(L to R) Flags of the five countries making up the Arab Magreb Union (UMA) Algeria and Morocco are pictured on February 18,…
تتقاسم الجزائر والمغرب حدودا برية تمتد لمسافة 1500 كيلومتر

بعد ما يقرب من شهر من تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن استمرار إغلاق الحدود مع المغرب "المعتدي دائما" الذي يهاجم بلاده يوميا، على حد قوله، بعث العاهل المغربي الملك محمد السادس برقية لتبون، بمناسبة عيد الاستقلال.

هذه الرسالة هي الثانية من نوعها في أقل من عامين. في الأولى دعا محمد السادس لتبون بالشفاء العاجل بعد إصابته بفيروس كورونا، ديسمبر الماضي. بينما أرسل الرئيس الجزائري، في يونيو 2020، رسالة اطمئنان على صحة العاهل المغربي بعد عملية جراحية أجراها الملك.

وينظر توفيق بوقعدة، الباحث والأستاذ في العلوم السياسية بجامعة الجزائر، إلى رسالة الملك المغربي الأخيرة باعتبارها رسالة بروتوكولية ترسلها إحدى الهيئات بالقصر الملكي في كل مناسبة تحدث في الجزائر أو أي دولة أخرى، مستبعدا أنها تحمل بعدا سياسيا. 

وأضاف لموقع "الحرة"، قائلا: "لا يزال التوتر وعدم الوضوح في آليات تقريب وجهات النظر يشوب العلاقات الجزائرية المغربية". ولا يعتقد بوقعدة أن تفتح هذه الرسالة باب الحوار بين الجارتين.

ومن بين نقاط الخلاف الكبرى بين المغرب والجزائر ملف الحدود البرية المغلقة، وقضية الصحراء الغربية التي كانت مستعمرة إسبانية، وضم المغرب معظم أراضيها إليه عام 1975. 

وتتقاسم الجزائر والمغرب حدودا برية تمتد لمسافة 1500 كيلومتر من البحر المتوسط حتى الصحراء الكبرى. وهذه الحدود مغلقة منذ عام 1994 بعد خلافات بشأن الأمن.

أما رشيد لزرق، أستاذ القانون والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل المغربية، فيرى أن الرسالة تحمل بعدا تاريخيا، قائلا لموقع "الحرة": "استقلال الجزائر جاء نتيجة نضال مشترك بين الشعبين الجزائري والمغربي، وتهنئة الملك إلى الرئيس هو تذكير بوقع هذه المناسبة على الشعبين، والدماء المغربية التي اختلطت بالدماء الجزائرية في حرب التحرير".

وجاء في برقية محمد السادس أن "الشعب المغربي يشاطر شقيقه الجزائري مشاعر الاحتفاء بهذه المناسبة المجيدة، مستحضرا بكل اعتزاز صفحات التلاحم والتضامن الأخوي الصادق التي تختزنها ذكرى كفاحهما البطولي المشترك من أجل الحرية والاستقلال".

وكانت الجزائر خضعت للاستعمار الفرنسي طيلة 132 عاماً (1830 - 1962).

وتأتي الرسالة الملكية الأخيرة بعد تصريحات للرئيس الجزائري لصحيفة (لو بوان) الفرنسية، في يونيو الماضي، قال فيها إن "القطيعة تأتي من المغرب، وبالضبط من النظام الملكي وليس الشعب المغربي الذي نحترمه".

لكن في نوفمبر 2018، دعا الملك المغربي، في خطاب متلفز بمناسبة المسيرة الخضراء، الجزائر إلى حوار "مباشر وصريح" من أجل "تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية التي تعوق تطور العلاقات بين البلدين".

ووصف وضع هذه العلاقات "غير طبيعي وغير مقبول"، مقترحا "آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور" مهمتها "الانكباب على دراسة جميع القضايا المطروحة، بكل صراحة وموضوعية، وصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات".

وجدد الملك، في يوليو 2019، دعوته للحوار مع الجزائر في الذكرى العشرين لتوليه العرش.

ويعلق لزرق قائلا: "الملكية في المغرب ليست رهينة رد فعل لتصريحات تبون الذي يبحث عن شرعية ويختنق نظامه بسبب أزمة داخلية، إذ لا يمكن لرئيس جزائري كيف ما كان أن يضع قطيعة بين شعبين لأن العلاقات أعمق".

