القارة الأفريقية تشهد 4 انقلابات في عام 2021
القارة الأفريقية تشهد 4 انقلابات في عام 2021

خلال أقل من عام، شهدت القارة الأفريقية أربعة انقلابات عسكرية، كان آخرها استيلاء العسكر على السلطة في السودان، وهو ما اعتبره مراقبون عودة القارة إلى المربع الأول بعد سنوات من الاستقرار السياسي.

استولى القادة العسكريون على الحكم في غينيا وتشاد ومالي على السلطة، وأُحبطت محاولات انقلابات عسكرية هذا العام في كل من مدغشقر وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر.

بالإضافة إلى هذه الانقلابات، تشهد عدد من دول القارة أزمات سياسية واقتصادية حادة؛ فتعاني تونس من أزمة سياسية بعد قرارات الرئيس قيس سعيد تجميد عمل البرلمان وحل الحكومة، وتستمر الحرب في ليبيا بعد 10 سنوات من اندلاع الثورة في 2011.

يقول جوناثان باول، الأستاذ المساعد في جامعة سنترال فلوريدا والخبير في الانقلابات، لصحيفة وول ستريت جورنل، إن الرقم هو الأعلى منذ 1980، حين حصلت البلدان الأفريقية على استقلالها عندما استولى الجنرالات والسياسيون على السلطة. 

"وباء الانقلاب العسكري"

والنتيجة هي ما أسماه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، "وباء الانقلاب العسكري" في خطاب ألقاه في أعقاب انقلاب الجيش على المكون المدني في السودان. ودعا غوتيريش مجلس الأمن الدولي إلى التحرك، وقال: "يشعر بعض القادة العسكريين أنهم يتمتعون بإفلات كامل من العقاب".

يقول الدبلوماسي الأميركي السابق في السودان، كاميرون هدسون، إن "الوضع في القارة أصبح خطيرا للغاية، ويعكس العالم متعدد الأقطاب الذي نعيش فيه، لأن العديد من البلدان لها تأثير سياسي واقتصادي على الدول الأفريقية".

وأضاف هدسون، الباحث في المجلس الأطلسي، في تصريحات لموقع قناة "الحرة" "ما نشهده ليس الحرب الباردة فحسب، بل العالم الثنائي القطب".

لكن هدسون أشار، في الوقت ذاته،  إلى وجود تقدم وانتخابات ديمقراطية وانتقال سلمي للسلطة في بعض الدول الإفريقية.

وقال الرئيس الكيني، أوهورو كينياتا، خلال اجتماع افتراضي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، نهاية الشهر الماضي، إن إفريقيا في مفترق طرق؛ تستعد من ناحية لجني الفوائد الاقتصادية بفضل سكانها الشباب والإصلاحات الاقتصادية، لكنها تواجه انتشار الإرهاب والتمرد من ناحية أخرى، وهو ما يمثل تحديا لكل الدول الـ54 في القارة تقريبا.

وأشار رئيس غانا، نانا أكوفو أدو، إلى التهديدات المتعددة لسلامة الأراضي الإقليمية لبعض الدول الأفريقية، حيث يواجه العديد من المدنيين تهديدات خطيرة، وعدم الاستقرار في بعض الدول، وهو واقع تضافعه مصالح الجهات الفاعلة المختلفة، ليس فقط داخل مناطق الصراع، ولكن أيضا من خارج القارة.

وقال كينياتا، الذي تتولى بلاده رئاسة المجلس هذا الشهر وترأست الاجتماع، إن الأوضاع تفاقمت بسبب الارتفاع الأخير في الانقلابات "التي اعتقدنا أننا تركناها وراءنا"، والجائحة التي أدت لتراجع المكتسبات الاقتصادية "وأغرقت عددا كبيرا من الأفارقة في الفقر الذي نجوا منه بعد العقدين الأخيرين من النمو الاقتصادي".

وعاد الصراع إلى منطقة القرن الأفريقي مع تفاقم أزمة إقليم تيغراي، وتحدثت تقارير عن تقدم جبهة تحرير تيغراي نحو العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بعد سيطرتها على مدينتين استراتيجيتين، ديسي وكومبولشا.

وأكد الباحث في الشأن الأفريقي، عبد الرحمن السيد، في تصريحات لموقع "الحرة" أن ما يحدث في منطقة القرن الأفريقي تغير خطير يؤثر على استقرار المنطقة، لأن السودان وأثيوبيا من أكبر دول القارة.

