البرنامج النووي الإيراني موضع مناقشات بين إسرائيل والولايات المتحدة
البرنامج النووي الإيراني موضع مناقشات بين إسرائيل والولايات المتحدة

"الخيارات المفتوحة" تعني "كل الخيارات بما فيها العسكرية"، التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن للتعامل مع طهران إذا رفضت العودة للاتفاق النووي، يقول مراقبون ومتابعون للملف.

وتصدرت إيران وملفها النووي جلسات منتدى حوار المنامة 2021 المنعقد في البحرين، حيث ناقش الحاضرون احتمالات التعامل طهران في حال فشلت جولة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في نهاية الشهر الجاري.  

وكان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن قد أكد، السبت، موقف واشنطن بالقول  إن "خياراتنا ستكون مفتوحة في حال فشل الحلول الدبلوماسية". 

وجاءت تصريحات أوستن ردا على أسئلة خلال مؤتمر "حوار المنامة" حول استعداد واشنطن للجوء إلى خيار عسكري في المنطقة إذا لزم الأمر، وذلك قبل أقل من 10 أيام على استئناف مفاوضات فيينا الرامية لإحياء الاتفاق النووي المبرم في 2015. 

وقال أوستن في كلمته خلال المؤتمر إن "تهديدات إيران ووكلائها واسعة النطاق. يجب أن نعمل معا للدفاع المشترك عن أمن المنطقة ويجب على إيران أن تعلم أنها لا تستطيع أن تقوض علاقاتنا مع دول المنطقة".

وحول نقاشات حوار المنامة 2021، قال زميل أبحاث سياسة الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حسن الحسن، أن النقاشات في هذا المنتدى الذي يعد أهم تجمع فكري معني بالشؤون الاستراتيجية والأمنية بالمنطقة، تبلورت على ثلاثة محاور، كان أهمها إيران.

وأضاف الحسن في حديثه مع موقع "الحرة" من المنامة، أن هناك تعنتا إيرانيا من خلال استغلال الرغبة الأميركية بالعودة للاتفاق للمماطلة في المفاوضات وتسريع عمليات تخصيب اليورانيوم. وأضاف أن عدم حدوث تقدم في سير المفاوضات يؤدي حتميا إلى فشلها.  

من جانبه، يعتقد الخبير في الاقتصاد السياسي، عمر العبيدلي، أن المفاوضات بإحياء اتفاقية 2015 المعروفة باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" ستفشل على الأرجح.  

وقال العبيدلي لموقع "الحرة" إن "احتمال إعادة الاتفاق النووي أمر ضئيل جدا".  

المنطقة أمام خيارين

وتسعى واشنطن للعودة بالالتزام بالاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى الدولية الكبرى، بينما تنظر دول المنطقة في الطرف العربي من الخليج إلى جارتهم على أنها تمارس سلوكا مزعزعا للاستقرار وتعول على الولايات المتحدة في مساعدتها في ردع إيران. 

وخاضت الولايات المتحدة منذ أبريل ست جولات مفاوضات غير مباشرة مع إيران في العاصمة النمساوية فيينا لإعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في العام 2018 بشكل أحادي وفرض عقوبات قاسية على إيران.  

ومن المقرر أن تستأنف المفاوضات في 29 نوفمبر الجاري في فيينا. 

ويرى الحسن أن "دول المنطقة أمام خيارين كلاهما أمر من الآخر ...  الأول يتمثل في السؤال: فيما لو أعيدت الصفقة، فهل تسعى الولايات المتحدة للحد من نشاط إيران الإقليمي ودعمها للجماعات المسلحة، بالإضافة لبرنامجها الصاروخي؟ الثاني وهو عدم الوصول لاتفاق وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع التوتر بالمنطقة مما يعرض أمن دول مجلس التعاون للخطر".  

وأضاف أن "معالجة البرنامج النووي يعني انسحاب أميركي من المنطقة. والانسحاب ليس بمعنى خروج القوات والعتاد العسكري، بل عدم الرغبة في لعب دور استراتيجي ملموس ... للرد على الاستفزازات الإيرانية".  

استبعد العبيدلي، من جهته، خروج الولايات المتحدة من المنطقة حال وصولها لاتفاق لإحياء صفقة 2015، وهو اتفاق يحظى بمعارضة شديدة لدى دول الخليج العربية وإسرائيل على حد سواء. 

وقال إن ما يطرح "عن تراجع في اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط مبالغ فيه ... الأمر يعود للنفط العربي وأهميته للاقتصاد الأميركي وكذلك أهمية النفط العربي للصين أيضا التي تعتمد على موارد الطاقة في الشرق الأوسط".  

وأشار العبيدلي إلى أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن المنطقة مهما كانت نتيجة المفاوضات مع  إيران، وأن واشنطن ستستمر في الوجود الأمني على اعتبار وجود ممرات مائية حيوية تعبر من خلالها موارد الطاقة، في وقت تنظر فيه بكين إلى المنطقة باهتمام كبير.  

