الولايات المتحدة تفكر في عقد اتفاق مؤقت مع إيران
الولايات المتحدة تفكر في عقد اتفاق مؤقت مع إيران

ذكرت مصادر أميركية وإسرائيلية لموقع "أكسيوس" أن مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، اقترح على نظيره الإسرائيلي، إيال حولاتا، فكرة اتفاق مؤقت مع إيران، لكسب مزيد من الوقت في مفاوضات إعادة الاتفاق النووي 2015.

وأخبر مصدران أميركيان مطلعان كاتب التقرير "باراك رافيد" أن ما حدث كان مجرد "عصف ذهني"، وأشارا إلى أن سوليفان كان يعرض فكرة طرحتها إحدى الدول الأوروبية.

وأرجع الموقع الأميركي سبب اقتراح صفقة مؤقتة إلى أن التقدم النووي الهائل لإيران جعل طهران قريبة جدا من مستويات تخصيب اليورانيوم اللازمة لصنع سلاح نووي.

وبحسب المصادر الأميركية، الاقتراح هو أنه مقابل تجميد إيران تخصيب اليورانيوم، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة أو تقديم إعفاءات من العقوبات على السلع الإنسانية.

وقال حولاتا لسوليفان إنه يعتقد أنها "ليست فكرة جيدة"، وأرجع ذلك إلى قلق إسرائيل من أن أي اتفاق مؤقت سيصبح اتفاقا دائما يسمح لإيران بالحفاظ على بنيتها التحتية النووية ومخزون اليورانيوم، بحسب ما أخبر مسؤول إسرائيلي الموقع الأميركي.

اقتراح "معقول"

من جانبه، قال الباحث في مركز كوينسي، جوزيف سيرينسيوني، إن هذا اقتراح "معقول"، مشيرا إلى أنه ليس بديلا عن خطة العمل الشاملة المشتركة، بل جسر يساعد على العودة إليها. 

وأضاف سيرينسيوني في حديثه مع موقع "الحرة" أن سوليفان يحاول التوصل إلى اقتراح لتقييد الأنشطة النووية الإيرانية إلى أن يتفق الطرفان على إعادة إحياء الاتفاق النووي 2015.

واعتبر سيرينسيوني أن "من غير المرجح موافقة إيران" على الاقتراح، وأشار إلى أن "بيت القصيد من خطواتهم الأخيرة، ومنها زيادة نسبة التخصيب إلى 60%، هو الضغط على الولايات المتحدة لرفع جميع العقوبات والعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة". وأكد أنه من غير المرجح أن تستغني طهران عن هذا السياسة.

في المقابل، يرى مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أليكس فاتانكا، أنه يمكن التوصل إلى اتفاق مؤقت، مشيرا إلى أن طهران قبلت اتفاقا مؤقتا في عام 2013.

وأضاف فاتانكا في حديثه مع موقع "الحرة" أن إيران ستقبل بذلك طالما تشعر أن هناك ما تكسبه.  وتابع: "تحتاج طهران إلى شيئين على المدى القصير: أن تكون قادرة على بيع نفطها، وأن تكون قادرة على تحويل الأموال بالدولار الأميركي إلى إيران". 

وأكد أن الاتفاق المؤقت يمكن أن يوفر الوقت اللازم لإبرام صفقة نووية طويلة الأجل ومستدامة.

وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إنها تعتقد أن إيران زادت من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب في انتهاك لاتفاق 2015 مع القوى العالمية.

أخبرت الوكالة الدول الأعضاء في تقريرها السري ربع السنوي، الأربعاء، أن إيران التي تمتلك مخزونا قدره 17.7 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء تصل إلى 60 بالمائة، زادت مخزونها بنحو 8 كيلوغرامات منذ أغسطس.

وهذا اليورانيوم عالي التخصيب يمكن تنقيته بسهولة ليصل لدرجة صنع أسلحة نووية، ولهذا سعت الدول لاحتواء برنامج إيران النووي.

من الصعب قبول إيران

مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، محمد صالح صدقيان، يعتقد من جهته، أنه في ظل سيطرة حكومة أصولية متشددة على إيران، من الصعب أن تقبل طهران بهذا الاقتراح.