وعما إذا كان العاهل المغربي سيواصل دعواته للحوار مع الجزائر، قال لزرق: "الملك عندما يوجه هذه الدعوات، فهي انطلاقا من مكانته الدستورية والروحية، كونه ممثل الأمة المغربية".

ويرى لزرق أن التعاطي الإيجابي مع الدعوات المغربية "مرهون بتحقيق تحول ديمقراطي في الجزائر، لكون حكم العسكر لا يعير الاهتمام للتنمية مقارنة بصناعة الحروب"، على حد قوله.

وكان تبون استبعد، في حواره مع الصحيفة الفرنسية، هجوم المغرب على الجزائر، وقال: "بلادنا لن تهاجم قط جارنا، لكنها ستنتقم إذا تعرضنا للهجوم (..) أشك في أن المغرب سيحاول فعل ذلك، ميزان القوى ليس في مصلحته".

وعلى الرغم من انتخاب تبون رئيسا للبلاد في ديسمبر 2019 خلفا لعبد العزيز بوتفليقة، والموافقة على دستور معدل في استفتاء العام الماضي، يعتقد العديد من الجزائريين أن المؤسسة الأمنية والعسكرية لا تزال بيدها السلطة الحقيقية.

حوار بدون الصحراء

وفيما يتعلق بالحوار مع المغرب يقول بوقعدة: "الجزائر كانت واضحة منذ البداية؛ يمكنها التحاور مع المغرب في جميع القضايا الأمنية والسياسية التي تهم البلدين وحدهما، دون الدخول في تفاصيل قضية الصحراء".

وكان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أعلن اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في ديسمبر الماضي، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأعقب هذا الاعتراف افتتاح قنصليات لعدة دول في العيون والداخلة بالصحراء. 

بينما أعلنت الأمم المتحدة أن القرار الأميركي لا يغيّر موقفها حيال الصحراء التي تعتبرها من "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي".

ويطالب المغاربة بالسيادة على المستعمرة الإسبانية السابقة وكذلك جبهة البوليساريو التي تحظى بدعم الجزائر، جارة الرباط والمنافسة الإقليمية الكبرى لها. وقد توقفت المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة لإيجاد حل للمنطقة منذ ربيع العام 2019.

ويبرر بوقعدة إبعاد قضية الصحراء عن الحوار بين الجارتين، بقوله: "هي بعيدة عن قدرة الجزائريين باعتبارها أممية، وليس من صلاحية الجزائر أن تتفاوض على حق شعب آخر يريد التحرر".

إلا أنه وفي وقت سابق من يونيو، عاد إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو إلى الجزائر، بعدما قضى أكثر من شهر في مستشفى إسباني، الأمر الذي أثار غضبا مغربيا. 

كما انتقد تبون في حواره مع الصحيفة الفرنسية افتتاح قنصليات في الصحراء. وقال: "في حالة التصويت لتقرير المصير، فإن المغاربة الذين يعيشون في الأراضي الصحراوية سيصوتون من أجل الاستقلال لأنهم لا يريدون البقاء كرعايا للملك".

ويقول بوقعدة إن المغرب يحاول اختصار أزمة الصحراء الغربية باعتبارها أزمة بين الجزائر والمغرب، مضيفا "الرباط تريد حزمة كاملة من التوافقات مع الجزائر، بما فيها قضية الصحراء الغربية، وهذا ما ترفضه الجزائر، باعتبارها قضية يجب أن تبقى في أروقة الأمم المتحدة".

ويعتقد المحلل الجزائري أن تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل أدى إلى تأزيم العلاقات بين الجارتين، قائلا: "تعتبر الجزائر أن وجود جهاز الموساد الإسرائيلي على حدودها سيؤثر على أمنها، وسيعمل على تفاقم تدهور العلاقات"، على حد قوله.

الملابس الصينية السريعة

توفر شركات الموضة الصينية منتجات شبيهة بأحدث منتجات دور الأزياء العالمية، بأسعار زهيدة مغرية. لكن السؤال: هل يمكن تحمل تكاليفها؟

يقول إينار تنجين، الخبير في الشأن الصيني، إن شركات الأزياء الصينية تلاحق آخر صيحات الموضة، وتقدم منتجا يشبه ما يراه الناس في عروض الأزياء في نيويورك أو ميلان، على سبيل المثال، وبسعر متاح على نطاق واسع، رغم أن المنتج ليس بنفس الجودة.

لكن الجودة، هنا، لا تتعلق بمتانة المنتج أو تميزه حِرفيا، فحسب.

جويل الحج موسى أعدت تحقيقا لبرنامج "الحرة تتحرى" فتح ملف الأزياء الصينية ووجد حقائق صادمة.   

