تركيا وإذربيجان
تركيا بدأت مناورات عسكرية مشتركة مع أذربيجان تحت مسمى "الإخوان الراسخون 2021"

منذ نحو عام هدأت أصوات المدافع جنوبي القوقاز، بعد اتفاق مفاجئ، واليوم يعود ذاك الهدير من جديد لكن بظروف مختلفة ومن جانب طرف لم يحظ بفرصة عسكرية آنذاك، في تطورات تقود إلى توتر جديد قد تقبل عليه المنطقة، لاسيما مع الحديث عن "معادلات إقليمية جديدة" قد تتضح ملامحها الكاملة قريبا.

ومنذ أيام يتصدر التوتر الحاصل بين إيران وأذربيجان مشهد آسيا الوسطى، بعد إطلاق الأولى مناورات عسكرية تحت اسم "فاتحو خيبر"، وبينما تقول طهران إنها ترتبط بحماية حدودها الشمالية والغربية، أبدت باكو استغرابا بشأن الغاية منها والتوقيت الذي جاءت فيه، خاصة بعد فرضها رسوم على الشاحنات الإيرانية التي كانت تدخل إلى أرمينيا "بشكل غير قانوني".

وما بين الموقفين اللذان أججا التوتر دخلت قبل أيام تركيا على الخط، حيث أعلنت بدء مناورات عسكرية مشتركة مع أذربيجان تحت مسمى "الإخوان الراسخون 2021"، وعلى الرغم أنها اعتيادية وسبقتها خطوات مشابهة، إلا أن محليين وباحثين أشاروا إلى أنها تحمل دلالات و"رسائل مشفرة". 

ومن المفترض أن تستمر المناورات حتى الثامن من أكتوبر الحالي، واللافت أن تنفيذها يتم على الحدود الأذربيجانية – الإيرانية أيضا، والتي كانت باكو قد وضعت قدما فيها بموجب الاتفاق الأخير مع أرمينيا.

وتشير التصريحات الإيرانية التي خرجت من أعلى المراتب السياسية إلى غضب طهران من علاقات أذربيجان الوثيقة مع إسرائيل، وتزويد تل أبيب لباكو بأسلحة حديثة بما في ذلك الطائرات المسيّرة.

لكن على الطرف المقابل هناك من يرى أن التوتر الحاصل له خلفيات غير معلنة أيضا، في مقدمتها "ممر باكو- ناختشيفان"، والذي يقطع طرق إيران البرية باتجاه أرمينيا وأوروبا وجورجيا، على عكس الفوائد التي تجنيها أنقرة من خلاله، رغم أنه صغير جدا من حيث الطول الحدودي. 

وتوجد خلفيات أخرى تتعلق بالدور التركي المتعاظم في المنطقة على حساب دور طهران، والذي بدا وكأنه "خارج اللعبة"، منذ سيطرة أذربيجان على إقليم "ناغورنو قره باغ"، بعد تفاهمات روسية- تركية فقط. 

"خريف ساخن"

ضمن المعطيات المفروضة على أرض الواقع لا يلوح في الأفق أي "حل وسط" قد تتوصل إليه طهران وباكو بشأن القضايا العالقة بينهما، والتي تعرف بأنها ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات طويلة مضت. 

وتعتبر المناورات التي أجرتها إيران على حدودها الشمالية والغربية مع أذربيجان الأولى من نوعها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وتحاول من خلالها، بحسب محللين، بعث رسائل إلى جارتها الشمالية.

وبينما أكدت إيران في الأيام الماضية أن المناورات "أمر سيادي ومن أجل السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها"، واتهمت باكو بمحاولة التأثير على حركة التجارة بينها وبين أرمينيا، نفت الأخيرة ذلك، وألمحت إلى أسباب أخرى تفتعلها إيران للتصعيد. 

أما تركيا الحليفة الوثيقة لأذربيجان فلم يصدر عنها أي تعليق رسمي حتى الآن، سواء حيال التصعيد القائم أو الأسباب التي دفعتها لتنفيذ المناورات المتزامنة.

