قاضيات تخشين انتقام المجرمين اللواتي حكمن عليهم بالسجن - صورة أرشيفية
قاضيات تخشين انتقام المجرمين اللواتي حكمن عليهم بالسجن - صورة أرشيفية

"لا يمكنهم رؤية والدتهم تُقتل"، بهذه العبارة تتحدث القاضية الأفغاني بيبي عن مخاوف أولادها من تصفيتها على يد طالبان، قائلة إن "قوات الحركة يعتقدون أن من حقهم العثور علي وقتلي، فهم لا يخافون شيئا".

وأوضحت بيبي، التي استخدمت اسمها الأول في حديث لشبكة "سي أن أن"، أنها اضطرت إلى مغادرة مكان عملها حين سقطت كابل، ولم تتمكن من العودة إلى مكتبها الذي يحتوي على جميع ملفات عملها ومعلوماتها الشخصية، بما في ذلك صورتها ورقم هاتفها وعنوان منزلها، وهو أكثر ما يرعبها.

بيبي، هي واحدة من 250 قاضية أمرت بعدم العودة إلى العمل من قبل طالبان التي ترعب هذه الفئة من النساء، اللواتي تخشين الانتقام من مجرمين سابقين حكمن عليهن بالسجن.

وبعد استيلاء طالبان على السلطة في منتصف أغسطس، هربت بضع عشرات من القاضيات من أفغانستان، بينما أجبرت من بقيت على الاختفاء، بحسب ما قالته القاضية فانيسا رويز من الرابطة الدولية للقضاة (IAWJ)، مقرها الولايات المتحدة.

نبيلة (طلبت عدم الكشف عن هويتها)، وهي قاضية أيضا، تتنقل وأسرتها من منزل إلى آخر كل بضعة أيام لتجنب تعقبها، لاسيما أنها تلقت تهديدات هاتفية بالانتقام والقتل بعد يومين على وصول طالبان إلى كابل، على حد قولها.

وقالت نبيلة: "لا نشعر بالأمان، نفس المجرمين الذين حكمنا عليهم بالسجن يسعون وراء حياتي وحياة عائلتي الآن".

وأطلقت حركة طالبان سراح جميع "السجناء السياسيين" في أفغانستان، بعد أيام من فرض سيطرتها على العاصمة كابل.

وأكد  زعيم حركة "طالبان"، هبة الله آخند زاده، حينها أن هذا القرار يطال كافة سجون البلاد، مطالبة جميع حكام الولايات بـ"إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين دون أي قيد أو شرط، وتسليمهم إلى أسرهم".

كما أن  جميع القضاة الذين عملوا في ظل الحكومة الأفغانية السابقة، ذكورا وإناثا، تم استبدالهم الآن بمعينين من قبل طالبان، بحسب ما قاله قاضيان للشبكة.

لكن رويز قالت إن القاضيات يخشين أن يجعلهن جنسهن أهدافا خاصة لنظام يعطي قيمة أكبر للرجال، لاسيما أن  العديد من القاضيات ترأسن أسوأ قضايا العنف ضد المرأة، بما في ذلك الاغتصاب والقتل والعنف المنزلي.

في المقابل، تعهدت "طالبان"، بعد سيطرتها على الحكم بعدم معاقبة خصومها السابقين وعدم التعرض للنساء، حيث شدد إنعام الله سمنغاني، مسؤول في طالبان، خلال تصريحات بثها التلفزيون الأفغاني الحكومي، في وقت سابق، على أن "الإمارة الإسلامية لا تريد أن تكون النساء ضحايا".

لكن كثيرا من الأفغان يخشون أن تعود طالبان لممارساتها القاسية السابقة المتصلة بفرضها ما تقول إنه أحكام الشريعة الإسلامية. ففي فترة حكم الحركة بين عامي 1996 و2001 لم يكن يسمح للنساء بالعمل، وكانت الحركة تطبق عقوبات مثل الرجم والجلد والشنق.

وتحاول نبيلة وبيبي وعائلاتهما مغادرة أفغانستان بمساعدة المنظمات بما في ذلك IAWJ، لكن التقدم بطيء، على حد قولهما.

وتشدد رويز على أنهم يبذلون كل ما في وسعهم، لكن مواردهم محدودة، داعية الدول الغربية إلى فعل المزيد.

وأكدت رويز أنه "يتعين على الحكومات أن تكون أفضل وأكثر مرونة وأكثر سخاء في السماح بدخول الأشخاص المعرضين للخطر في أفغانستان"، معتبرة أن "الولايات المتحدة على وجه الخصوص يجب أن تحاول مساعدة هؤلاء النساء، حيث مر العشرات من القضاة ببرنامج تعليمي قضائي تموله الحكومة الأميركية".

بدورها، تواصل الولايات المتحدة  إجلاء الأميركيين والأفغان من كابل، حتى بعد الموعد النهائي في 31 أغسطس.

وقال وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، في جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: "سنواصل مساعدة الأميركيين والأفغان الذين لدينا التزام خاص تجاههم على مغادرة أفغانستان إذا اختاروا ذلك (..) ليس هناك موعد نهائي لهذه المهمة".