السموم

تعتمد كبريات علامات الأزياء الصينية، بشكل كبير، على الألياف الصناعية ـ البوليستر والنايلون والاكليريك ـ وموادة مستخلصة من البتروكيمياويات.

تشكل المواد الداخلة في صناعة تلك الأقمشة ـ وفق دراسة لمؤسسة "Plastic Soup" ـ خطرا كبيرة على صحة المستهلك.

ما يقرب من 70 في المئة من ملابس علامات الأزياء التجارية الصينية، ومعظم المفروشات والستائر والسجاد مصنوعة البوليستر والنايلون والأكريليك، وبمجرد استنشاقها، وفق الدراسة، يمكن للألياف الاصطناعية أن تخترق أنسجة الرئة وتسبب التهابا مزمنا. 

وتربط تقارير علمية بين المواد الصناعية المستخدمة في صنع الأقمشة بأمراض مثل السرطان وأمراض القلب والربو والسكري. 

ويمكن لجزيئات تلك المواد أن تصل، إذ نستنشقها، إلى الكبد والقلب والكلى والمخ، وحتى إلى الأجنة في الأرحام.

في خريف 2021، كشفت تحقيقات صحفية، في كندا، وجود مواد ضارة في الملابس التي يقتنيها الكنديون عبر مواقع التسوق الصينية. 

في سترة أطفال تم شراؤها من موقع Shein الصيني، اثبتت الاختبارات وجود ما يقارب 20 ضعفا من كمية الرصاص المسموح بها قانونية لأسباب صحية. 

وبحسب موقع وزارة الصحة الكندية، يتسبب الرصاص بأضرار في الدماغ والقلب والكلى والجهاز التناسلي. 

الرضّع والأطفال والحوامل هم الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر. 

رغم أن الرصاص عنصر طبيعي يمكن  العثور عليه في البيئة المحيطة، تتجاوز نسبته في الملابس الصينية، وفق نتائج الدراسة، مستويات التلوث البيئي، أو الكميات الصغيرة التي تتعرض لها الملابس عن غير قصد أثناء عمليات التصنيع. 

إثر التحقيقات الكندية، أعلنت شركة Shein سحب قطع ملابس، وأكد المتحدث باسم الشركة "الامتثال لمعايير السلامة"، الا أن الاتهامات تصاعدت لتطال كبريات منصات التسوق الصينية، مثل TEMU وAli Express. 

وأكدت نتائج فحوص مختبرية، أجريت في كوريا الجنوبية وفرنسا، ارتفاع نسب المواد السامة في منتجات الموضة السريعة الصينية. 

يقول نيكولاس لوريس، الخبير في شؤون الطاقة والسياسات البيئية إن مواد سامة تُستخدم في جميع أنواع الصناعات تقريبا، لكن ضمن معايير محددة تحمي العمال والمستهلكين، وتحافظ على البيئة. 

"مشكلة النموذج الصيني هي أنهم يتجاهلون كل هذه المعايير، وهنا يكمن الخطر الحقيقي". 

إغراء الأسعار

التقارير عهن سموم المواد البيتروكيمياوية لم تحُل دون تهافت الزبائن ـ حول العالم ـ على الصناعات الصينية. 

الأسعار مغرية.

لهذا، تسبق الصين دول العالم في إنتاج الأنسجة وتصديرها.

في عام 2022، شكلت صادرات الصين من المنسوجات 43 في المئة من الصادرات العالمية. وفي عام 2023، أنتجت الصين 19.36 مليار قطعة ملابس. وبلغ حجم صادرات الصين عام 2024 أكثر من 301 مليار دولار.

وساهمت شركات الموضة السريعة الصينية على نحو كبير في تحقيق هذا التفوق. وبحسب أرقام منظمة التجارة العالمية، تشحن شركتا TEMU وShein مجتمعتين، حوالي 9000 طن من البضائع إلى دول حول العالم يوميا، أي ما يساوي حمولة 88 طائرة بوينغ عملاقة. 

تقول هدى حلبي، وهي حرفية متخصصة في الخياطة، إن البضاعة الصينية اليوم تغزو العالم، لكن غالبيتها غير صالحة للخياطة. "لا تملك الناس المال لشراء النوعية الجيدة للأقمشة ولذلك تشتري الأرخص وسرعان ما يقومون برميه".