تأتي عودة القادة العسكريين الأقوياء في أفريقيا جنوب الصحراء بعد عقد من احتجاجات الربيع العربي في الشرق الأوسط، عندما كان كثيرون يأملون أن تترسخ الديمقراطية في هذه المنطقة التي سيطر عليها الجنرالات لعقود. وتأتي، أيضا، بعد ثلاثة عقود من انتقال العديد من دول أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا من الحكم العسكري إلى الديمقراطي.

مرتزقة فاغنر

ويرى دبلوماسيون ومحللون أن أحد الأسباب الرئيسية لتصاعد الانقلابات في أفريقيا هو رغبة عدد من القوى الدولية في التعامل مع الأنظمة الاستبدادية، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال.

وأشارت الصحيفة إلى روسيا، التي توسع نفوذها في القارة من خلال بيع الأسلحة، ومجموعة مرتزقة فاغنر التي اتهمتها الأمم المتحدة بارتكاب انتهاكات في جمهورية أفريقيا الوسطى التي تشهد نزاعا مستمرا.

كما اتهم وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، الشهر الماضي، مرتزقة فاغنر الروسية الخاصة بـ "الحلول مكان" سلطة الدولة في أفريقيا الوسطى، وتجريدها من قدرتها المالية. 

وقال لودريان في برنامج على شبكة "فرانس 5" إنه "عندما يدخلون دولة ما يضاعفون الانتهاكات والابتزازات والانقضاض أحيانا، من أجل الحلول مكان سلطة البلد"، مشيرا إلى أن "المثال الصارخ هو جمهورية أفريقيا الوسطى حيث تصادر القدرة المالية للدولة".

ودائما ما تنفي موسكو هذه الاتهامات، لكن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اعترف بشكل غير مباشر في تصريحات نهاية سبتمبر الماضي، بوجود مرتزقة فاغنر في مالي.

وأضاف أن مالي هي من طلبت من شركات روسية خاصة تعزيز الأمن فيها، مشددا أن لا علاقة لموسكو بذلك.

يقول السيد إن المرتزقة سبب ثانوي في عودة الانقلابات، لكنها تجد الاضطرابات أرضا خصبة لكسب المال.

وتقول فيرجيني بوديس، الخبيرة في منطقة الساحل الأفريقي في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن "الافتقار إلى ردود حازمة ومنسقة ساعد القادة العسكريين على البقاء في السلطة. على النقيض من ذلك، فقد واجه قادة الانقلاب في النيجر في عامي 1999 و2010 تخفيضات كبيرة في المساعدات الدولية، واضطروا إلى التراجع".

 تدفق اللاجئين

كما أرجع عبد الرحمن السيد حدوث الإنقلابات إلى غياب آلية في الاتحاد الأفريقي لمنعها، بالإضافة إلى تفشي الفساد والبطالة والأزمات الاقتصادية، وهشاشة مؤسسات الدولة الديمقراطية.

أما الدبلوماسي الأميركي السابق فيجد رابطا بين التركيبة السكانية لأفريقيا، حيث إن متوسط العمر 19 سنة وظاهرة الإنقلابات، مشيرا إلى أن "هؤلاء الشباب يريدون العيش في مجتمعات ديمقراطية منفتحة ومتقدمة اقتصادية، ويضغطون على الأنظمة الديكتاتورية في بلادهم للتغير، وعندما تفشل الأنظمة في ذلك تأتي الانقلابات وعدم الاستقرار السياسي وهو أسو".

وبالنسبة لتأثير ما يحدث على العالم، يقول السيد إن حدوث اضطرابات في منطقة القرن الأفريقي قد يؤثر على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي تأخر تدفق المنتجات إلى أوروبا والعالم، وهو ما قد يسبب أزمة اقتصادية عالمية.

ولفت إلى أن انتشار الاضطرابات في هذه الدول يدفع الشباب إلى الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا هربا من الحرب والصراعات.

ويقول هدسون: "إذا لم يتمكن الناس من العيش بسلام والحصول على وظائف، فسيحاولون الذهاب إلى مكان ما حيث يمكنهم ذلك".

الملابس الصينية السريعة

توفر شركات الموضة الصينية منتجات شبيهة بأحدث منتجات دور الأزياء العالمية، بأسعار زهيدة مغرية. لكن السؤال: هل يمكن تحمل تكاليفها؟

يقول إينار تنجين، الخبير في الشأن الصيني، إن شركات الأزياء الصينية تلاحق آخر صيحات الموضة، وتقدم منتجا يشبه ما يراه الناس في عروض الأزياء في نيويورك أو ميلان، على سبيل المثال، وبسعر متاح على نطاق واسع، رغم أن المنتج ليس بنفس الجودة.

