A view shows the Euphrates River at the Iraqi-Syrian border town of Al-Qaim, Iraq January 18, 2021. Picture taken January 18,…
يهدّد النقص الحاد في المياه في العراق بزيادة المخاوف الأمنية

لطالما تغنى العراقيون ببلاد الرافدين، لكنهم يواجهون الآن شحا مائيا قد يؤدي إلى أن تصبح العراق أرضا بلا أنهار في 2040، وفقا لتوقعات "مؤشر الإجهاد المائي".

وحاليا، يجري وفد عراقي برئاسة وزير الموارد المائية مهدي رشيد الحمداني، زيارة إلى تركيا للتباحث بشأن حصص المياه وتقسيمها بين العراق وتركيا.

وفي مايو الماضي، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن منسوب نهر الفرات، الذي يصنفه القانون الدولي نهرا دوليا يعبر عدة دول، انخفض بمعدل خمسة أمتار لأول مرة في التاريخ بسبب حجب الجانب التركي لمياه النهر.

يقول عبد الرحمن المشهداني أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية إن مجموعة السدود التي أنشأتها تركيا، ومن بينها سد إليسو، أدت إلى حبس المياه عن العراق أو تقليل دخولها إليه نتيجة تحويلها لملء الخزانات.

وفي إطار مشروع جنوب شرق الأناضول أو ما يعرف اختصارا بـ(الغاب) الذي بدأت العمل فيه في سبعينات القرن الماضي، تمتلك تركيا خمسة سدود عملاقة على نهر الفرات، ولا يزال العمل جار على إقامة سدين أخرين.

ومن بين هذه السدود، سد إليسو الذي بلغ كامل طاقته في ديسمبر 2020 وظهرت ملامحه واضحة على نهر دجلة الذي تأثرت إمداداته المائية وعانى جفافا.

ويمثل نهرا الفرات ودجلة شريان الحياة للعراق. وأدت المشاريع التركية إلى تراجع حصة العراق من النهرين.

ويربط المشهداني بين تأثير السدود التركية على حصة العراق بأزمة سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، الأمر الذي قد يقوض الحصة المصرية من مياه النيل، قائلا لموقع "الحرة": "هي نفس المشكلة بالضبط".

وتقدر مصر، التي يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة، حصتها من مياه النيل بـ55 مليار متر مكعب، وفي المقابل يبلغ إجمالي معدل الاستهلاك لكافة الاحتياجات في العراق، التي يسكنها 40 مليون نسمة، نحو 53 مليار متر مكعب سنويا.

ويرجع مشهداني هذا الفارق إلى استخدام العراق "طرق ري متخلفة في كل مناطقه تقريبا، مما يسبب هدرا كبيرا في المياه، فضلا عن عدم الاستفادة من المياه التي تدخل بحر العرب".

وقال: "كان من المفترض أن يقيم العراق مجموعة من الحواجز لحجز المياه وامتلاك مخزون منها، إلى جانب البحيرات والسدود الموجودة أيضا".

وبحسب المشهداني، فإن المياه التي تتجمع سنويا في خزانات السدود لا يستثمرها العراق جيدا، قائلا: "طرق الزراعة الحديثة لم تنتشر بعد بشكل كاف مما يسبب الهدر".

وفي 2018، ذهبت نسبة 80 في المئة من مياه العراق إلى قطاع الزراعة الذي يوفّر فرص عمل لأكثر من ثلث سكان البلاد.

ويهدّد النقص الحاد في المياه في العراق بزيادة المخاوف الأمنية من خلال إفقار المجتمعات الريفية، وزيادة النمو السكاني في الأحياء الفقيرة الحضرية، وتوفير أرضية خصبة للتجنيد في المنظمات المتشددة. 

وربطت دراسة منشورة في المجلة العلمية المتخصصة "أميتسوك" مسألة خسارة الأراضي الزراعية في الشرق الأوسط بشكل عام بالاضطرابات المتزايدة والتجنيد في الجماعات المسلحة المتمردة و/أو الإرهابية مثل تنظيم داعش. 