لكن وبعيدا عن الرواية غير الرسمية لم تخف شخصيات تركية حقيقة ما يحصل، من بينها الكاتب المقرب من الحكومة التركية، إبراهيم قراغول، والذي أشار بدوره عبر "تويتر"، قبل يومين، إلى أنه يجب فتح "ممر باكو- ناختشيفان" على الفور، وقال: "يجب منع إيران من تقسيم العالم التركي". 

"أكبر من بعد سياسي واستراتيجي"

الباحث السياسي التركي، طه عودة أوغلو، يرى أن المناورات التركية الحالية تحمل "أكثر من بعد سياسي واستراتيجي، ويمكن وصفها بالرسائل المشفرة إلى إيران التي شهدت علاقاتها توترا  كبيرا خلال الأيام الماضية مع أذربيجان".

ويقول عودة أوغلو لموقع "الحرة": "يبدو واضحا من أن التوتر المتصاعد عند الحدود الإيرانية مع أذربيجان قد يؤدي إلى ترتيبات عسكرية جديدة في المنطقة، خصوصا مع احتمال دخول لاعبين جدد إلى الصراع الدائر في منطقة القوقاز".

ويضيف مستدركا: "هذا لا يعنى بالضرورة انزلاق المنطقة لمنعطف خطير، على الرغم من التطورات الحرجة التي طرأت على مسار العلاقات التركية الإيرانية خلال الساعات الماضية". 

ويبقى الموقف التركي (الداعم) لأذربيجان "صمام أمان" لمنع حدوث مواجهة عسكرية بين باكو وطهران، بحسب الباحث مشيرا: "حيث تدرك إيران بأنها في حال قيامها بأي عمل عدائي (تجاه أذربيجان) فهي تعلم أن باكو لن تكون بمفردها".

وعن احتمالات السياسة التركية خلال المرحلة المقبلة على صعيد علاقاتها مع القطبين الكبيرين في العالم، يتابع عودة أوغلو: "هو الرهان على تطورات الصراع الدائر بين إيران وأذربيجان". 

"تركيا أحد المشاكل" 

ترتبط باكو بأنقرة بعدة اتفاقيات أمنية، وسبق وأن زارها الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان بعد المعارك الأخيرة ضد أرمينيا، وأعلن مرارا أن بلاده ستواصل تقديم الدعم الأمني والعسكري. 

وفي ديسمبر 2020 كان إردوغان قد ألقى أبياتا من قصيدة "آراز آراز" الشعرية خلال "احتفال النصر" في أذربيجان، وهو ما فجر أزمة دبلوماسية بين أنقرة وطهران.

ورغم سرعة تلاشي تلك الأزمة إلا أنها كشفت عن "توتر دفين" يكنه الطرفان لبعضهما.

توران غفارلي باحث مساعد في "مركز البحوث العالمية TRT" يقول إن إيران تتخوف من زيادة الوجود التركي في المنطقة، وهي نقطة تعتبر "أحد مشاكل طهران".

ويضيف الباحث في تصريحات لموقع "الحرة": "عادت تركيا إلى المنطقة كلاعب نشط بعد تقديم دعم كبير لأذربيجان خلال حرب قره باغ العام الماضي. لذلك أصبحت ثاني أقوى ممثل دولي في القوقاز على طول روسيا". 

ويرى غفارلي أن تعاظم الدور التركي في المنطقة "يعتبر غير مقبول بالنسبة لإيران لأنها تقلل من قوتها"، مشيرا: "إذا نجحت أرمينيا في إعادة فتح الحدود التركية، فستخلق هيمنة أقوى لتركيا وستكون خسارة لإيران". 

ومن ناحية أخرى يقرأ الباحث التركي التصريحات التي تقول بأن "طهران لن تسمح بتغيير حدودها" على أن ذلك "يرجح حقيقة أن أذربيجان وتركيا مهتمتان بفتح ممر زانجيزور الذي سيمر عبر أرمينيا ويربط أذربيجان بجمهورية ناكشيفان المتمتعة بالحكم الذاتي". 

ويوضح قوله: "من خلال هذا الممر سيكون لتركيا أيضا صلة مباشرة بباكو تتخطى إيران. في هذه الحالة ستفقد إيران نفوذها الاستراتيجي ودخلها العابر والضغط على أذربيجان وأرمينيا".

وتأتي قضية تغيير الحدود من الممر المذكور "لأن إيران لا تريد أن ترى ممرا تركيا في حدودها الأرمنية". 