لكن الجودة، هنا، لا تتعلق بمتانة المنتج أو تميزه حِرفيا، فحسب.

جويل الحج موسى أعدت تحقيقا لبرنامج "الحرة تتحرى" فتح ملف الأزياء الصينية ووجد حقائق صادمة.   

السموم

تعتمد كبريات علامات الأزياء الصينية، بشكل كبير، على الألياف الصناعية ـ البوليستر والنايلون والاكليريك ـ وموادة مستخلصة من البتروكيمياويات.

تشكل المواد الداخلة في صناعة تلك الأقمشة ـ وفق دراسة لمؤسسة "Plastic Soup" ـ خطرا كبيرة على صحة المستهلك.

ما يقرب من 70 في المئة من ملابس علامات الأزياء التجارية الصينية، ومعظم المفروشات والستائر والسجاد مصنوعة البوليستر والنايلون والأكريليك، وبمجرد استنشاقها، وفق الدراسة، يمكن للألياف الاصطناعية أن تخترق أنسجة الرئة وتسبب التهابا مزمنا. 

وتربط تقارير علمية بين المواد الصناعية المستخدمة في صنع الأقمشة بأمراض مثل السرطان وأمراض القلب والربو والسكري. 

ويمكن لجزيئات تلك المواد أن تصل، إذ نستنشقها، إلى الكبد والقلب والكلى والمخ، وحتى إلى الأجنة في الأرحام.

في خريف 2021، كشفت تحقيقات صحفية، في كندا، وجود مواد ضارة في الملابس التي يقتنيها الكنديون عبر مواقع التسوق الصينية. 

في سترة أطفال تم شراؤها من موقع Shein الصيني، اثبتت الاختبارات وجود ما يقارب 20 ضعفا من كمية الرصاص المسموح بها قانونية لأسباب صحية. 

وبحسب موقع وزارة الصحة الكندية، يتسبب الرصاص بأضرار في الدماغ والقلب والكلى والجهاز التناسلي. 

الرضّع والأطفال والحوامل هم الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر. 

رغم أن الرصاص عنصر طبيعي يمكن  العثور عليه في البيئة المحيطة، تتجاوز نسبته في الملابس الصينية، وفق نتائج الدراسة، مستويات التلوث البيئي، أو الكميات الصغيرة التي تتعرض لها الملابس عن غير قصد أثناء عمليات التصنيع. 

إثر التحقيقات الكندية، أعلنت شركة Shein سحب قطع ملابس، وأكد المتحدث باسم الشركة "الامتثال لمعايير السلامة"، الا أن الاتهامات تصاعدت لتطال كبريات منصات التسوق الصينية، مثل TEMU وAli Express. 

وأكدت نتائج فحوص مختبرية، أجريت في كوريا الجنوبية وفرنسا، ارتفاع نسب المواد السامة في منتجات الموضة السريعة الصينية. 

يقول نيكولاس لوريس، الخبير في شؤون الطاقة والسياسات البيئية إن مواد سامة تُستخدم في جميع أنواع الصناعات تقريبا، لكن ضمن معايير محددة تحمي العمال والمستهلكين، وتحافظ على البيئة. 

"مشكلة النموذج الصيني هي أنهم يتجاهلون كل هذه المعايير، وهنا يكمن الخطر الحقيقي". 

إغراء الأسعار

التقارير عهن سموم المواد البيتروكيمياوية لم تحُل دون تهافت الزبائن ـ حول العالم ـ على الصناعات الصينية. 

الأسعار مغرية.

لهذا، تسبق الصين دول العالم في إنتاج الأنسجة وتصديرها.

في عام 2022، شكلت صادرات الصين من المنسوجات 43 في المئة من الصادرات العالمية. وفي عام 2023، أنتجت الصين 19.36 مليار قطعة ملابس. وبلغ حجم صادرات الصين عام 2024 أكثر من 301 مليار دولار.

وساهمت شركات الموضة السريعة الصينية على نحو كبير في تحقيق هذا التفوق. وبحسب أرقام منظمة التجارة العالمية، تشحن شركتا TEMU وShein مجتمعتين، حوالي 9000 طن من البضائع إلى دول حول العالم يوميا، أي ما يساوي حمولة 88 طائرة بوينغ عملاقة. 

تقول هدى حلبي، وهي حرفية متخصصة في الخياطة، إن البضاعة الصينية اليوم تغزو العالم، لكن غالبيتها غير صالحة للخياطة. "لا تملك الناس المال لشراء النوعية الجيدة للأقمشة ولذلك تشتري الأرخص وسرعان ما يقومون برميه".

