البرنامج النووي الإيراني موضع مناقشات بين إسرائيل والولايات المتحدة
البرنامج النووي الإيراني موضع مناقشات بين إسرائيل والولايات المتحدة

"الخيارات المفتوحة" تعني "كل الخيارات بما فيها العسكرية"، التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن للتعامل مع طهران إذا رفضت العودة للاتفاق النووي، يقول مراقبون ومتابعون للملف.

وتصدرت إيران وملفها النووي جلسات منتدى حوار المنامة 2021 المنعقد في البحرين، حيث ناقش الحاضرون احتمالات التعامل طهران في حال فشلت جولة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في نهاية الشهر الجاري.  

وكان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن قد أكد، السبت، موقف واشنطن بالقول  إن "خياراتنا ستكون مفتوحة في حال فشل الحلول الدبلوماسية". 

وجاءت تصريحات أوستن ردا على أسئلة خلال مؤتمر "حوار المنامة" حول استعداد واشنطن للجوء إلى خيار عسكري في المنطقة إذا لزم الأمر، وذلك قبل أقل من 10 أيام على استئناف مفاوضات فيينا الرامية لإحياء الاتفاق النووي المبرم في 2015. 

وقال أوستن في كلمته خلال المؤتمر إن "تهديدات إيران ووكلائها واسعة النطاق. يجب أن نعمل معا للدفاع المشترك عن أمن المنطقة ويجب على إيران أن تعلم أنها لا تستطيع أن تقوض علاقاتنا مع دول المنطقة".

وحول نقاشات حوار المنامة 2021، قال زميل أبحاث سياسة الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حسن الحسن، أن النقاشات في هذا المنتدى الذي يعد أهم تجمع فكري معني بالشؤون الاستراتيجية والأمنية بالمنطقة، تبلورت على ثلاثة محاور، كان أهمها إيران.

وأضاف الحسن في حديثه مع موقع "الحرة" من المنامة، أن هناك تعنتا إيرانيا من خلال استغلال الرغبة الأميركية بالعودة للاتفاق للمماطلة في المفاوضات وتسريع عمليات تخصيب اليورانيوم. وأضاف أن عدم حدوث تقدم في سير المفاوضات يؤدي حتميا إلى فشلها.  

من جانبه، يعتقد الخبير في الاقتصاد السياسي، عمر العبيدلي، أن المفاوضات بإحياء اتفاقية 2015 المعروفة باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" ستفشل على الأرجح.  

وقال العبيدلي لموقع "الحرة" إن "احتمال إعادة الاتفاق النووي أمر ضئيل جدا".  

المنطقة أمام خيارين

وتسعى واشنطن للعودة بالالتزام بالاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى الدولية الكبرى، بينما تنظر دول المنطقة في الطرف العربي من الخليج إلى جارتهم على أنها تمارس سلوكا مزعزعا للاستقرار وتعول على الولايات المتحدة في مساعدتها في ردع إيران. 

وخاضت الولايات المتحدة منذ أبريل ست جولات مفاوضات غير مباشرة مع إيران في العاصمة النمساوية فيينا لإعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في العام 2018 بشكل أحادي وفرض عقوبات قاسية على إيران.  

ومن المقرر أن تستأنف المفاوضات في 29 نوفمبر الجاري في فيينا. 

ويرى الحسن أن "دول المنطقة أمام خيارين كلاهما أمر من الآخر ...  الأول يتمثل في السؤال: فيما لو أعيدت الصفقة، فهل تسعى الولايات المتحدة للحد من نشاط إيران الإقليمي ودعمها للجماعات المسلحة، بالإضافة لبرنامجها الصاروخي؟ الثاني وهو عدم الوصول لاتفاق وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع التوتر بالمنطقة مما يعرض أمن دول مجلس التعاون للخطر".  

وأضاف أن "معالجة البرنامج النووي يعني انسحاب أميركي من المنطقة. والانسحاب ليس بمعنى خروج القوات والعتاد العسكري، بل عدم الرغبة في لعب دور استراتيجي ملموس ... للرد على الاستفزازات الإيرانية".  

استبعد العبيدلي، من جهته، خروج الولايات المتحدة من المنطقة حال وصولها لاتفاق لإحياء صفقة 2015، وهو اتفاق يحظى بمعارضة شديدة لدى دول الخليج العربية وإسرائيل على حد سواء. 

وقال إن ما يطرح "عن تراجع في اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط مبالغ فيه ... الأمر يعود للنفط العربي وأهميته للاقتصاد الأميركي وكذلك أهمية النفط العربي للصين أيضا التي تعتمد على موارد الطاقة في الشرق الأوسط".  

وأشار العبيدلي إلى أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن المنطقة مهما كانت نتيجة المفاوضات مع  إيران، وأن واشنطن ستستمر في الوجود الأمني على اعتبار وجود ممرات مائية حيوية تعبر من خلالها موارد الطاقة، في وقت تنظر فيه بكين إلى المنطقة باهتمام كبير.  

