مناورات الجيش جرت باستخدام الذخيرة الحية
مناورات الجيش جرت باستخدام الذخيرة الحية

أثارت التحركات العسكرية الليبية من قبل قوات المشير خليفة حفتر، المتمركز في شرق ليبيا، انتباه الجارة الجزائرية التي أجرى جيشها مناورات وصفتها وسائل إعلام محلية بأنها "غير مسبوقة" قرب الحدود مع ليبيا.

وتأتي هذه المناورات بعد يوم من تصريحات لقائد أركان الجيش الجزائري الفريق السعيد شنقريحة حذر فيها من وصفهم بـ"المعتوهين والمغامرين" من المساس بالجزائر.

وجرت مناورات الجيش الجزائر، الأربعاء الفائت، باستخدام الذخيرة الحية، وشهدت تدريبات على اعتراض وتدمير الطائرات المسيرة، كما شاركت فيها قوات برية وجوية وفرقة من القوات الخاصة.

ويصف المحلل السياسي الجزائري توفيق بوقعدة توقيت المناورات، التي حملت اسم "نصر 2021" بـ"المهم جدا"، قائلا إنها تحمل "رسائل لجهات في ليبيا".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة": "لا يمكن لأي طرف تهديد أمنها، وخاصة حفتر ومن يقف خلفه".

وكانت القوات الموالية لحفتر، قائد ما يعرف بـ"الجيش الوطني الليبي"،  أغلقت الحدود مع الجزائر، وذلك بعد أن أكد حفتر نشر قواته على نطاق واسع في الجنوب، عقب إعلان الجزائر قرارها بإعادة فتح معبر الدبداب الحدودي بينها وبين ليبيا.

وردا على حديث بوقعدة، يقول علي التكبالي عضو مجلس النواب الليبي لموقع "الحرة" إن "الجزائر وجدت نفسها متأخرة كثيرا عن الأحداث في ليبيا، فادعت أنه لو دخل حفتر إلى طرابلس فإنها سوف تقوم بمحاربته".

وفي وقت سابق من يونيو الجاري، كشف تبون أن بلاده كانت مستعدة "للتدخل بصفة أو بأخرى" في ليبيا المجاورة، لوقف تقدم قوات حفتر نحو العاصمة طرابلس.

وتمكنت حكومة الوفاق الليبية السابقة، بدعم تركي، من صد هجوم استمر 14 شهرا شنته القوات الموالية لحفتر لانتزاع السيطرة على طرابلس. 

وخلال الصراع في البلاد، دعمت مصر والإمارات وروسيا قوات شرق ليبيا. وفي المقابل دعمت قطر وتركيا الفصائل في الغرب التي اتخذت من العاصمة طرابلس مقرا.

وأضاف التكبالي "الحقيقة أن ما تفعله الجزائر هو مجرد تهويل إعلامي، وحينما قام حفتر بمناورات في الجنوب، لم يكن يقصد الجزائر، وأقامها في أرض ليبية، وكان يحارب عناصر داعش الذين يتواجدون في تلك المناطق".

وأوضح أن "الجزائر حينما تقول إنها تقوم بمناورات، هي تريد أن تظهر أنها قادرة على جيش حفتر، ونحن لا ننكر ذلك، فجيش حفتر ناشئ جديد بينما تمتلك الجزائر جيشا قويا".

تصريحات شنقريحة

وكان الفريق شنقريحة قد توعد قبل يومين من وصفهم بـ"المغامرين والمعتوهين والمتعطشين للسلطة، برد قاس وحاسم، إن هم حاولوا المساس بأمن الجزائر وسلامتها الترابية".

وأضاف أن "الجزائر، لا ولن تقبل أي تهديد أو وعيد، من أي طرف كان"، ثم تابع "ليعلم هؤلاء أن الرد سيكون قاسيا وحاسما، وأن الجزائر القوية بجيشها الباسل (..) هي أشرف من أن ينال منها بعض المعتوهين والمتهورين".

ويقول بوقعدة إن "المعني الأساسي بذلك هو حفتر وميليشياته التي قامت بإعلان المنطقة الحدودية منطقة عسكرية، وهذا يعتبر تهديدا للأمن الجزائري".

وأشار المحلل الجزائري إلى أن "هناك أطراف داخلية أيضا" معنية بتصريحات قائد الجيش "وهذه الأطراف تحاول أن تروج لضعف المؤسسة العسكرية، وأنها غير قادرة على مواجهة الأخطار".

وأوضح بوقعدة أن هذه الأطراف هي حركة رشاد وحركة الماك المصنفتان إرهابيتين، وباقي الحركات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء الجزائرية.

وفي مايو الماضي أعلنت الرئاسة الجزائرية عن إدراج حركتي "استقلال منطقة القبائل" المعروفة بـ"الماك" و"رشاد" الناشطتين في الخارج، على قائمة "المنظمات الإرهابية، والتعامل معهما بهذه الصفة"، حسب ما جاء في بيان الرئاسة.

بينما يعلق التكبالي على تصريحات قائد الجيش الجزائري، قائلا: "هذا كلام للتشويش والتهويل، ونحن لم نقصد أن نحارب الجزائر، ولا حفتر قال إنه يريد أن يحارب الجزائر، ولكنه يريد أن يقول نحن هنا وهذه أرض ليبية وسنحارب أي شخص يدخل أرضنا".

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.