An unidentified companion takes picture of Emirati singer Walid Aljasim with a backdrop of the Al-Aqsa mosques compound, Islam…
معاهدة إبراهيم فتحت أفاقا واسعة لشعوب إسرائيل والإمارات والبحرين

لم تتوقع الشابة البحرينية أسماء العطوي أن يتحول فضولها بالثقافة اليهودية واهتمامها باللغة العبرية إلى تأسيس مشروعها الخاص بالمنامة: أكاديمية "شيموت" لتعليم اللغة العبرية. 

تقول العطوي لموقع قناة "الحرة" إن هناك طلبا متزايدا على تعلم اللغة العبرية في البحرين في أعقاب توقيع معاهدة إبراهيم، مما دفعها لافتتاح الأكاديمية التي تعني بالعبرية "أسماء". 

وأتاحت المعاهدة التي وقعت في صيف العام 2020 برعاية الولايات المتحدة، المجال أمام تعاون وثيق بين شعوب الإمارات والبحرين وإسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالتبادل الثقافي بينهم. 

تؤكد العطوي شغفها باللغة العبرية والثقافة اليهودية منذ 10 أعوام سابقة. ورغم أن البحرين لا تملك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في ذلك الوقت، إلا أنها أصرت على تعلم اللغة العبرية. وأشارت إلى أن فضولها لا يقتصر بتحدث هذه اللغة وسبر أغوارها، بل يشمل أيضا اهتمام بالديانة ككل، فضلا عن العادات والتقاليد اليهودية.

وأضافت أنها التحقت بجامعة عين شمس في مصر لدراسة تخصص اللغة العبرية وآدابها وحصلت على شهادة البكالوريوس "لأكون أول بحرينية تحمل شهادة هذا التخصص".

في ضوء الاتفاقيات الإبراهيمية، بدأت العطوي مشروعها الجديد خلال يناير من العام الحالي. وقالت إن أكاديميتها الخاصة "توفر دورات تعليمية في اللغة العبرية لجميع المستويات بالتعاون مع معاهد عريقة وأساتذة مؤهلين من دولة إسرائيل، كما توفر أيضا خدمات الترجمة الفورية والتحريرية".

وتابعت: "رسالتي هي الارتقاء بالمدارك المعرفية والثقافية من خلال تعلم لغة جديدة. ومع توقيع اتفاقيات إبراهيم أصبح هناك تزايد في طلب تعلم اللغة وكل له هدفه في تعلمها".

مبادرة شبابية

كانت الفتاة البحرينية تتحدث إلى موقع "الحرة" بالتزامن مع زيارتها إلى إسرائيل مع وفد بحريني يتبع للمركز الخليجي للريادة الاجتماعية "شراكة".

وشراكة هي مبادرة تأسست على يد نشطاء من الشباب في إسرائيل والإمارات والبحرين في نوفمبر من العام الماضي، وذلك بهدف تبادل التواصل الثقافي بين شعوب تلك الدول وتعزيز الروابط والتعاون بين مجتمعاتها.

و"تأسست شراكة، التي تعني الشراكة، من قبل قادة شباب من إسرائيل والخليج لتحويل رؤية السلام بين الشعوب إلى حقيقة واقعة. كما تنشر شراكة رسائل التسامح وتصد التحريض وتلهم جمهورها الواسع لاحتضان الواقع الجديد في الشرق الأوسط" كما يقول المركز عبر موقعه الإلكتروني.

تقول مستشارة الإعلام بمنظمة شراكة والأستاذة المساعدة بالجامعة الأميركية في الإمارات، نجاة السعيد، إن "اتفاقية السلام الدافئة هي التي تحرص على السلام بين الشعوب وليس بين الحكومات"، مضيفة أن شراكة تعمل على تعزيز التواصل الثقافي بين شعوب دول إبراهيم.

وذكرت السعيد في حديثها لموقع قناة "الحرة" أن اتفاقيات السلام العربية السابقة مع إسرائيل كانت بين الحكومات ولم تكن الشعوب جزءا منها.

وفد بحريني تابع لمنظمة شراكة زار إسرائيل هذا الشهر

ويتفق الباحث غير المقيم في مركز "بيغن" للدراسات الاستراتيجية، فرانك مسمار، مع هذا الرأي بقوله إن "عمليات السلام السابقة لم تكن ثقافية، بل أمنية من جانب الأردن ومصر للحفاظ على الحدود فقط".

وأبرمت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل في العام 1979، ولحقتها الأردن في ذات الاتجاه العام 1994. وكلا البلدان يرتبط بحدود برية مع إسرائيل.

يرى مسمار في حديث لموقع "الحرة" أن الإماراتيين والبحرينيين يمكنهم التعايش على المستوى الشعبي مع إسرائيل، على اعتبار أن الدولتين لم تخضان حروبا مع إسرائيل ولا يوجد "دراما" لمعاداة الدولة الإسرائيلية.

