.

وقبل أيام، وبشكل مفاجئ، عبر موقع التواصل "فيسبوك" أعلن واحد من أشهر محال الحلويات في مدينة حلب توقفه عن العمل بالكامل، عازيا الأمر إلى مطالبته بـ"الإتاوة" من جهة لم يحددها.

وقال: "زبائننا الكرام: أعلن إغلاق المنشأة الحضارية محل لاغراند حتى إشعار آخر وذلك بسبب مطالبتي بإتاوة ومبلغ مالي كبير جدا مقابل عدم تشميع وإغلاق المنشأة من قبل التموين والصحية ظلما وعدوانا".

ونشر المحل التجاري صورة لموظفيه بعد الإغلاق، لكنه حذفها بعد 24 واستطرد معلنا عودته للعمل، شاكرا محافظ حلب، حسين دياب لتدخله في الأمر.

وتوضح مصادر إعلامية من مدينة حلب أن دوريات من "المكتب السري" كانت قد داهمت محل الحلويات قبل يوم من إعلانه الإغلاق، وفرضت عليه دفع مبالغ مالية بذريعة ارتكاب مخالفات والتأخر عن دفع الضرائب الرسمية.

وتشير المصادر التي فضلت عدم ذكر اسمها إلى أن دوريات المكتب المذكور يعاني منها غالبية التجار في مدينة حلب، وخاصة أصحاب المحال التجارية الكبيرة والورشات الصناعية، وهو ما أدى مؤخرا إلى توتر، إثر حملات استهدفت بحسب ما ذكرت وسائل الإعلام الرسمية "البضائع المهربة من تركيا".

وبحسب المصادر اضطر بعض التجار في مدينة حلب لإجراء عمليات تصفية كاملة لتجاراتهم، بينهم التاجر جوزيف فنون، الذي تعرضت مصالحه التجارية في حي العزيزية، مطلع العام الحالي، لمداهمات من قبل دوريات "المكتب السري"، بعد رفضه تقديم "إتاوات مالية".

وتحدثت المصادر ذاتها عن وقوع حوادث مماثلة بعدة محال تجارية في بعض أحياء المدينة. وكانت الغايات بمجملها تحصيل مبالغ مالية كبيرة، دون أي تهم واضحة أو حتى مبررات قانونية.

ما هو "المكتب السري"؟

المداهمات التي ينفذها عناصر المكتب المذكور تعود إلى مطلع عام 2011 وقبل ذلك بسنوات أيضا، وحينها تحدثت مصادر إعلامية أنها طالت عشرات التجار في مدينة دمشق وآخرين في حلب وحمص.

ولا تقتصر تلك الممارسات على مجال تجاري دون غيره في سوريا، بل تشمل جميع المصالح، من تجار كبار أو حتى أصحاب المصانع والأشخاص النافذين اقتصاديا في البلاد، وأصحاب المستودعات الكبيرة.

وبحسب ما تحدث موقع "الحرة" مع تجار في مدينتي حمص ودمشق فإن عناصر دوريات "المكتب السري" يتمتعون بنفوذ كبير، وهو ما يجعل من الصعب التفاوض معهم في أثناء استهدافهم لأي تاجر أو منشأة.

وهناك روايتان بشأن تبعية "المكتب السري" الأولى هي ارتباطه بـ"الإدارة العامة للجمارك السورية"، في حين تذهب الرواية الثانية إلى ما هو أبعد من ذلك، بأنه يرتبط مباشرة بـ"القصر الجمهوري".

ويقول تاجر أجهزة إلكترونية في العاصمة دمشق في تصريحات لموقع "الحرة": "أقل التهم الجمركية التي يوجهها يفرضها عناصر المكتب السري يعني دفع ملايين الليرات السورية وعشرات آلاف الدولارات".

ويشير التاجر، طالبا عدم ذكر اسمه لضرورات أمنية، إلى أن أحد التجار في دمشق كان قد اضطر في الأسابيع الماضية إلى إغلاق صالاته ومستودعاته وسط العاصمة، بعد سلسلة مداهمات ومحاولات ابتزاز تعرض لها من "المكتب السري" بغرض حصولهم على "إتاوات غير مشروعة".

وحصل موقع "الحرة" على اسم التاجر الكبير، لكنها تتحفظ عن ذكر اسمه.

ويتابع التاجر: "المداهمات نتعرض لها منذ سنوات، لكن وتيرتها ازدادت في العامين الماضيين، بالتزامن مع تدهور قيمة الليرة السورية، وما رافق ذلك من أزمات اقتصادية متتالية شهدتها المحافظات السورية".

"تحت غطاء أمن الدولة"

الاستشاري الاقتصادي السوري، يونس الكريم يقول إن "المكتب السري" يتبع مباشرة إلى "القصر الجمهوري" بالصورة العمومية، لكن مهامه ومداهماته يتم تنفيذها "تحت غطاء فرع أمن الدولة".

