مساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب بعد قطع العلاقات
مساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب بعد قطع العلاقات

تتواصل حلقات تصاعد التوتر بين الجارين المغاربيين، فبعد اتهام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون المغرب بـ"الأفعال العدائية"، ندد ملك المغرب محمد السادس، بـ"عملية عدوانية مقصودة" ضد بلاده "من طرف أعداء الوحدة الترابية"، دون أن يسميهم.

يقول الكاتب الصحفي المغربي عبد الرحيم التوراني لموقع "الحرة" إن "أعداء الوحدة الترابية هم معروفون وليسوا أشباحا، وفي مقدمتهم الصحراويون الانفصاليون، ثم الدولة الجزائرية التي ترعاهم منذ بداية سبعينات القرن الماضي". 

وبعد اجتماع للمجلس الأعلى للأمن، الأربعاء الماضي، قررت الجزائر "مراجعة" علاقتها بالمغرب، واتهمت الرئاسة جماعتي رشاد الإسلامية وحركة الماك الانفصالية في منطقة القبائل، صنفتهما مؤخرا ضمن المنظمات الإرهابية، بالتورط في حرائق غابات مدمرة هذا الشهر، وقالت إن الماك مدعومة من المغرب وإسرائيل.

#هام #بيان ترأس السيد عبد المجيد تبون رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، اليوم الأربعاء...

Posted by ‎رئاسة الجمهورية الجزائرية‎ on Wednesday, August 18, 2021

وهذا الشهر، وصفت الجزائر حرائق الغابات التي اجتاحتها بأنها "الأشرس"، وتسببت في أضرار، وأودت بـ90 شخصا على الأقل في عدة محافظات خاصة تيزي وزو، في منطقة القبائل شرقي العاصمة.

لكن الجزائر لم تقدم دلائل على صلة المغرب بدعم الماك وإشعال الحراق، الأمر الذي يرجعه الكاتب والصحفي الجزائري علي بوخلاف إلى طبيعة المعلومات الأمنية الحساسة التي لا يُكشف عن جميع تفاصيلها.

بينما يقول التوراني إن اتهام المغرب "يدخل في باب التصعيد وتأزيم الوضع في المنطقة".

وأضاف "هذا الاتهام صادر عن جهات ليس في صالحها أن يعمل البلدان يدا في يد لما فيه خير الشعبين الجزائري والمغربي. جهات تستفيد من إطالة عمر الأزمة، وقد طالت بالفعل أكثر مما ينبغي".

ومنذ عقود تعاني العلاقات بين الجزائر والمغرب توترا، إذ تدعم الجزائر جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) المسلحة التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.

وفي مقابل ذلك، دعا دبلوماسي مغربي في نيويورك لحق شعب منطقة القبائل في تقرير المصير، فردت الجزائر باستدعاء سفيرها في الرباط الشهر الماضي. 

ويصف التوراني دعوة مندوب المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال بـ"الاستفزازية"، ويعتقد أنه من المنطقي أن تبادر الجزائر إلى استدعاء سفيرها في الرباط. 

الصحراء والقبائل

وعن سبب استياء الجزائر من دعوة المبعوث المغربي في نيويورك في وقت تدعم فيه الجزائر استقلال الصحراء الغربية التي تعتبرها الرباط منطقة ضمن أراضيها، يقول بوخلاف: "لا مجال للمقارنة بين القضيتين، فالصحراء الغربية قضية أممية تتعلق بالاستعمار، وهي في حالة شبه حرب حيث تحمل البوليساريو السلاح".

ويعود الصراع بين المغرب وجبهة بوليساريو حول إقليم الصحراء الغربية لعام 1976، إذ يعد من أقدم النزاعات في إفريقيا، عندما تأسست الجبهة بعد ضم المغرب الصحراء إليه إثر انسحاب الاستعمار الإسباني منها في عام 1975، لتطالب الجبهة باستقلال الإقليم وتحمل السلاح في وجه المغرب.

ولم يتوقف القتال إلا عام 1991 عندما تدخلت الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار.

"لكن الوضع مختلف في منطقة القبائل"، كما يقول بوخلاف الذي أضاف "لا وجود لمجموعات مسلحة أو سياسية في هذه المنطقة أو الجزائر بصفة عامة، والحديث عن الاستقلال في هذه الحالة ليس في محله".

