FILE PHOTO: Ethiopians fleeing from the Tigray region arrive by boat to Sudan after crossing a river between the two countries,…
السودان تحمل عبء نزوح عشرات الآلاف من سكان تيغراي

بعد انتهاء الملء الثاني لسد النهضة وما صاحبه من توتر، ازدادت العلاقات السودانية الإثيوبية تدهورا على خلفية سيطرة السودان على أراضِ متنازع عليها بين البلدين.

تتهم أديس أبابا جارها الخرطوم بـ "احتلال" أراض تابعة لها، أعقب ذلك رفض حكومة أبي أحمد لوساطة رئيس وزراء السودان، عبدالله حمدوك، لحل أزمة تيغراي.

والأحد، قالت وزارة الخارجية السودانية إنها استدعت السفير في إثيوبيا للتشاور بعد رفض أديس أبابا مبادرة عرضتها الخرطوم لإنهاء النزاع في إقليم تيغراي المجاور للسودان.

ويرى الأستاذ بجامعة أفريقيا العالمية والمتخصص في قضايا القرن الأفريقي، الزمزمي بشير، في حديث لموقع قناة "الحرة" أن الصراع في الإقليم الكائن شمالي إثيوبيا هو السبب الرئيسي لتدهور علاقات أديس أبابا بالخرطوم حاليا.

ضعف الداخل يؤثر خارجيا

ومنذ نوفمبر الماضي، تخوض إثيوبيا حربا يشنها رئيس الوزراء الحالي، أبي أحمد، في تيغراي شمال البلاد وذلك للإطاحة بجبهة تحرير شعب تيغراي، التي كانت آنذاك الحزب الحاكم في الإقليم.

أدت الحرب إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان المدنيين إلى السودان البلد القريب من إقليم تيغراي، في وقت استغلت فيه الدولة العربية الصراع الإثيوبي وسيطرت على مناطق حدودية متنازع عليها بين البلدين منذ عقود.

ويناير الماضي، في ذروة التوتر بين البلدين، قصفت إثيوبيا منطقة "جبل أبو طيور" على الحدود بين السودان وإقليم تيغراي الإثيوبي بالمدفعية، دون أن يسفر القصف عن وقوع خسائر، وهو ما دفع السودان وقتها لإعلان أنها تحتفظ بحق الرد "في الوقت المناسب".

وفقا للدكتور بشير، فإن السودان حصل على معلومات استخباراتية تفيد بتواجد عسكري إثيوبي محدود في مناطق متنازع عليها، واتخذت خطواتها باستعادة تلك الأراضي التي كانت تسيطر عليها أديس أبابا.

وأشار إلى أن صراع أبي أحمد في تيغراي "أفقد الأمهرة 2 مليون فدان من الأراضي الزراعية شديدة الخصوبة التي كانت للسودان وفق تقسيم الاستعمار والخرائط التاريخية"، وهذا ما وضع رئيس وزراء إثيوبيا في أزمة داخلية، على حد قوله. 

يقول بشير أيضا إن "ضعف الدولة في الداخل يؤثر على علاقاتها الخارجية، حيث تواجه أديس أبابا حاليا منعطفا خطيرا تؤثر على علاقاتها الخارجية بما في ذلك مع السودان".

وعلى الرغم من أن أبي أحمد وعد بنصر سريع، إلا أن الحرب اتخذت منعطفا مذهلا في يونيو عندما استعادت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي العاصمة الإقليمية ميكيلي وانسحب الجيش الإثيوبي إلى حد كبير.

والثلاثاء، أصدر أبي أحمد دعوة لجميع المدنيين المؤهلين للانضمام إلى القوات المسلحة مع احتدام القتال في مناطق متعددة من ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان بعد هدنة أطلقها من جانب واحد قبل شهرين.