وبالنسبة لمن تمكن الفرار من الجسم القضائي، تقول قاضية انتقلت إلى بولندا مع أفراد أسرته، إنها  اضطرت إلى الفرار من البلاد بعد أن حاولت طالبان تعقبها.

وقالت: "جاء خمسة من عناصر طالبان إلى منطقتي يسألون جيراني عني، عندها قررت الهرب والخوض في رحلة إجلاء صعبة من مطار كابل"، مضيفة: "لقد خسرت كل شيء الآن، مهنتي، منزلي، حياتي".

طائرة من أسطول الخطوط الجوية العراقية في مطار بغداد الدولي. إرشيفية.
طائرة من أسطول الخطوط الجوية العراقية في مطار بغداد الدولي. إرشيفية.

منذ قرن من الزمان، تمتعت المرأة العراقية بحقوق أكبر نسبيا من حقوق نظيراتها في أي من دول المنطقة، ما جعلها تتبوأ مكانة بارزة في مختلف مجالات الحياة. 

ورغم التحولات التي شهدها العراق في الأنظمة السياسية من الملكية إلى تأسيس الجمهورية، وصولا إلى صعود حزب البعث عام 1968، وما تلا ذلك، فإن المرأة العراقية لعبت دورا مهما في التنمية السياسية والاقتصادية للبلاد. 

بدأت الحركة النسوية الأولى في العراق في عشرينيات القرن الماضي عقب تأسيس الدولة العراقية، في عام 1921. 

وفي الدستور العراقي الذي صدر عام 1970، تقول المادة 19 إن جميع المواطنين متساوون أمام القانون بغض النظر عن الجنس، أو الدم، أو اللغة، أو الأصل الاجتماعي، أو الدين. 

وفي يناير 1971، صدّق العراق على المواثيق الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ توفر حماية متساوية للجميع بموجب القانون الدولي.  لكن أوضاع المرأة، والمجتمع العراقي عموما، تدهورت بسرعة منذ حرب الخليج عام 1991 بسرعة، وفقا لمنظمة "هيومان رايتس ووتش". 

وتأثرت النساء والفتيات خصوصا، بشكل غير متناسب بالعواقب الاقتصادية للعقوبات الدولية، وافتقرن إلى إمكانية الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم. وتفاقمت هذه الآثار جراء تدهور الوضع الاقتصادي والأمني في السنوات اللاحقة في البلاد. 

ورغم ذلك، بدأت النساء العراقيات في استعادة حقوقهن تدريجيا بعد العام 2003، بمساعدة الجهات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة التي تقول إنها "تعمل.. على تعزيز المشاركة السياسية للمرأة (العراقية) وقيادتها، ودعم التمكين الاقتصادي للمرأة، ووضع حد لجميع أشكال العنف ضد المرأة ...". 

والاثنين، أعلنت الخطوط الجوية العراقية أنها كرمت، رزين محمد الدوسكي، "بمناسبة ترقيتها إلى درجة ربان طائرة كأول امرأة عراقية تحمل هذه الصفة"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية (واع). 

وتعيد الدوسكي التذكير بنساء عراقيات قياديات برزن في مجالات مختلفة وساهمن في تمكين المرأة وتعزيز موقعها في المجتمع العراقي.

ويستعرض موقع "الحرة" بعضا من النساء العراقيات اللواتي برزن منذ ما يزيد على قرن من الزمان في مجالات مختلفة كالقضاء والصحافة والسياسة والنشاط الحقوقي. 

نزيهة الديلمي  

وعند الحديث عن القيادات النسائية العراقية، تبرز نزيهة الدليمي، كأول وزيرة في تاريخ العراق، وهي التي تعد ناشطة بارزة في الحركة النسوية التي شهدها العراق خلال القرن الماضي. 

الدليمي التي ولدت عام 1923 في بغداد، وتخرجت من كلية الطب في الأربعينيات، لم يمنعها عملها في الحقل الطبي من ممارسة النشاط الحقوقي بعد تأثرها بالأفكار اليسارية. 

ولم تكتف الدليمي بالدفاع عن قضايا المرأة، لكنها تعد شخصية بارزة في النضال من أجل الحرية والاستقلال والديمقراطية والتقدم الاجتماعي في العراق. 

ومن خلال عملها في عيادات بغداد ومحافظات أخرى في جنوب وشمال العراق، تعرفت على معاناة الناس، وخاصة أوضاع المرأة ومشاكلها الاجتماعية والصحية، التي تعيش في ظل عادات وتقاليد بالية، وفقا لمقال نشرته منظمة "ليبريشن"، وهي إحدى أقدم منظمات حقوق الإنسان في المملكة المتحدة. 

وفي عام 1952، أسست الدليمي منظمة نسائية باسم "رابطة المرأة العراقية" وباتت أول رئيسة لها. 

وبعد ثورة 14 يوليو 1958، التي أطاحت بالنظام الملكي، حصلت "رابطة المرأة العراقية" على الاعتراف الرسمي من الحكومة الجديدة. 