وبعد اتهامها، نفت حركة استقلال منطقة القبائل (الماك) أي مسؤولية لها في إشعال الحرائق.

وعام 2001، تأسست الماك، التي تتخذ من باريس مقرا، بينما تعتبرها الجزائر منظمة غير قانونية وصنفتها "إرهابية" في 18 مايو الماضي، إذ تعارض الدولة فكرة استقلال منطقة القبائل، الناطقة باللغة الأمازيغية.

"تهجم مباشر"

وفي يوليو الماضي، دعا العاهل المغربي إلى تحسين العلاقات مع الجزائر، وإعادة فتح الحدود المغلقة بينهما منذ فترة طويلة. 
ثم عاود في الأول من أغسطس، دعوة تبون إلى "تغليب منطق الحكمة" والعمل على تطوير العلاقات، وفتح الحدود بين الدولتين المغلقة منذ صيف 1994.

ويقول التوراني: "جاء خطاب محمد السادس في ذكرى توليه العرش، ليمسح كل ما صدر عن المندوب المغربي. كان الملك واضحا  في مد اليد إلى الأشقاء في الجزائر، بل أنه وصف البلدين بالتوأم". 

وأشار إلى أنها ليست المرة الأولى التي يطالب فيها المغرب "على أعلى مستوى في الدولة بفتح الحدود، وبدء صفحة جديدة من التعاون والإخاء، بغاية وهدف تحقيق التقدم والازدهار لشعوب المنطقة المغاربية".

وكانت الرباط أعلنت استعدادها لمساعدة جارتها "بمجرد موافقتها" على مكافحة الحرائق. لكن الجزائر لم ترد علنا على هذا العرض.

ويعلق التوراني على ذلك، بقوله: "بدلا من أن يكون الرد بالإيجاب وتكون المبادرة المغربية مدخلا لاستعادة الثقة بين البلدين، باتجاه تأسيس علاقة جديدة مبنية على أسس ومنطلقات جديدة بعيدة عن إرث الماضي وتوتراته، بدأنا نسمع مثل تلك الاتهامات المجانية والصبيانية التي لا تستحق الرد في واقع الحال".

ويقول المغرب إنه بينما يسعى إلى الحوار لإنهاء الجمود السياسي المكلف مع الجار الشرقي، تستمر الجزائر في نهجها العدائي تجاه الرباط وتصعد خطابها العدائي ضد المملكة.

📌 بيان وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج 🔸️تناقلت وسائل الإعلام الدولية بعض التصريحات المغلوطة والمغرضة،...

Posted by ‎وزارة الشؤون الخارجية - الجزائر / MFA - Algeria‎ on Sunday, August 15, 2021

إلا أن بوخلاف يعتقد أن هناك فرق شاسع بين الخطاب السياسي لملك المغرب وما تقوم به المملكة على الأرض، مشيرا إلى ما وصفه بـ"التهجم المباشر" لوزير خارجية إسرائيل يائير لابيد أثناء زيارته للمملكة المغربية، في وقت سابق من أغسطس الجاري.

وكان لابيد أشار إلى أنه تطرق أيضا مع نظيره المغربي ناصر بوريطة إلى ما وصفه بـ"المخاوف حول الدور الذي تلعبه الجزائر في المنطقة وتقاربها مع إيران، وكذا الحملة التي قادتها ضد قبول إسرائيل عضوا مراقبا في الاتحاد الإفريقي"، فأصدرت الخارجية الجزائرية بيانا يهاجم بوريطة.

ولا تعترف الجزائر بإسرائيل، ولا تشير إليها في البيانات الرسمية باسمها، في وقت قالت إسرائيل، هذا الشهر، إنها ستقيم قريبا علاقات دبلوماسية كاملة مع المغرب.

وقال بوخلاف: "بعد أيام من خطاب الملك استقبل المغرب وزير خارجية إسرائيل الذي تهجم مباشرة على الجزائر وهذا ربما خلق نوعا من التخوف لدى السلطات الجزائرية بالتعاون بين المغرب وإسرائيل ضد الجزائر".

ويزعم بوخلاف أن التخوف الجزائري نابع من شراء المغرب برنامج "بيغاسوس" الذي طورته شركة "إن إس أو" الإسرائيلية والذي يسمح بالتجسس.