وتزامن هذا التجهيز لعودة الصراع بين الجيش الإثيوبي والميلشيات الموالية لأبي أحمد من جهة، وجبهة تحرير شعب تيغراي من ناحية أخرى مع هجوم سوداني استعاد منطقة أبو طيور مجددا بعد أن تغلب على "كمائن صغيرة ومحدودة"، وفق ما قال الجيش السوداني في تصريحات صحافية، لتصبح المنطقة تحت سيطرة سودانية كاملة لأول مرة منذ 25 عاما. 

ويعد تفجر القضايا الحدودية بين السودان وإثيوبيا وتجدد الصراع بين البلدين حلقة من حلقات العلاقات الثنائية المتقلبة التي تذبذبت منذ القرن التاسع عشر وحتى الوقت الراهن.

عام 1885، انطلقت معارك قبلية وطائفية بين المسلمين السودانيين والمسيحيين الإثيوبيين واستمرت أربع سنوات. وعادت العلاقات للهدوء النسبي مع بعض الشد والجذب حتى تدهورت بشدة مع اتهامات مصر لمتشددين سودانيين بمحاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك داخل إثيوبيا أثناء زيارته لأديس أبابا عام 1995. 

وفي عام 1997، انضمت القوات الإثيوبية إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان في هجوم عبر الحدود أسفر عن الاستيلاء على منطقة الكرمك الحدودية ومدينة صغيرة ثانية في ولاية النيل الأزرق في السودان، لكن البلدين طبعا العلاقات نهاية العام 1998.

وعادت قضية سد النهضة والنزاع على حقوق مياه النيل لتحيي معها كل الصراعات الحدودية القديمة، كما يقول بشير. 

ملفات داخلية أكثر إلحاحا

على الطرف الآخر، يرى المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، أن تدهور العلاقات بين البلدين جاء على بعد تغير النظام في الخرطوم والذي كان تغير معه موقف السودان من قضية سد النهضة.

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن "التطورات في تيغراي أيضا أدت لخلافات بين البلدين، علاوة على الخلافات الحدودية والتي شهدت تصعيدا إعلاميا وتبال اتهامات بين الجانبين".

وتابع: "العلاقات تشهد فتورا واضحا وتأثرت ببعض الملفات وحالات الشد والجذب بين المسؤولين الحكوميين".

وعن ردة فعل الحكومة الإثيوبية على سيطرة السودان للأراضي المتنازع عليها بين البلدين، يستبعد إبراهيم لجوء أبي أحمد لعمل عسكري حاليا، على اعتبار وجود ملفات داخلية أكثر إلحاحا.

وقال إن "القتال في تيغراي انتقل إلى أقاليم مجاورة، لا يمكن أن يكون هناك تدخلا عسكريا في الوقت الراهن، ولكن من الممكن حدوث تفاهمات لحلحلة هذا الخلاف، خاصة وأن الملف الحدودي ليس جديدا".

من جانبه، حذر بشير من وقوع إثيوبيا على شفا حرب أهلية طاحنة قد تكون أسوأ مما حدث في الصومال، مشيرا إلى أن التنوع العرقي والديني في البلاد قد يؤجج الصراعات الداخلية، على حد قوله.

وقال إن "على أبي أحمد القبول بمبادرة حمدوك" للخروج من أزمة بلاده الداخلية التي تشهد "صراعا قبليا بين مجموعات قومية مختلفة وهو حدث تتكتم عليه وسائل الإعلام المحلية".

ويعتقد بشير أن "السودان مؤهل للوساطة على اعتبار امتلاكها علاقات قوية مع إثيوبيا، فضلا عن تضررها المباشر من أزمة تيغراي".

في المقابل، يتفق إبراهيم مع بشير في أن السودان دولة مؤهلة لأن تلعب دور الوساطة لإنهاء القتال في تيغراي لاعتبارات عدة.

يقول إبراهيم إن "السودان قريب لبعض الملفات الإثيوبية ومنها قضية تيغراي تحديدا، خاصة وأن الخرطوم متضرر من عملية النزوح الناجمة عن المعارك".

لكن مستقبل العلاقات بين البلدين يظل غامضا، ويصف بشير الأزمة الحالية بقوله "إن الوضع بات معقدا"، دون مسار واضح لحل الأزمة. 

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.