وقال صدقيان لموقع "الحرة" إن تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي تطالب بإزالة جميع العقوبات وليس تعليقها عاما أو اثنين، تؤكد أنها لن تقبل بهذا المقترح.

وفي اتصال آخر مع سوليفان، الثلاثاء، شدد مستشار الأمن القومي الإسرائيلي أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يجب أن يضغطوا من أجل إصدار قرار ضد إيران في اجتماع الأسبوع المقبل للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، حسبما قال مصدر مطلع على المحادثات.

وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الإسرائيلي إن تفاصيل هذه القصة غير دقيقة، لكنه لم يحدد التفاصيل غير الدقيقة، ولم ينف مناقشة فكرة الصفقة المؤقتة، بحسب الموقع.

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية على طلب تعليق من "الحرة" حول مضمون تقرير أكسيوس، حتى الآن.

وكانت إيران وست قوى دولية توصلت في 2015 إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي أتاح رفع العديد من العقوبات التي كانت مفروضة عليها، مقابل الحد من أنشطتها النووية وضمان سلمية برنامجها، مع برنامج تفتيش من الوكالة الدولية يعد من الأكثر صرامة في العالم.

وباتت بنود الاتفاق في حكم اللاغية منذ 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة منه أحاديا في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات قاسية على إيران. وردا على ذلك، بدأت إيران عام 2019 بالتراجع تدريجيا عن تنفيذ عديد من التزاماتها الأساسية بموجب الاتفاق.

وأبدى الرئيس الأميركي، جو بايدن، منذ توليه استعداده لإعادة بلاده إلى الاتفاق، بشرط عودة إيران لالتزاماتها. وخاضت الأطراف المعنية، وبمشاركة غير مباشرة من واشنطن، ست جولات مباحثات في فيينا بين أبريل ويونيو.

وبعد توقف دام 5 أشهر بسبب تعنت طهران، من المقرر أن تستأنف المفاوضات نهاية الشهر الجاري في فيينا.

مهمة صعبة

وقال سيرينسيوني: "من المرجح أن تذهب إيران بمطالب متطرفة لا تستطيع الولايات المتحدة تلبيتها". وتوقع أن يتم تأجيل المحادثات مرة أخرى وتعود الوفود إلى عواصمهما دون التوصل لاتفاق.

وأضاف: "هذا يزيد من خطر تصعيد بعض الصراعات في المنطقة إلى حرب. إيران تلعب بالنار".

بدوره، قال صدقيان إن "هذه الجولة من المفاوضات ستكون معقدة وصعبة، لأنها مع حكومة إيرانية جديدة"، مشيرا إلى أنه حتى الآن لم تعلن طهران هل ستستكمل على المفاوضات القديمة أم ستبدأ من جديد.

من جانبه، أرجع سجاد صفائي، الباحث في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية بألمانيا، في مقال تحليلي في مجلة "فورين بوليسي" صعوبة إحياء الاتفاق النووي، إلى الدبلوماسيين الإيرانيين الذين يقودون عمليات المفاوضات منذ أن أصبح إبراهيم رئيسي رئيسا لإيران.

وأشار إلى أن وزير الخارجية الجديد، حسين أمير عبد اللهيان، يتبنى أحيانا وجهات نظر خاطئة حول اتفاق 2015، ويقدم مطالب متطرفة مثل إلغاء واشنطن تجميد 10 مليارات دولارات قبل العودة إلى المفاوضات.

كما أكد أن كبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقر كني، يتمتع بسجل حافل من العداء القوي والصريح للاتفاق، المكلف بالتفاوض حول إحيائه. 

وتساءل صفائي في مقاله: "هل يمتلك مثل هؤلاء التوافق والبراعة الدبلوماسية والخبرة التكنوقراطية المطلوبة لمهمة معقدة ودقيقة مثل إحياء الاتفاق النووي".

وقال مصدر أميركي مطلع على سياسة الإدارة الأميركية، لموقع أكسيوس، إن نهج الولايات المتحدة هو الذهاب إلى فيينا بحسن نية ومعرفة ما تقترحه إيران.

وأكد المصدر أنه إذا قدم الإيرانيون مطالب متطرفة، فسيكون من الممكن للولايات المتحدة أن تدفع القوى العالمية الأخرى بما في ذلك روسيا والصين لزيادة الضغط على طهران.

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.