خيارات واشنطن لردع طهران

وفي حين يعتقد العبيدلي أن خيارات الولايات المتحدة "محدودة" للتعامل مع إيران حال فشلت المفاوضات النووية، يعتقد الحسن أن واشنطن تملك خيارين: مزيد من العزلة الدبلوماسية والضغوطات الاقتصادية أو الخيار العسكري عن طريق إسرائيل.  

وقال الحسن: "السيناريو الأول يبقى الأرجح من خلال تحشيد الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين والمجتمع الدولي لتحقيق عزلة دبلوماسية أكبر، بالإضافة إلى ممارسة ضغط اقتصادي"، مردفا أن "الخيار العسكري يظل محتملا. لكن الاحتمال الأكبر في هذا السيناريو أن تتخذ إسرائيل بدورها الخطوات العسكرية ... لا يمكن تجاهل التصعيد العسكري المباشر من إسرائيل وهو احتمال يبقى مطروح على الطاولة".  

ومع ذلك، أوضح أن الخيار العسكري يحتاج لتفكير جدي وتخطيط لمعرفة تبعاته على المنطقة. 

"الذهاب حتى النهاية"

ويرى خبراء ومحللون أميركيون أن لدى الولايات المتحدة عدة خيارات للتعامل مع طهران، أهمها الذهاب حتى النهاية في اعتماد الطرق الدبلوماسية، لكنها في النهاية تضع الخيار العسكري في الحسبان في حال فشل الخيار الأول.

يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة واشنطن وليان لورانس إن "كل الخيارات تعني كل الخيارات"، في إشارة منه لتصريحات وزير الدفاع لويد أوستن.

ويضيف لورانس في حديث لموقع "الحرة" أن "الولايات المتحدة يمكنها استخدام جميع الأدوات المتاحة للضغط على إيران سواء العسكرية أو غيرها".

ومن بين هذه الأدوات، وفقا لورانس، العقوبات والتحركات الدبلوماسية ومبيعات الأسلحة لحلفائها في المنطقة ووجود عسكري أكبر في الخليج.

في المقابل يصف الخبير في الأمن الدولي جيم وولش الوضع حاليا بين الولايات المتحدة وإيران بأنه "معقد جدا"، لكنه أشار إلى أن واشنطن "لا تبحث عن الخيار العسكري مادامت إيران ليست قريبة من الحصول على سلاح نووي".

يقول وولش لموقع "الحرة" إن "التلويح بالخيار العسكري على ما يبدو ليس هو النقطة الأساسية، ولن يكون مطروحا إلا إذا حصل تصعيد كبير للأزمة بين الجانبين".

ويرى وولش أن "الخيار الوحيد للولايات المتحدة في الوقت الحالي هو اعتماد الدبلوماسية".

لم يكن حديث وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن عن الخيارات الأخرى ضد إيران في حال فشلت الدبلوماسية، هو الأول الذي تلمح له واشنطن ضد طهران.

ففي 27 أغسطس أكد الرئيس الأميركي جو بايدن أن بلاده لن تلجأ إلى القوة العسكرية إلا "كخيار أخير".

وقال بايدن خلال لقاء جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في البيت الأبيض: "نضع الدبلوماسية في المقام الأول وننتظر لنرى إلى أين ستأخذنا ... ولكن إذا فشلت الدبلوماسية، فنحن على استعداد للتحول إلى خيارات أخرى".

والجمعة، أكد المبعوث الأميركي إلى إيران، روبرت مالي أن بايدن لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وحذر من أن طهران تقترب من نقطة اللاعودة لإحياء الاتفاق النووي بعدما عززت مخزونها من اليورانيوم المخصب قبل استئناف المحادثات هذا الشهر.

يقول لورانس إن "الولايات المتحدة ستتجنب استخدام العمل العسكري إذا كان من الممكن اتخاذ إجراءات أخرى للضغط على إيران".

ويؤكد أن "واشنطن ستحتفظ بخيار الرد العسكري لمنع إيران من حيازة السلاح النووي وإثارة سباق تسلح نووي في الخليج".

يتفق نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إيريك بروير، مع هذا الرأي ويشير إلى أن "على الولايات المتحدة الاحتفاظ بالخيار العسكري، والبقاء منفتحة في الوقت ذاته على الحل الدبلوماسي".

ويرى بروير في مقال نشره موقع "فورين أفيرز" هذا الأسبوع، أن "العمل العسكري سيكون أسهل بكثير من السماح لطهران بالحصول على السلاح النووي". 

في وقت سابق من الشهر الماضي، قال عسكريون إسرائيليون كبار إن قواتهم تستعد لاحتمال نشوب صراع مسلح مع إيران ووكلائها في المنطقة.  

وذكر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي اللفتنانت جنرال، أفيف كوخافي، أن الجيش الإسرائيلي "يسرع الخطط العملياتية والاستعداد للتعامل مع إيران والتهديد العسكري النووي".  