خيارات واشنطن لردع طهران

وفي حين يعتقد العبيدلي أن خيارات الولايات المتحدة "محدودة" للتعامل مع إيران حال فشلت المفاوضات النووية، يعتقد الحسن أن واشنطن تملك خيارين: مزيد من العزلة الدبلوماسية والضغوطات الاقتصادية أو الخيار العسكري عن طريق إسرائيل.  

وقال الحسن: "السيناريو الأول يبقى الأرجح من خلال تحشيد الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين والمجتمع الدولي لتحقيق عزلة دبلوماسية أكبر، بالإضافة إلى ممارسة ضغط اقتصادي"، مردفا أن "الخيار العسكري يظل محتملا. لكن الاحتمال الأكبر في هذا السيناريو أن تتخذ إسرائيل بدورها الخطوات العسكرية ... لا يمكن تجاهل التصعيد العسكري المباشر من إسرائيل وهو احتمال يبقى مطروح على الطاولة".  

ومع ذلك، أوضح أن الخيار العسكري يحتاج لتفكير جدي وتخطيط لمعرفة تبعاته على المنطقة. 

"الذهاب حتى النهاية"

ويرى خبراء ومحللون أميركيون أن لدى الولايات المتحدة عدة خيارات للتعامل مع طهران، أهمها الذهاب حتى النهاية في اعتماد الطرق الدبلوماسية، لكنها في النهاية تضع الخيار العسكري في الحسبان في حال فشل الخيار الأول.

يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة واشنطن وليان لورانس إن "كل الخيارات تعني كل الخيارات"، في إشارة منه لتصريحات وزير الدفاع لويد أوستن.

ويضيف لورانس في حديث لموقع "الحرة" أن "الولايات المتحدة يمكنها استخدام جميع الأدوات المتاحة للضغط على إيران سواء العسكرية أو غيرها".

ومن بين هذه الأدوات، وفقا لورانس، العقوبات والتحركات الدبلوماسية ومبيعات الأسلحة لحلفائها في المنطقة ووجود عسكري أكبر في الخليج.

في المقابل يصف الخبير في الأمن الدولي جيم وولش الوضع حاليا بين الولايات المتحدة وإيران بأنه "معقد جدا"، لكنه أشار إلى أن واشنطن "لا تبحث عن الخيار العسكري مادامت إيران ليست قريبة من الحصول على سلاح نووي".

يقول وولش لموقع "الحرة" إن "التلويح بالخيار العسكري على ما يبدو ليس هو النقطة الأساسية، ولن يكون مطروحا إلا إذا حصل تصعيد كبير للأزمة بين الجانبين".

ويرى وولش أن "الخيار الوحيد للولايات المتحدة في الوقت الحالي هو اعتماد الدبلوماسية".

لم يكن حديث وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن عن الخيارات الأخرى ضد إيران في حال فشلت الدبلوماسية، هو الأول الذي تلمح له واشنطن ضد طهران.

ففي 27 أغسطس أكد الرئيس الأميركي جو بايدن أن بلاده لن تلجأ إلى القوة العسكرية إلا "كخيار أخير".

وقال بايدن خلال لقاء جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في البيت الأبيض: "نضع الدبلوماسية في المقام الأول وننتظر لنرى إلى أين ستأخذنا ... ولكن إذا فشلت الدبلوماسية، فنحن على استعداد للتحول إلى خيارات أخرى".

والجمعة، أكد المبعوث الأميركي إلى إيران، روبرت مالي أن بايدن لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وحذر من أن طهران تقترب من نقطة اللاعودة لإحياء الاتفاق النووي بعدما عززت مخزونها من اليورانيوم المخصب قبل استئناف المحادثات هذا الشهر.

يقول لورانس إن "الولايات المتحدة ستتجنب استخدام العمل العسكري إذا كان من الممكن اتخاذ إجراءات أخرى للضغط على إيران".

ويؤكد أن "واشنطن ستحتفظ بخيار الرد العسكري لمنع إيران من حيازة السلاح النووي وإثارة سباق تسلح نووي في الخليج".

يتفق نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إيريك بروير، مع هذا الرأي ويشير إلى أن "على الولايات المتحدة الاحتفاظ بالخيار العسكري، والبقاء منفتحة في الوقت ذاته على الحل الدبلوماسي".

ويرى بروير في مقال نشره موقع "فورين أفيرز" هذا الأسبوع، أن "العمل العسكري سيكون أسهل بكثير من السماح لطهران بالحصول على السلاح النووي". 

في وقت سابق من الشهر الماضي، قال عسكريون إسرائيليون كبار إن قواتهم تستعد لاحتمال نشوب صراع مسلح مع إيران ووكلائها في المنطقة.  

وذكر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي اللفتنانت جنرال، أفيف كوخافي، أن الجيش الإسرائيلي "يسرع الخطط العملياتية والاستعداد للتعامل مع إيران والتهديد العسكري النووي".  