في المقابل يقول إسماعيل كايا، المحلل السياسي التركي، إن القاعدة التي تنطلق منها أنقرة بهذا الخصوص هو عدم الإضرار بمصالح العراقية المائية، مضيفا لموقع "الحرة": "المشكلة ليست في الحصة التي تنبع من تركيا وإنما إدارة العراق داخليا لملف المياه، وإهدار العراق للمياه، وعدم وجود بنى تحتية جيدة ووسائل ري حديثة".

وأضاف "حصة العراق لا تتأثر بالتدفق المائي من تركيا التي لا يمكن أن تفكر باتخاذ خطوة تضر العراق وتتسبب في غضب شعبي عراقي أو حتى صدام سياسي".

وعن الاتهامات الموجهة لتركيا بخنق نهر الفرات بواسطة سدودها، قال: "تركيا لديها بعض المصالح في مشروع شرق الأناضول فيما يتعلق ببناء السدود وتوليد المياه، وعندما يتعلق الأمر بشكوى من العراق كان دائما هناك مفاوضات ومباحثات".

وقال: "تركيا اقترحت مشاريع الغابات والري وتطوير البنى التحتية وإقامة مركز مشترك لأبحاث المياه لمساعدة العراق في إدارة ملف المياه بشكل أفضل".

وتحدثت وسائل إعلام عراقية عن "اتفاقية جديدة" ستبرم أثناء زيارة الوفد العراقي لتركيا. لكن المشهداني يشكك في قدرة الوفد العراقي على التفاوض.

وقال: "مشكلتنا في الوفود العراقية، التي حتى وإن كانت على أعلى المستويات، لا تمتلك مهارة التفاوض مثلما يمتلكها الآخرون".

ويعتقد المشهداني أن ملف المياه ورقة في يد أنقرة تضغط بها على بغداد، "رغم أن الأتراك يبدون حسن النية دائما لكن المشكلة على أرض الواقع والأفعال لا تدل على حسن النية".

وتابع "الدليل على ذلك أن المياه خاضعة لمسألة شد وجذب، ليس اليوم فقط، بل بعد عام 2003، وهذا يرجع لضعف الدولة العراقية".

أما كايا فيعتقد أن ملف المياه "سيبقى ملف تعاون وليس خلاف بين الدولتين"، قائلا: "ربما يوجد غضب عراقي في بعض الأوقات، وشكاوى من نقص المياه، ولكن في النهاية سيكون هناك اتفاق".

ويرجح المحلل التركي أن يكون "العنوان الرئيس" للاتفاق هو التقاسم العادل للمياه.

ويستنكر كايا ما وصفها بـ"محاولة تحميل تركيا مسؤولية التغيرات المناخية، وما ترتب عليه من شح الأمطار، في العامين الآخرين"، مشيرا إلى أن تركيا عانت أيضا من نقص المياه، الأمر الذي انعكس على مستوى منسوب المياه في نهر الفرات، على حد قوله.

لكنه عاد ليقول: "ربما قلص تخزين مياه نهر دجلة خلف سد إليسو من حصة العراق، لكن الملء جرى بشكل مدروس بما لا يضر بمصالح العراق، وحتى لو كان هناك تأثير فهو جزئي".

الملابس الصينية السريعة

توفر شركات الموضة الصينية منتجات شبيهة بأحدث منتجات دور الأزياء العالمية، بأسعار زهيدة مغرية. لكن السؤال: هل يمكن تحمل تكاليفها؟

يقول إينار تنجين، الخبير في الشأن الصيني، إن شركات الأزياء الصينية تلاحق آخر صيحات الموضة، وتقدم منتجا يشبه ما يراه الناس في عروض الأزياء في نيويورك أو ميلان، على سبيل المثال، وبسعر متاح على نطاق واسع، رغم أن المنتج ليس بنفس الجودة.

لكن الجودة، هنا، لا تتعلق بمتانة المنتج أو تميزه حِرفيا، فحسب.

جويل الحج موسى أعدت تحقيقا لبرنامج "الحرة تتحرى" فتح ملف الأزياء الصينية ووجد حقائق صادمة.   

السموم

تعتمد كبريات علامات الأزياء الصينية، بشكل كبير، على الألياف الصناعية ـ البوليستر والنايلون والاكليريك ـ وموادة مستخلصة من البتروكيمياويات.

تشكل المواد الداخلة في صناعة تلك الأقمشة ـ وفق دراسة لمؤسسة "Plastic Soup" ـ خطرا كبيرة على صحة المستهلك.