في المقابل، رد قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري الإيراني، العميد أمير علي حاجي زاده، قائلا إن النظام الوحيد الذي يتحدث عن البقاء هو إسرائيل، "لذا، نظام يتحدث عن وجوده محكوم عليه بالتدمير ولا يمكن أن يتحدث عن تدمير دول أخرى".  

من جهته، استبعد العبيدلي الخيار العسكري في مواجهة إيران كليا. وقال إن "العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة (خلال عهد ترامب) جاءت دون التنسيق مع الدول الأخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ... اعتقد استمرار النهج ذاته في حال فشل المفاوضات، أو البحث في خيارات أخرى مع احتمالية رفع العقوبات".

إلى ذلك، شدد الحسن على أن "مكافحة سلوك إيراني يتطلب جهدا جماعيا جبارا من قبل دول المنطقة والشركاء الاستراتيجيين".

"لا حلول واضحة"  

وكان الأسطول الأميركي الخامس أجرى مناورة مشتركة في مياه البحر الأحمر هي الأولى من نوعها بمشاركة القوات البحرية الإسرائيلية والإماراتية والبحرينية خلال وقت سابق من الشهر الحالي.  

وقال قائد البحرية الإسرائيلية الذي تقاعد قبل أيام في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس إن البحرية الإسرائيلية كثفت أنشطتها في البحر الأحمر "بشكل كبير" في مواجهة التهديدات الإيرانية المتزايدة للشحن البحري الإسرائيلي.   

ووصف نائب الأدميرال، إيلي شارفيت، الأنشطة الإيرانية في أعالي البحار بأنها مصدر قلق إسرائيلي كبير، وقال إن البحرية قادرة على الضرب حيثما كان ذلك ضروريا لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية للبلاد.  

وبعد اتفاقية إبراهيم في صيف 2020، التي جاءت برعاية الولايات المتحدة، انخرطت الإمارات والبحرين بشكل كبير في التعاون الأمني مع إسرائيل بعد عام على العلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل.  

وفي هذا الصدد، قال الحسن إن الدول الخليجية التي دخلت في علاقات مع إسرائيل، حريصة على ألا تفهم إيران أن الاتفاقيات الإبراهيمية تهدف إلى مواجهة إيران.  

وأكد وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف الزياني، في حوار المنامة، السبت، أن معاهدة إبراهيم ليست تكتلا يواجه أي طرف، في إشارة إلى إيران.  

وأضاف الحسن أنه "من البديهي أن تفهم إيران التحركات الخليجية على أنها موجهة لها وستقوم بالتصرف على هذا الأساس، خاصة بعد التدريبات العسكرية المشتركة في البحر الأحمر".  

وتعكس الاتفاقيات الإبراهيمية التداخل في المصالح بين الدول في ملفات إقليمية عدة، وذلك يشمل إيران، وفقا للعبيدلي، الذي قال إن الأساس في الاتفاقيات هو "مصالح دول إبراهيم ولا ترتبط حصريا بإيران".  

في المقابل، لا تملك دول المنطقة "حلولا واضحة للتعامل مع التهديدات الإيرانية" كما يقول الحسن، الذي لا يرجح التأثير على سلوك إيران في المنطقة بعد فشل قوى دولية عظمى في ذلك أيضا، على حد تعبيره.  

وأعربت دول غربية في الآونة الأخيرة عن قلقها من تسارع البرنامج النووي الإيراني منذ العام 2019. وفي حين تتهم هذه الدول إيران بـ"انتهاك" الاتفاق، تؤكد طهران أن ما تقوم به هو "خطوات تعويضية" ردا على الانسحاب الأميركي.

واتخذت إيران سلسلة خطوات في المجال النووي، من أبرزها رفع مستوى تخصيب اليورانيوم (بداية الى 20 بالمئة ولاحقا إلى 60)، في حين أن الاتفاق النووي حدد سقف التخصيب عند نسبة 3,67 بالمئة.

وأفاد تقرير الأربعاء للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي يزور مديرها العام رافايل غروسي طهران الاثنين، أن إيران تواصل زيادة مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب.

وتشدد طهران على أن الأولوية بالنسبة إليها هي رفع العقوبات التي فرضت بعد الانسحاب الأميركي، وضمان ألا تنسحب واشنطن مجددا من الاتفاق، وفقا لمدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صادقيان.

يقول صادقيان لموقع "الحرة" إن "إيران تعتقد أن العقوبات هي المشكلة الأساسية، وفي حال استطاعت واشنطن حل هذا المشكلة فيمكن أن تبادر إيران".

ويضيف صادقيان أن "الكرة في ملعب واشنطن الآن، لأنها هي من انسحبت من الاتفاق وبالتالي عليها كسب ثقة طهران من جديد".

وفي ما يتعلق بتصريحات وزير الدفاع الأميركي يشير صادقيان إلى أنها تأتي في إطار "تحسين الوضع التفاوضي لكلا الجانبين" قبل استئناف المحادثات في فيينا.

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك، قبل أن يؤذن له بالدخل للتبضع.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".