وفرة نفايات

ما يظنه المستهلك توفيرا، يدفعه أضعافا، تقول حلبي، في سباق محموم للحاق بصيحات الموضة السريعة. وتضيف دارين شاهين، إعلامية، خبيرة موضة لبنانية، أن الدخول في لعبة الترند والموضة يجعلنا ندفع بضع دولارات على بعض الألبسة لنقوم بالنهاية برميها إلى النفايات. 

وتتابع حلبي أن "الأزياء التي تعتمد على الكلاسيكية، الأزياء البطيئة، هي قطع ممكن شراؤها من ماركات عالمية، وهي غالبا تكون أسعارها مكلفة أكثر، ولكن بطبيعة الحال تكون أنواع القماش من مواد صديقة للبيئة، مثل القطن العضوي، ويكون عمر هذه القطعة أطول، ويمكن أن نرتديها أكثر من ثلاثين مرة من دون رميها".

"إنتاج ضخم + ملابس قصيرة العمر = ملايين الأطنان من نفايات الملابس سنويا على مستوى العالم؛" معادلة بسيطة، وفق ما يؤكده لـ"الحرة" سامي ديماسي، مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا.

 يتم التخلص من 92 مليون طن من نفايات المنسوجات سنويا، يقول ديماسي، "أي ما يعادل شاحنة قمامة مليئة بالملابس كل ثانية".

ويشير تقرير لموقع Firstpost الإخباري أن الصين هي المصنِّع والمستهلك الأكبر للملابس في العالم، وهي أيضا المساهم الأعلى في نفايات المنسوجات. ينتهي المطاف سنويا بحوالي 26 مليون طن من الملابس في مكبات النفايات ـ معظمها منسوج من مواد صناعية غير قابلة لإعادة التدوير.

عدم قابلية الألياف الصناعية على التحلل عضويا، وصعوبة إعادة تدويرها، جعلا من المكبات والمحارق، المستقر النهائي لنفايات الملابس.

تؤكد تقارير دولية أن كميات قليلة من هذه النفايات تم التخلص منها بطرق آمنة. ويقول ديماسي لـ"الحرة" إن 8 في المئة فقط من ألياف المنسوجات في عام 2023 صُنعت من مواد أعيد تدويرها، وأقل من واحد بالمئة من إجمالي سوق الألياف مصدره منسوجات أعيد تدويرها، "وهذا يبيّن أن هناك كثيرا من المنسوجات التي لا يعاد تدويرها، ترمى في النفايات، أو تحرق أو ترمى في المياه".

ألوان الأنهار

إلقاء نفايات الملابس في المسطحات المائية ليس سوى مصدر من مصادر  التلوث في الصين. فمصانع الأزياء تتخلص من ملايين الأطنان من المياه الملوثة في المجاري المائية. 

ومن المفارقات الشائعة ـ المقلقة ـ في الصين، أنه يمكن التنبؤ بألوان موضة الموسم من خلال متابعة مياه الأنهار. ويؤكد تقرير لمجلة "فوردهام" للقانون الدولي أن (70%) من البحيرات والأنهار (و90%) من المياه الجوفية في الصين ملوثة، ما يهدد الحياة البرية وإمكانية وصول المواطنين إلى مياه نظيفة. 

وتقدّر مجموعة البنك الدولي أن ما بين (17% و 20%) من التلوث الصناعي للمياه في الصين ناتج عن عمليات صباغة ومعالجة المنسوجات. 

علاوة على ذلك، تحتوي المياه في الصين على 72 مادة كيميائية سامة مصدرها صباغة المنسوجات؛ 30 مادة منها لا يمكن إزالتها من المياه.

ألوان الهواء

يقول مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا، سامي ديماسي، لـ"الحرة" إن سلسلة قيمة المنسوجات، كل عام، تشير إلى أنها مسؤولة عن نحو 8 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري. 

لا تقتصر المسألة على الأضرار البيئة اليوم، يقول ديماسي؛ الأضرار ستمتد لعقود قادمة. "والأجيال الشابة التي ترى في الموضة السريعة فرصة لشراء منتجات رخيصة جدا، يفرحون بها أمام أصدقائهم، لا يدركون التكلفة الاقتصادية والبيئية لتلك الصناعة". 

رغم كل هذه الآثار البيئية، تبقى العروض المغرية والأسعار التي تصعب مقاومتها، أحد الأسباب وراء لجوء المستهلكين إلى مواقع التسوق الصينية.

فهم يستطيعون تحمل تكاليفها، لكن ـ مرة أخرى ـ يبقى السؤال قائما: هل يستطيعون بالفعل؟