ما يقرب من 70 في المئة من ملابس علامات الأزياء التجارية الصينية، ومعظم المفروشات والستائر والسجاد مصنوعة البوليستر والنايلون والأكريليك، وبمجرد استنشاقها، وفق الدراسة، يمكن للألياف الاصطناعية أن تخترق أنسجة الرئة وتسبب التهابا مزمنا. 

وتربط تقارير علمية بين المواد الصناعية المستخدمة في صنع الأقمشة بأمراض مثل السرطان وأمراض القلب والربو والسكري. 

ويمكن لجزيئات تلك المواد أن تصل، إذ نستنشقها، إلى الكبد والقلب والكلى والمخ، وحتى إلى الأجنة في الأرحام.

في خريف 2021، كشفت تحقيقات صحفية، في كندا، وجود مواد ضارة في الملابس التي يقتنيها الكنديون عبر مواقع التسوق الصينية. 

في سترة أطفال تم شراؤها من موقع Shein الصيني، اثبتت الاختبارات وجود ما يقارب 20 ضعفا من كمية الرصاص المسموح بها قانونية لأسباب صحية. 

وبحسب موقع وزارة الصحة الكندية، يتسبب الرصاص بأضرار في الدماغ والقلب والكلى والجهاز التناسلي. 

الرضّع والأطفال والحوامل هم الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر. 

رغم أن الرصاص عنصر طبيعي يمكن  العثور عليه في البيئة المحيطة، تتجاوز نسبته في الملابس الصينية، وفق نتائج الدراسة، مستويات التلوث البيئي، أو الكميات الصغيرة التي تتعرض لها الملابس عن غير قصد أثناء عمليات التصنيع. 

إثر التحقيقات الكندية، أعلنت شركة Shein سحب قطع ملابس، وأكد المتحدث باسم الشركة "الامتثال لمعايير السلامة"، الا أن الاتهامات تصاعدت لتطال كبريات منصات التسوق الصينية، مثل TEMU وAli Express. 

وأكدت نتائج فحوص مختبرية، أجريت في كوريا الجنوبية وفرنسا، ارتفاع نسب المواد السامة في منتجات الموضة السريعة الصينية. 

يقول نيكولاس لوريس، الخبير في شؤون الطاقة والسياسات البيئية إن مواد سامة تُستخدم في جميع أنواع الصناعات تقريبا، لكن ضمن معايير محددة تحمي العمال والمستهلكين، وتحافظ على البيئة. 

"مشكلة النموذج الصيني هي أنهم يتجاهلون كل هذه المعايير، وهنا يكمن الخطر الحقيقي". 

إغراء الأسعار

التقارير عهن سموم المواد البيتروكيمياوية لم تحُل دون تهافت الزبائن ـ حول العالم ـ على الصناعات الصينية. 

الأسعار مغرية.

لهذا، تسبق الصين دول العالم في إنتاج الأنسجة وتصديرها.

في عام 2022، شكلت صادرات الصين من المنسوجات 43 في المئة من الصادرات العالمية. وفي عام 2023، أنتجت الصين 19.36 مليار قطعة ملابس. وبلغ حجم صادرات الصين عام 2024 أكثر من 301 مليار دولار.

وساهمت شركات الموضة السريعة الصينية على نحو كبير في تحقيق هذا التفوق. وبحسب أرقام منظمة التجارة العالمية، تشحن شركتا TEMU وShein مجتمعتين، حوالي 9000 طن من البضائع إلى دول حول العالم يوميا، أي ما يساوي حمولة 88 طائرة بوينغ عملاقة. 

تقول هدى حلبي، وهي حرفية متخصصة في الخياطة، إن البضاعة الصينية اليوم تغزو العالم، لكن غالبيتها غير صالحة للخياطة. "لا تملك الناس المال لشراء النوعية الجيدة للأقمشة ولذلك تشتري الأرخص وسرعان ما يقومون برميه".

وفرة نفايات

ما يظنه المستهلك توفيرا، يدفعه أضعافا، تقول حلبي، في سباق محموم للحاق بصيحات الموضة السريعة. وتضيف دارين شاهين، إعلامية، خبيرة موضة لبنانية، أن الدخول في لعبة الترند والموضة يجعلنا ندفع بضع دولارات على بعض الألبسة لنقوم بالنهاية برميها إلى النفايات. 