وفي السابق أي قبل أكثر من عشر سنوات كان "المكتب" بيد "الإدارة العامة للجمارك" لكن بشكل صوري. ويضيف الكريم في تصريحات لموقع "الحرة": "قراراته وأعماله كانت تخرج بأوامر من الضابط المسؤول عنه. سابقا كان بيد حسن مخلوف، والذي اتهم فيما بعد بقضايا فساد".

ويوضح الاستشاري الاقتصادي: "المكتب السري مثل أي جهة، فهو عبارة عن أداة من أدوات القصر الجمهوري لإدارة الملف الاقتصادي في البلاد. حاليا يعمل بتنسيق مع رجلي الأعمال السوريين، حسام القاطرجي وخضر طاهر الملقب بأبو علي خضر".

وتردد اسم هذين التاجرين كثيرا في السنوات الماضية كتجار "حروب"، ولم يسبق وأن ورد ذكرهما على الساحة الاقتصادية لسوريا في السنوات التي سبقت أحداث الثورة السورية في عام 2011.

ويتمتع هذان الرجلان أيضا بنفوذ أمني داخل مدينتي حلب والعاصمة دمشق، حتى بات اسمهما يطغى على حساب شريحة واسعة من التجار في المدينتين المذكورتين.

وسبق وأن وجه رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، فارس الشهابي اتهامات متعددة لرجل الأعمال "أبو علي خضر"، بينها أنه يفرض "إتاوات" على المصانع وأصحاب معامل البلاستيك في حلب.

ووصفه خلال لقاء له عبر قناة "الإخبارية السورية"، في فبراير 2019 بأنه "لص ومهرب ومجرم سابق"، معتبرا أن "مثل هؤلاء أصبحت لديهم ميليشيات ولا تقوى الجمارك على مواجهتهم".

"نهب الأموال فقط"

في سياق ما سبق، يقول فادي الرباط، عضو فريق "صوت العاصمة" وهي شبكة محلية تغطي أخبار دمشق إن "المكتب السري" يتبع لجهة استخباراتية في سوريا لا تعرف هويتها بالتفصيل.

ويضيف في تصريحات لموقع "الحرة": "عمله الأساسي نهب الأموال بطريقة مباشرة وسهلة من التجار وأصحاب المستودعات وغيرهم ممن يتصدرون ويعملون في الساحة الاقتصادية".

وعمل المكتب المذكور يعود إلى سنوات طويلة في البلاد، وبحسب الصحفي السوري: "تشمل أعماله جميع المناطق وليس كما هو شائعا أنه يتركز في العاصمة دمشق وأسواق الحريقة والصالحية والحمرا وغيرها".

ويوضح الرباط: "مداهمات المكتب تكون مبنية على معرفتهم بشكل مسبق بالتاجر المستهدف وكميات البضائع وتفاصيل أعماله التجارية ومخرجات أمواله. بعد ذلك يهددونه بالذهاب إلى المحاكم الاقتصادية أو الدفع المباشر دون أي مساءلة قانونية".

ويتابع الصحفي السوري: "هناك بعض التجار باتوا يصرفون رواتب شهرية لهذا المكتب وعناصره، كإتاوة مالية لعدم التعرض لهم بالمطلق".

من جانبه تحدث الاستشاري الاقتصادي، يونس الكريم بناء على "معلومات موثوقة" بحسب قوله، عن ارتباط ما بين "المكتب السري" وما يسمى "تيار أسماء الأسد".

ويقول: "عمله ليس الإتاوات فقط إنما الهدف هو إجبار التجار على أن يكونوا ويأتمروا بأمر أسماء الأسد، أي يتبعون لها بالعلاقات والولاء ويدعموا خططها الاقتصادية".

ومن مهامه أيضا، بحسب الكريم: "ترتيب البيئة الاقتصادية وإعادة خلق اقتصاديين لهم الولاء لتيار أسماء الأسد".

وفي تصريحات سابقة لموقع "الحرة" في ديسمبر 2020 كانت ثلاثة مصادر مطلعة قالت إن "أسماء الأسد وهي زوجة بشار الأسد، شكّلت منذ تلك الفترة لجنة تحمل اسم (استرداد أموال الفاسدين وتجار الأزمة)، ولهذه اللجنة هدف واحد هو تحصيل الأموال التي جمعها عدد من المسؤولين ورجال الأعمال المصنفين على تجار الحرب، وذلك ضمن خريطة مرسومة".

الخريطة المرسومة التي تسير فيها اللجنة والتي شكّلتها أسماء الأسد تندرج ضمن عمليات وصفتها المصادر بـ "التسوية"، والتي طالت عشرات من رجال الأعمال، كان على رأسهم رامي مخلوف، ومؤخرا محافظ ريف دمشق، علاء منير إبراهيم.

وتسير الحملة التي تقودها "لجنة استرداد الأموال" بقيادة أسماء الأسد بشكل تدريجي وعلى فترات زمنية متقاربة، وهو ما أظهرته الأشهر الماضية، من عمليات حجز احتياطي جاءت بشكل تراتبي، وعلى فترات متقاربة.

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

ترامب كشف أنه أرسل رسالة إلى الزعيم الإيراني يقترح فيها التفاوض المباشر (رويترز)
كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.