This picture taken on June 20, 2021 shows an aerial view of drying earth in the Chibayesh marshland in Iraq's southern Ahwar…
يقول عبد الله إن إيران وتركيا عانتا أيضا من الجفاف المائي.

في وقت يحاول فيه العراق إعادة بناء اقتصاده، يزداد القلق بشأن نقص المياه، خصوصا بعد تصريحات حديثة لوزير الموارد المائية مهدي الحمداني، قال فيها إن الإطلاقات المائية من إيران بلغت صفرا، ملوحا باللجوء للمجتمع الدولي لحل الأزمة.

ويمثل نهرا الفرات ودجلة شريان الحياة للعراق، لكن المشاريع المائية التركية والإيرانية أدت إلى تراجع حصة العراق من النهرين.

ويقول خبير المياه العراقي، تحسين الموسوي، لموقع "الحرة": اليوم لا نستطيع أن نتكلم عن عراق الرافدين نتيجة السيطرة الكاملة على الإطلاقات المائية التي تأتي للبلاد".

ومنذ عقود مضت، كان العراق يستقبل إيرادات مائية طبيعية، تخضع للمعاهدات الدولية، وتتراوح من 40 إلى 50 مليار متر مكعب إلى نهر دجلة الذي، أصبح يستقبل اليوم حوالي 15 إلى 20 مليار، بحسب الموسوي.

أما نهر الفرات "الذي تتضرر كثيرا حاليا"، كان يستقبل في حدود 30 إلى 35 مليار متر مكعب، بينما لا تصل إمداداته الحالية إلى 15 مليار متر مكعب، وفقا لخبير المياه العراقي. 

ويقابل هذا الشح المائي زيادة في عدد السكان. وفي 2020 أعلنت وزارة التخطيط العراقية أن التعداد السكاني للبلاد تجاوز 40 مليون نسمة.

وفي تصريحات الحمداني، التي نقلتها وكالة الأنباء العراقية، أوضح أن "الأزمة ستتفاقم في محافظة ديالى (شمال شرقي العاصمة بغداد) إذا استمرت إيران بقطع المياه عن أنهار سيروان والكارون والكرخة"، قائلا إن الدولة ستتجه للمجتمع الدولي من أجل تقاسم الضرر وإطلاق حصتها المائية، حسب المواثيق الدولية.

بيد أن عون ذياب عبد الله، مستشار وزارة الموارد المائية، استبعد تدويل أزمة المياه قريبا، قائلا لموقع "الحرة": "نحاول بقدر الإمكان التوصل إلى تفاهمات مع إيران وتركيا". 

وهذه ليست المرة الأولى التي تقطع فيها إيران الإمدادات المائية إلى العراق، فقد سبق وأن حولت مجرى الأنهار التي كانت تساهم بتزويد بغداد بالمياه عامي 2018، و2020، بسبب السدود التي تقيمها في أعالي الأنهار التي تأتي إلى العراق، وخاصة الزاب الأسفل ونهر ديالى.

ويوضح الموسوي أن اﺗﻔﺎﻗﯿﺔ اﻷﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻟﻘﺎﻧﻮن اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻤﺠﺎري اﻟﻤﺎﺋﯿﺔ اﻟﺪوﻟﯿﺔ ﻟﻌﺎم 1997 نصت على أن السيادة في المياه مشتركة والضرر متقاسم، "لكن هذا لم يحصل مع العراق". 

وأضاف "دولتا المنبع (تركيا وإيران) تسيطران سيطرة تامة على الإطلاقات المائية، خاصة بعد الظروف التي مر بها العراق؛ قامتا بحفر الأنهر وخرق الاتفاقيات وبناء السدود. هي حرب اقتصادية".

ويعتقد الموسوي أن العراق بحاجة لتدويل أزمته "إما باللجوء إلى الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية"، قائلا: "لا يجوز إلا تفعيل المعاهدات والاتفاقيات السابقة، وهذا الأمر يحتاج إلى تدويل القضية، على ألا تكون وزارة الموارد المائية هي المسؤولة عن ذلك".