لكن ومع ذلك يتابع الباحث: "فإنهم يتصرفون بنفاق لأن حدودهم قد تم تغييرها بالفعل في السنوات الثلاثين الماضية بسبب الاحتلال الأرميني في كاراباخ". 

"الحل العسكري قائم" 

في تصريحات سابقة لموقع "الحرة" قال المحلل السياسي الإيراني حسين رويران إن بلاده "ترفض أي تغيير في المناطق الحدودية مع دول الجوار"، مضيفا أن "أذربيجان وبمساعدة من تركيا تحاول أن تحتل الحدود الأرمينية مع إيران لتفتح ممرا بين تركيا وبين أذربيجان".

وأضاف رويران أن هذا الإجراء يعني "عمليا قطع الاتصال البري بين إيران وأرمينيا الذي يعد أحد الطرق الرئيسية للتجارة الإيرانية مع أوروبا".

ويشير إلى أن "استقرار القوات الإيرانية في المنطقة يأتي للحيلولة دون تغيير الحدود في هذه المنطقة فقط".

ولم يستبعد المحلل الإيراني لجوء طهران إلى الحل العسكري بالقول: "لا أتصور أن إيران تمزح عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي"، مشددا أنه في حال "تمادي أذربيجان في المسائل المتعلقة بالحدود فإنها ستواجه برد عسكري".

"الرد بالمناورات"

منذ انتهاء معارك ناغورنو قره باغ في نوفمبر 2020 انتقدت وسائل الإعلام القريبة من السلطة في إيران نفوذ تركيا المتزايد في المنطقة، وأشارت إلى أن أنقرة تهدف إلى قطع صلة إيران بأرمينيا.

وتخشى إيران أن يؤدي الممر المعروف باسم "ممر زانجيزور" والمخطط لربط ناختشفان بأذربيجان إلى قطع الاتصال البري بين إيران وأرمينيا.

وعلى الرغم من تسجيل إنشاء هذا الممر في اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة عبر روسيا العام الماضي، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه حتى الآن.

وبحسب الباحث توران غفارلي فإن التدريبات العسكرية الحالية بين تركيا وأذربيجان "هي مثال جيد للرد على التدريبات الإيرانية في شمال بلادهم".

ويضيف: "يمكننا أن نتذكر أنه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي أرسلت إيران زوارق ضد السفن الأذربيجانية في بحر قزوين، مهددة باكو. في ذلك الوقت حلقت الطائرات المقاتلة التركية فوق باكو وأرسلت رسالة إلى طهران مفادها أن باكو ليست وحدها. نحن نرى الشيء نفسه الآن أيضا". 

بدوره يقول روفيز حافظ أوغلو رئيس مكتب المشاريع الخارجية بوكالة "ترند" في أذربيجان إن "المشاكل الموجودة بين إيران وأذربيجان ليست جديدة وتعود إلى بداية استقلال الأخيرة".

ويضيف لموقع "الحرة": "بعد عملية السلام الأخيرة رأينا أن الشاحنات الإيرانية تنقل المواد والأسلحة إلى أرمينيا، وعلى الرغم من الحديث مع طهران بالطرق الدبلوماسية، إلا أنها استمرت في هذه الخطوة".

واعتبر حافظ أوغلو أن العلاقات بين تركيا وأذربيجان "فوق جميع العلاقات"، مشيرا: "باكو وأنقرة لا تريدان حربا جديدة. التوتر قد يتصاعد لكن لن يصل إلى حرب". 

ما المتوقع؟ 

أمام ما سبق من تطورات يزور وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان العاصمة الروسية موسكو، ونقلت وسائل إعلام إيرانية قوله خلال مؤتمر صحفي مع نظيره سيرغي لافروف: "لن نقبل بأي تغيير للحدود في جنوب القوقاز". 

وحتى الآن لم يصدر أي تعليق روسي عما يحصل على الحدود الإيرانية- الأذربيجانية، خاصة أن موسكو لها اليد الطولى في المنطقة، بحسب محليين. 

ولا يتوقع الباحث التركي، توران غفارلي أن يتصاعد التوتر بين البلدين على المدى القصير. 