وتتابع حلبي أن "الأزياء التي تعتمد على الكلاسيكية، الأزياء البطيئة، هي قطع ممكن شراؤها من ماركات عالمية، وهي غالبا تكون أسعارها مكلفة أكثر، ولكن بطبيعة الحال تكون أنواع القماش من مواد صديقة للبيئة، مثل القطن العضوي، ويكون عمر هذه القطعة أطول، ويمكن أن نرتديها أكثر من ثلاثين مرة من دون رميها".

"إنتاج ضخم + ملابس قصيرة العمر = ملايين الأطنان من نفايات الملابس سنويا على مستوى العالم؛" معادلة بسيطة، وفق ما يؤكده لـ"الحرة" سامي ديماسي، مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا.

 يتم التخلص من 92 مليون طن من نفايات المنسوجات سنويا، يقول ديماسي، "أي ما يعادل شاحنة قمامة مليئة بالملابس كل ثانية".

ويشير تقرير لموقع Firstpost الإخباري أن الصين هي المصنِّع والمستهلك الأكبر للملابس في العالم، وهي أيضا المساهم الأعلى في نفايات المنسوجات. ينتهي المطاف سنويا بحوالي 26 مليون طن من الملابس في مكبات النفايات ـ معظمها منسوج من مواد صناعية غير قابلة لإعادة التدوير.

عدم قابلية الألياف الصناعية على التحلل عضويا، وصعوبة إعادة تدويرها، جعلا من المكبات والمحارق، المستقر النهائي لنفايات الملابس.

تؤكد تقارير دولية أن كميات قليلة من هذه النفايات تم التخلص منها بطرق آمنة. ويقول ديماسي لـ"الحرة" إن 8 في المئة فقط من ألياف المنسوجات في عام 2023 صُنعت من مواد أعيد تدويرها، وأقل من واحد بالمئة من إجمالي سوق الألياف مصدره منسوجات أعيد تدويرها، "وهذا يبيّن أن هناك كثيرا من المنسوجات التي لا يعاد تدويرها، ترمى في النفايات، أو تحرق أو ترمى في المياه".

ألوان الأنهار

إلقاء نفايات الملابس في المسطحات المائية ليس سوى مصدر من مصادر  التلوث في الصين. فمصانع الأزياء تتخلص من ملايين الأطنان من المياه الملوثة في المجاري المائية. 

ومن المفارقات الشائعة ـ المقلقة ـ في الصين، أنه يمكن التنبؤ بألوان موضة الموسم من خلال متابعة مياه الأنهار. ويؤكد تقرير لمجلة "فوردهام" للقانون الدولي أن (70%) من البحيرات والأنهار (و90%) من المياه الجوفية في الصين ملوثة، ما يهدد الحياة البرية وإمكانية وصول المواطنين إلى مياه نظيفة. 

وتقدّر مجموعة البنك الدولي أن ما بين (17% و 20%) من التلوث الصناعي للمياه في الصين ناتج عن عمليات صباغة ومعالجة المنسوجات. 

علاوة على ذلك، تحتوي المياه في الصين على 72 مادة كيميائية سامة مصدرها صباغة المنسوجات؛ 30 مادة منها لا يمكن إزالتها من المياه.

ألوان الهواء

يقول مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا، سامي ديماسي، لـ"الحرة" إن سلسلة قيمة المنسوجات، كل عام، تشير إلى أنها مسؤولة عن نحو 8 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري. 

لا تقتصر المسألة على الأضرار البيئة اليوم، يقول ديماسي؛ الأضرار ستمتد لعقود قادمة. "والأجيال الشابة التي ترى في الموضة السريعة فرصة لشراء منتجات رخيصة جدا، يفرحون بها أمام أصدقائهم، لا يدركون التكلفة الاقتصادية والبيئية لتلك الصناعة". 

رغم كل هذه الآثار البيئية، تبقى العروض المغرية والأسعار التي تصعب مقاومتها، أحد الأسباب وراء لجوء المستهلكين إلى مواقع التسوق الصينية.

فهم يستطيعون تحمل تكاليفها، لكن ـ مرة أخرى ـ يبقى السؤال قائما: هل يستطيعون بالفعل؟