وفرة نفايات

ما يظنه المستهلك توفيرا، يدفعه أضعافا، تقول حلبي، في سباق محموم للحاق بصيحات الموضة السريعة. وتضيف دارين شاهين، إعلامية، خبيرة موضة لبنانية، أن الدخول في لعبة الترند والموضة يجعلنا ندفع بضع دولارات على بعض الألبسة لنقوم بالنهاية برميها إلى النفايات. 

وتتابع حلبي أن "الأزياء التي تعتمد على الكلاسيكية، الأزياء البطيئة، هي قطع ممكن شراؤها من ماركات عالمية، وهي غالبا تكون أسعارها مكلفة أكثر، ولكن بطبيعة الحال تكون أنواع القماش من مواد صديقة للبيئة، مثل القطن العضوي، ويكون عمر هذه القطعة أطول، ويمكن أن نرتديها أكثر من ثلاثين مرة من دون رميها".

"إنتاج ضخم + ملابس قصيرة العمر = ملايين الأطنان من نفايات الملابس سنويا على مستوى العالم؛" معادلة بسيطة، وفق ما يؤكده لـ"الحرة" سامي ديماسي، مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا.

 يتم التخلص من 92 مليون طن من نفايات المنسوجات سنويا، يقول ديماسي، "أي ما يعادل شاحنة قمامة مليئة بالملابس كل ثانية".

ويشير تقرير لموقع Firstpost الإخباري أن الصين هي المصنِّع والمستهلك الأكبر للملابس في العالم، وهي أيضا المساهم الأعلى في نفايات المنسوجات. ينتهي المطاف سنويا بحوالي 26 مليون طن من الملابس في مكبات النفايات ـ معظمها منسوج من مواد صناعية غير قابلة لإعادة التدوير.

عدم قابلية الألياف الصناعية على التحلل عضويا، وصعوبة إعادة تدويرها، جعلا من المكبات والمحارق، المستقر النهائي لنفايات الملابس.

تؤكد تقارير دولية أن كميات قليلة من هذه النفايات تم التخلص منها بطرق آمنة. ويقول ديماسي لـ"الحرة" إن 8 في المئة فقط من ألياف المنسوجات في عام 2023 صُنعت من مواد أعيد تدويرها، وأقل من واحد بالمئة من إجمالي سوق الألياف مصدره منسوجات أعيد تدويرها، "وهذا يبيّن أن هناك كثيرا من المنسوجات التي لا يعاد تدويرها، ترمى في النفايات، أو تحرق أو ترمى في المياه".

ألوان الأنهار

إلقاء نفايات الملابس في المسطحات المائية ليس سوى مصدر من مصادر  التلوث في الصين. فمصانع الأزياء تتخلص من ملايين الأطنان من المياه الملوثة في المجاري المائية. 

ومن المفارقات الشائعة ـ المقلقة ـ في الصين، أنه يمكن التنبؤ بألوان موضة الموسم من خلال متابعة مياه الأنهار. ويؤكد تقرير لمجلة "فوردهام" للقانون الدولي أن (70%) من البحيرات والأنهار (و90%) من المياه الجوفية في الصين ملوثة، ما يهدد الحياة البرية وإمكانية وصول المواطنين إلى مياه نظيفة. 

وتقدّر مجموعة البنك الدولي أن ما بين (17% و 20%) من التلوث الصناعي للمياه في الصين ناتج عن عمليات صباغة ومعالجة المنسوجات. 

علاوة على ذلك، تحتوي المياه في الصين على 72 مادة كيميائية سامة مصدرها صباغة المنسوجات؛ 30 مادة منها لا يمكن إزالتها من المياه.

ألوان الهواء

يقول مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا، سامي ديماسي، لـ"الحرة" إن سلسلة قيمة المنسوجات، كل عام، تشير إلى أنها مسؤولة عن نحو 8 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري. 

لا تقتصر المسألة على الأضرار البيئة اليوم، يقول ديماسي؛ الأضرار ستمتد لعقود قادمة. "والأجيال الشابة التي ترى في الموضة السريعة فرصة لشراء منتجات رخيصة جدا، يفرحون بها أمام أصدقائهم، لا يدركون التكلفة الاقتصادية والبيئية لتلك الصناعة". 

رغم كل هذه الآثار البيئية، تبقى العروض المغرية والأسعار التي تصعب مقاومتها، أحد الأسباب وراء لجوء المستهلكين إلى مواقع التسوق الصينية.

فهم يستطيعون تحمل تكاليفها، لكن ـ مرة أخرى ـ يبقى السؤال قائما: هل يستطيعون بالفعل؟