والشهر الماضي، أجرى وفد من وزارة الموارد المائية العراقية زيارة إلى تركيا للتباحث بشأن حصص المياه وتقسيمها بين الدولتين، لكن يبدو أن الزيارة لم تسفر عن شيء يذكر.

ويقول مستشار وزارة الموارد المائية لموقع "الحرة": "الحمداني أرسل وفدا فنيا رسميا إلى تركيا لزيارة مواقع السدود، وهناك اتصال بين الوزير وممثل رئيس الجمهورية التركية المسؤول عن ملف المياه".

وفي مايو الماضي، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن منسوب نهر الفرات، الذي يصنفه القانون الدولي نهرا دوليا يعبر عدة دول، انخفض بمعدل خمسة أمتار لأول مرة في التاريخ بسبب حجب الجانب التركي لمياه النهر.

وفي إطار مشروع جنوب شرق الأناضول أو ما يعرف اختصارا بـ(الغاب) الذي بدأت العمل فيه في سبعينات القرن الماضي، تمتلك تركيا خمسة سدود عملاقة على نهر الفرات، ولا يزال العمل جار على إقامة سدين أخرين.

ومن بين هذه السدود، سد إليسو الذي بلغ كامل طاقته في ديسمبر 2020 وظهرت ملامحه واضحة على نهر دجلة الذي تأثرت إمداداته المائية وعانى جفافا.

وكان الحمداني قال في تصريحاته: "تحدثنا مع إيران وتركيا للاتفاق على بروتوكول تقاسم المياه، إلا إننا لم نحصل على إجابة حتى الآن".

وفي حديث سابق مع موقع "الحرة"، استنكر إسماعيل كايا، المحلل السياسي التركي، ما وصفها بـ"محاولة تحميل" بلاده "مسؤولية التغيرات المناخية، وما ترتب عليها من شح الأمطار، في العامين الآخرين"، مشيرا إلى أن تركيا عانت أيضا من نقص المياه، الأمر الذي انعكس على مستوى منسوب المياه في نهر الفرات، على حد قوله.

وفي نفس السياق، يقول عبد الله إن تركيا وإيران، إلى جانب العراق، عانتا أيضا من "الجفاف الكلي".

من جهتها، تقول إيران إن ازمة المياه لديها وصلت إلى منعطف خطير، حيث حذر وزير الطاقة رضا أردكانيان، في 9 يونيو الفائت، من نقص المياه هذا الصيف، واصفا هذا العام بأنه "أحد أكثر الأعوام جفافا منذ خمسة عقود"، بحسب ما نقلت عنه وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا).

وعن توجه العراق إلى المجتمع الدولي، يقول عبد الله: "نحن بصدد التفاوض حاليا مع تركيا وإيران، اتصالات مستمرة تجرى معهما قبل التدويل، لابد من التفاهم قبل اتخاذ أي خطوة".

ويعترض الموسوي على تولي وزارة الموارد المائية مسؤولية التفاوض في هذا الملف، واصفا ذلك بـ"الخطأ الكبير".

ويقول إن "تدويل أزمة المياه يحتاج إلى مفاوض قوي، أما إذا كانت المفاوضات على مستوى وزير الموارد المائية، فلن تسفر عن نتيجة"، على حد قوله.

إلا أن مستشار وزارة الموارد المائية قال إن ملف المياه لا تتولى مسؤوليته وزارة الموارد المائية وحدها، بل الحكومة العراقية، قائلا: "هو ملف رئيسي للدولة العراقية التي تولي اهتماما تاما لهذا الموضوع".

كما استبعد المصدر نفسه تدويل أزمة المياه قريبا، قائلا: "نحن نحاول جاهدين للتوصل إلى تفاهمات ثنائية لأنها الطريق الأقصر إلى الحل".

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.