من جانبها، تقول السعيد إن "الهدف الأساسي (من شراكة) التقريب بين الشعوب. كنا لعقود منقطعين والآن نسعى للتعرف على ثقافات بعضنا البعض. تبادل الثقافات أساس التقريب بين الشعوب".

تقيم المنظمة غير الحكومية فعاليات اجتماعية مختلفة احتفالا بالمناسبات اليهودية والإسلامية. كما ترسل وفودا خليجية إلى إسرائيل وإسرائيلية إلى الخليج. وأوضحت السعيد: "احتفلنا بالأعياد اليهودية والمسلمة وتبادلنا الثقافات والعادات والتقاليد ... تعلمنا حتى تفاصيل الأكل اليهودي".

تعليقا على مبادرة شراكة تقول العطوي وهي عضو في المنظمة أيضا، "شراكة منظمة غير ربحية أسسها عدد من النشطاء الاجتماعيين الشباب من إسرائيل، الإمارات والبحرين. حيث تهدف للتعاون ما بين الشعوب، وإنشاء الفرص للتعاون على جميع المستويات".

مركز أبحاث للسلام

كما تهدف المبادرة وفقا للعطوي، لتقريب الشعوب والتبادل الثقافي.  وتعتقد الشابة البحرينية أن وجود اتصال قوي ما بين شعوب الاتفاقيات الإبراهيمية مهم جدا. وتقول إن ذلك "من شأنه تعزيز الاتفاقيات على مستوى الشعوب، حيث إن التواصل الثقافي يعزز رسائل السلام عبر المحادثات والتعاون على جميع المستويات".

وتذهب السعيد في اتجاه مماثل بقولها إن "الإنسان عدو ما يجهل ... العداء سيبقى موجودا حال عدم معرفة الشعوب ببعضها البعض في ظل الصوت العدائي والحملات التي استمرت لعقود والتي غرست الكراهية طوال تلك السنوات".

إلا أن طموح القائمين على منظمة شراكة يبدو أنه لا يقتصر على التبادل الثقافي، بل أن المشروع آخذ في التوسع مع وجود نظرة مستقبليه للشركاء المؤسسين.

يقول مسمار إنهم أضافوا بـ "شراكة سكولر فورم"، وهو منتدى علمي تعتزم شراكة إطلاقه في مارس المقبل، موضحا أنهم باتوا ينظرون للفكرة على أسس أكاديمية علمية من خلال إيصال أهمية السلام وفوائده المرجوة على الشعوب بناء على البحث العلمي.

يردف قائلا: "شراكة هي فكرة ممتازة لها تقدم مستقبلي هائل في العلاقات ما بين شعوب اتفاقيات إبراهيم ... نحن في مرحلة لأخذ شراكة لخطوة مستقبلية أخرى بعد أن بدأت بفكرة صغيرة تتمثل بالتواصل الثقافي والاجتماعي بين شباب البحرين والإمارات وإسرائيل".

وفقا لمسمار، فإن شراكة ستنظم منتدى علمي يشارك فيه 15 أكاديمي في مجالات مختلفة للنقاش عن أهمية التعايش الاجتماعي كل حسب اختصاصه.

بدورها، توضح السعيد، وهي المستشارة الإعلامية لمنظمة شراكة أن "شراكة سكولر فورم" سيدرس أثر الاتفاقيات الإبراهيمية على التنمية في الدول، وسيناقشها من عدة جوانب أبرزها المسائل الجيوسياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى التكنولوجيا والبيئة والصحة والرياضة وحتى المجال الدفاعي والعسكري.

ودللت السعيد على أهمية نقاش فوائد عملية السلام بنجاح زيارة وفد شراكة للولايات المتحدة في نوفمبر الماضي. وقالت: "زرنا عدة منظمات يهودية أميركية ونجحنا بالترويج للسلام ... تحدثنا عن تأثير اتفاقيات التعاون الثنائية من كافة النواحي".

من ناحية ثانية، يرى مسمار أن المنطقة عانت لفتة طويلة من الخلافات المتجذرة بطرق موروثة أدت لعدم تقدم كثير من الدول، مضيفا: "هناك مؤيدون وبالتأكيد هناك معارضين ... يجب أن يعرف هؤلاء التطور الاقتصادي ومدى انعكاسه على حياة الأفراد، بالإضافة إلى التطور العلمي في المجال الطبي ... هذه ليست آراء فقط، بل تحليلات علمية مبنية على مستندات وحقائق".

ويذهب مسمار وهو عضو مؤسس في "شراكة سكولر فورم"، إلى نقطة أبعد. ويقول إن شراكة قد تكون نقطة لتأسيس مركز أبحاث متخصص في مواضيع السلام بهدف نشر دراسات أكاديمية تشرح فوائد السلام المستقبلية من منظور علمي وأكاديمي.

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.