في المقابل، رد قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري الإيراني، العميد أمير علي حاجي زاده، قائلا إن النظام الوحيد الذي يتحدث عن البقاء هو إسرائيل، "لذا، نظام يتحدث عن وجوده محكوم عليه بالتدمير ولا يمكن أن يتحدث عن تدمير دول أخرى".  

من جهته، استبعد العبيدلي الخيار العسكري في مواجهة إيران كليا. وقال إن "العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة (خلال عهد ترامب) جاءت دون التنسيق مع الدول الأخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ... اعتقد استمرار النهج ذاته في حال فشل المفاوضات، أو البحث في خيارات أخرى مع احتمالية رفع العقوبات".

إلى ذلك، شدد الحسن على أن "مكافحة سلوك إيراني يتطلب جهدا جماعيا جبارا من قبل دول المنطقة والشركاء الاستراتيجيين".

"لا حلول واضحة"  

وكان الأسطول الأميركي الخامس أجرى مناورة مشتركة في مياه البحر الأحمر هي الأولى من نوعها بمشاركة القوات البحرية الإسرائيلية والإماراتية والبحرينية خلال وقت سابق من الشهر الحالي.  

وقال قائد البحرية الإسرائيلية الذي تقاعد قبل أيام في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس إن البحرية الإسرائيلية كثفت أنشطتها في البحر الأحمر "بشكل كبير" في مواجهة التهديدات الإيرانية المتزايدة للشحن البحري الإسرائيلي.   

ووصف نائب الأدميرال، إيلي شارفيت، الأنشطة الإيرانية في أعالي البحار بأنها مصدر قلق إسرائيلي كبير، وقال إن البحرية قادرة على الضرب حيثما كان ذلك ضروريا لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية للبلاد.  

وبعد اتفاقية إبراهيم في صيف 2020، التي جاءت برعاية الولايات المتحدة، انخرطت الإمارات والبحرين بشكل كبير في التعاون الأمني مع إسرائيل بعد عام على العلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل.  

وفي هذا الصدد، قال الحسن إن الدول الخليجية التي دخلت في علاقات مع إسرائيل، حريصة على ألا تفهم إيران أن الاتفاقيات الإبراهيمية تهدف إلى مواجهة إيران.  

وأكد وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف الزياني، في حوار المنامة، السبت، أن معاهدة إبراهيم ليست تكتلا يواجه أي طرف، في إشارة إلى إيران.  

وأضاف الحسن أنه "من البديهي أن تفهم إيران التحركات الخليجية على أنها موجهة لها وستقوم بالتصرف على هذا الأساس، خاصة بعد التدريبات العسكرية المشتركة في البحر الأحمر".  

وتعكس الاتفاقيات الإبراهيمية التداخل في المصالح بين الدول في ملفات إقليمية عدة، وذلك يشمل إيران، وفقا للعبيدلي، الذي قال إن الأساس في الاتفاقيات هو "مصالح دول إبراهيم ولا ترتبط حصريا بإيران".  

في المقابل، لا تملك دول المنطقة "حلولا واضحة للتعامل مع التهديدات الإيرانية" كما يقول الحسن، الذي لا يرجح التأثير على سلوك إيران في المنطقة بعد فشل قوى دولية عظمى في ذلك أيضا، على حد تعبيره.  

وأعربت دول غربية في الآونة الأخيرة عن قلقها من تسارع البرنامج النووي الإيراني منذ العام 2019. وفي حين تتهم هذه الدول إيران بـ"انتهاك" الاتفاق، تؤكد طهران أن ما تقوم به هو "خطوات تعويضية" ردا على الانسحاب الأميركي.

واتخذت إيران سلسلة خطوات في المجال النووي، من أبرزها رفع مستوى تخصيب اليورانيوم (بداية الى 20 بالمئة ولاحقا إلى 60)، في حين أن الاتفاق النووي حدد سقف التخصيب عند نسبة 3,67 بالمئة.

وأفاد تقرير الأربعاء للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي يزور مديرها العام رافايل غروسي طهران الاثنين، أن إيران تواصل زيادة مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب.

وتشدد طهران على أن الأولوية بالنسبة إليها هي رفع العقوبات التي فرضت بعد الانسحاب الأميركي، وضمان ألا تنسحب واشنطن مجددا من الاتفاق، وفقا لمدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صادقيان.

يقول صادقيان لموقع "الحرة" إن "إيران تعتقد أن العقوبات هي المشكلة الأساسية، وفي حال استطاعت واشنطن حل هذا المشكلة فيمكن أن تبادر إيران".

ويضيف صادقيان أن "الكرة في ملعب واشنطن الآن، لأنها هي من انسحبت من الاتفاق وبالتالي عليها كسب ثقة طهران من جديد".

وفي ما يتعلق بتصريحات وزير الدفاع الأميركي يشير صادقيان إلى أنها تأتي في إطار "تحسين الوضع التفاوضي لكلا الجانبين" قبل استئناف المحادثات في فيينا.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".