لكن الحكومة المغربية كذبت ما وصفتها بـ"الادعاءات الزائفة" حول استخدام أجهزتها الأمنية برنامج "بيغاسوس" للتجسس، نافية امتلاك "برمجيات معلوماتية لاختراق أجهزة اتصال".

خط الأنابيب

ورغم التوتر الآخذ في التصاعد بين البلدين، أعرب المغرب، الجمعة، عن تأييده الحفاظ على خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي الذي يربط الحقول الجزائرية بالقارة الأوروبية مرورا بالمملكة، فيما ينتهي الاتفاق بشأنه في أكتوبر المقبل.

ويقول بوخلاف إن الجزائر بإمكانها الاستغناء عن خط تصدير الغاز، لتوفر البديل البحري، لكن رغبة المغرب في الحفاظ عليه يؤكد أن الدول الثلاث (إسبانيا والمغرب والجزائر) تنتفع منه.

وأضاف "ليس هناك انقطاع كلي للعلاقات بين البلدين، خاصة في المجال التجاري فهناك شركات ثنائية وتبادلات اقتصادية لا تعاني أزمة خانقة مقارنة بالمجالين السياسي والدبلوماسي، فضلا عن الانتقال المتبادل للمواطنين بين الدولتين".

وفي مايو الماضي، أمر تبون بوضع "حد نهائي" للعلاقات التعاقدية بين شركات جزائرية وما سماها بـ"كيانات أجنبية معادية للجزائر".

لم يتحدث تبون عن طبيعة هذه الكيانات، كما لم تنشر وكالة أنباء الجزائر الرسمية هذا الخبر، ولم تصدر الرئاسة أي تعليق، بينما توجهت الأنظار نحو المغرب، جار الجزائر والمنافس الإقليمي الكبير لها.

استبعاد "حرب الرمال"

وفي ظل هذا التهجم اللفظي، يبدو أن السبيل لوقف التوتر والتصعيد بين المغرب والجزائر لا يزال مبهما، وقد تحمل تطورات الأزمة بين البلدين احتمالات "غير سعيدة"، حسبما يقول التوراني.

وأضاف "ربما سنرى إعادة النظر سلبا في هذه العلاقة، مثل تجميدها وسحب السفيرين، وبالتالي دق آخر مسمار في نعش صرح الاتحاد المغاربي غير المفعل بسبب الأزمة بين الجزائر والمغرب". 

وإذا حدث ذلك، "فستتأكد وجهة نظر المتشائمين والحاقدين أنه (الاتحاد المغاربي) كيان ولد ميتا" وفقال للكاتب الصحفي المغربي.

أما الجزائر فقد تنظر في عدة قرارات مثل قطع العلاقات مع المغرب أو تخفيض بعثتها الدبلوماسية هناك أو فرض تأشيرات على المغاربة حسبما يقول بوخلاف الذي استبعد، إلى جانب التوراني، أن يصل تأزيم العلاقة إلى مواجهة عسكرية بين البلدين.

ويرى التوراني أن الذهاب نحو مواجهة عسكرية "تعيد للأذهان تاريخ حرب الحدود بين الجارين عام 1963، والتي يطلق عليها (حرب الرمال) أمر مستبعد". 

لكنه توقع إما أن تكثف "الجزائر آليتها الدبلوماسية والإعلامية ضد المغرب الذي سينشغل بدوره بنفس اللعبة، أو تحرك البوليساريو، التي يشرف عليها ضباط من الجيش الجزائري، لتنظيم عمليات وهجومات محدودة، مثلما حصل في واقعة إغلاق معبر الكركرات نهاية 2020"، على حد قوله.

وفي يناير الماضي، قصف الانفصاليون الصحراويون منطقة الكركرات العازلة في الصحراء الغربية، على الحدود المغربية الموريتانية، الواقعة تحت سيطرة المغرب، بينما قللت الرباط من أهمية الهجوم.

وجاء هذا القصف بعد نحو شهرين من إطلاق المغرب عملية عسكرية في منطقة الكركرات من أجل "إعادة إرساء حرية التنقل" المدني والتجاري في المنطقة، بعد إغلاق أعضاء من بوليساريو الطريق الذي تمر منه خصوصا شاحنات نقل بضائع نحو موريتانيا وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.