ويقول: "حتى الآن لم تتهم إيران تركيا بشكل مباشر، بل اتهمت أذربيجان وإسرائيل فقط".

ويضيف غفارلي في تعليقه على زيارة عبد اللهيان إلى موسكو: "أتوقع أن تحل القضية بين أذربيجان وإيران بتدخل روسي. لكن على أي حال، أنا متأكد من أن تركيا ستتدخل للدفاع عن المصالح الأذربيجانية". 

من جهته يشير الباحث المهتم بالعلاقات الروسية التركية، باسل حاج جاسم، إلى أن "روسيا لاعب رئيسي في جنوب القوقاز، وتربطها علاقات مميزة مع كل من أذربيجان وأرمينيا، مع اختلاف في شكل كل علاقة".

ويقول الباحث لموقع "الحرة": "بدأ اليوم يظهر تأثير انتصار أذربيجان في الحرب الأخيرة على علاقتها مع إيران".

ويضيف حاج جاسم: "على الرغم من أن موسكو وطهران تتمتعان بعلاقات جيدة في الآونة الأخيرة، فإنهما في حالة تنافس منذ قرون، ولم تسلم روسيا من الانتقادات الإيرانية، في ظل اتهامات لها بتجاهل الدور الإيراني، وعقد صفقة مع أنقرة حول قره باغ بعيدا عن طهران".

القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)
القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التغير المفاجئ في موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، والتي من المقرر أن تنطلق السبت في سلطنة عمان.

ووفقا لمسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقد ضغط كبار المسؤولين الإيرانيين على خامنئي من أجل السماح بالتفاوض مع واشنطن بحجة أن خطر اندلاع الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد قد يؤديان إلى إسقاط النظام.

وقال هؤلاء المسؤولون إن القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي للرد على دعوة الرئيس الأميركي لخامنئي للتفاوض بشأن البرنامج اللنووي الإيراني.

وحضر الاجتماع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفقا لما ذكره مسؤولان إيرانيان كبيران مطلعان على تفاصيل الاجتماع.

وبحسب الصحيفة فقد تضمنت الرسالة الواضحة والصريحة التي أبلغوها لخامنئي السماح لطهران بالتفاوض مع واشنطن، حتى ولو بشكل مباشر إن لزم الأمر، لأن البديل هو احتمال إسقاط حكم الجمهورية الإسلامية.

وحذر المسؤولون الإيرانيون من أن خطر اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل جدي للغاية، وأبلغوا خامنئي بأنه إذا رفضت إيران الدخول في محادثات أو فشلت المفاوضات، فإن الضربات العسكرية على اثنين من أهم المواقع النووية في إيران، وهما نطنز وفوردو، ستكون حتمية.

وقال المسؤولون لخامنئي إن إيران ستكون مضطرة عندها للرد، مما سيعرضها لخطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا، وهو سيناريو من شأنه أن يُفاقم تدهور الاقتصاد ويؤجج الاضطرابات الداخلية، مشددين أن القتال على جبهتين، داخلية وخارجية، يُشكل تهديدا وجوديا للنظام.

وفي نهاية الاجتماع الذي استمر لساعات، تراجع خامنئي عن موقفه، ومنح الإذن بإجراء محادثات، تبدأ بشكل غير مباشر عبر وسيط، ثم مباشرة إذا سارت الأمور بشكل جيد، بحسب ما ذكره المسؤولان.

وكان ترامب أصدر إعلانا مفاجئا، الاثنين، قال فيه إن واشنطن وطهران تعتزمان بدء محادثات في سلطنة عمان، التي توسطت بين الغرب وطهران من قبل.

وخلال ولايته الأولى، قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين قوى عالمية وطهران. وأدى رجوعه إلى البيت الأبيض إلى إعادة اتباع نهج أكثر صرامة مع إيران التي ترى إسرائيل حليفة واشنطن أن برنامجها النووي يشكل تهديدا لوجودها.

وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل في شتى أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل إيران، إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة عقب هجوم شنته حركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، على إسرائيل في أكتوبر 2023.

ومنذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي المبرم في 2015، والتي دعمها سلفه باراك أوباما ووافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، عملت طهران على تخصيب مخزون من اليورانيوم يكفي لإنتاج رؤوس نووية بسرعة نسبيا.