وتحت قيادة الدليمي، ارتفع عدد أعضاء الرابطة إلى 42 ألف عضوة من إجمالي عدد السكان في ذلك الوقت الذي كان يبلغ 8 ملايين. 

وحققت الرابطة العديد من المكاسب للمرأة العراقية، لا سيما قانون الأحوال الشخصية التقدمي رقم 188 لعام 1959 الخاص بوضع المرأة. 

وباتت الدليمي أول وزيرة في تاريخ العراق الحديث وأول وزيرة في الدول العربية بعد تعيينها وزيرة للبلديات في حكومة الرئيس الراحل، عبد الكريم قاسم عام 1959. 

وظلت في المهجر بعد توالي التغييرات السياسية في العراق حتى وفاتها عام 2007 لتعود لتدفن في بلادها بناء على وصيتها. 

سانحة زكي - الطب

في مجال الطب أيضا، تعد سانحة زكي أبرز رائدات هذا المجال في العراق بعد أن أصبحت "أول طالبة مسلمة في الكلية الطيبة"، بحسب صحيفة "المدى" المحلية. 

وتأسست الكلية الطبية في العراق عام 1927 ما يجعلها تسبق جامعة بغداد بحوالي 30 سنة. 

وبحسب الصحيفة، فإن زكي المولودة سنة 1920 في بغداد، جمعت في نسبها جميع أعراق العراق العربية والكردية والتركمانية. 

وتخرجت من كلية الطب عام 1943 قبل أن تستكمل دراساتها العليا في الدول الغربية وتعود لبلدها في الستينيات لتكون أول طبيبة عراقية. 

أمينة الرحال ـ المحاماة

تعد أمينة الرحال من أبرز رائدات الحركة النسوية في العراق. وكانت محامية وناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة. ورغم أنها ولدت في بيئة عراقية محافظة، فقد قررت التخلص من غطاء الرأس في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت أول امرأة عراقية، في الـ17 من العمر، تحصل على إجازة قيادة سيارة.

ولدت الرحال عام 1919 غربي بغداد، وكان والدها، علي صائب، ضابطا في الجيش العثماني برتبة قائمقام عسكري، وكان مديرا للمدرسة الحربية في أسطنبول.

بعد تخرجها من دار المعلمين، التحقت بكلية الحقوق، وأصبحت في عام 1943 أول امرأة تزاول المحاماة في العراق.

بولينا حسون - الصحافة

ليس ثمة تاريخ دقيق لميلاد حسون، بحسب موقع "ارفع صوتك"، ولكن من الراجح أنها ولدت في مدينة الموصل عام 1895 من أب عراقي موصلي وأم حلبية؛ هي شقيقة رائد تحرير المرأة في بلاد الشام الكاتب والمترجم إبراهيم الحوراني (1844 -1916م).

ومن المؤكد أن بولينا حسون، تأثرت جدا بأفكار خالها الذي سبق أن رعى تأسيس أول جمعية نسائية في سوريا العثمانية عام 1880 باسم "باكورة سورية".

أسست بولينا حسون أول مجلة نسائية في العراق في عام 1923 باسم "ليلى". وكانت تتناول مسائل جديدة آنذاك ومفيدة ذات صلة بالعلوم، والفن، والأدب، وعلم الاجتماع، وخاصة بتربية الأطفال وتعليم الفتيات، وصحة الأسرة، وغيرها من المسائل المتعلقة بالاقتصاد المنزلي، كما أوردت أخبارا عن الثقافة، والتعليم، وشؤون الأسرة.

واهتمت المجلة أيضا بالبحوث الطبية، والشعر، ونشرت أعمال الشعراء العراقيين المعروفين كالرصافي والزهاوي. 

صبيحة أحمد داود – القضاء

ولدت صبيحة أحمد داود في بغداد 1912. والدها الشيخ أحمد الداود وزير الأوقاف في العهد الملكي.

تخرجت من كلية الحقوق عام 1940، وكانت أول فتاة تكمل دراسة الحقوق وقد لقبها العراقيون بـ"الحقوقية الأولى"، وفق ما تشير مواقع عراقية متعددة.

مارست المحاماة لفترة وجيزة، ثم تم تعيينها في وزارة المعارف، ثم قاضية في محاكم بغداد عام 1956.

وفي عام 1958 تم تعيينها عضوة في محكمة الأحداث، واستمرت في هذه الوظيفة حتى أحيلت على التقاعد.

شاركت في مؤتمرات عدة عقدت داخل العراق وخارجه، منها المؤتمر النسائي العربي، عام 1932، والمؤتمر النسائي الذي عقد في بغداد، عام 1952 وغيرها، بالإضافة إلى مشاركتها في الجمعيات الخيرية، ومنها جمعية حماية الاطفال وجمعية الهلال الأحمر.

كما كانت لداود مساهمة فعالة في الصحافة العراقية ونشرت العديد من المقالات التي دعت إلى سفور المرأة ومطالبتها بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية واستمرت بذلك حتى وفاتها عام 1975.

وهي صاحبة كتاب "أول الطريق إلى النهضة النسوية"، تحدثت فيه عن بداية تجربتها الجامعية وهي تدخل كلية الحقوق عام 1936.