الإمارات سترسل وفدا إلى إيران قريبا
إيران تعهدت بفتح صفحة جديدة مع الإمارات

تسعى الإمارات وإيران لـ"فتح صفحة جديدة" من العلاقات بينهما، في محاولة لطي سنوات من الخلاف السياسي بين البلدين، وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن محللين يستبعدون تأثيرا كبيرا لهذه الخطوة على الأوضاع في المنطقة.

خلال الساعات الماضية، أعلن المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، أن بلاده سترسل قريبا وفدا إلى إيران في إطار مساعي تحسين العلاقات مع طهران، بحسب رويترز.

وأضاف قرقاش في معرض رده على سؤال عن الموعد الذي سيعقد فيه وفد إماراتي محادثات في طهران، قائلا: "كلما كان ذلك أقرب كان أفضل، وجميع أصدقائنا على دراية بذلك". وتابع: "الفكرة هي فتح صفحة جديدة في العلاقات".

وجاء هذا الإعلان بعد أسبوع من لقاء نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري كني، بقرقاش، ووزير الدولة الإماراتية خليفة المرر، في دبي.

"مزاج توافقي"

يرى المحلل السياسي الإماراتي، عبد الخالق عبدالله، أن المنطقة في حالة وصفها "مزاج توافقي تصالحي بعد عقد من الصراعات المنهكة"، معربا عن أمنيته أن تنتاب طهران مثل هذه الحالة.

ويقول عبدالله لموقع "الحرة" إن إيران، "برغم زعزعتها للاستقرار الإقليمي، فهي دولة جوار للإمارات لذلك يجب التعايش معها من خلال الحوار".

وكانت الإمارات بدأت حوارا مع إيران عام 2019 عقب هجمات على ناقلات قبالة مياه الخليج وعلى بنية تحتية سعودية في مجال الطاقة. 

ويأتي تحسن العلاقات مع إجراء محادثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى في فيينا في محاولة لإحياء اتفاق 2015 النووي، الذي انتقدته دول خليجية عربية لعدم تصديه لبرنامج إيران الصاروخي ووكلائها الإقليميين.

وقال قرقاش: "هناك تقدير من جانب الإيرانيين لإعادة بناء الجسور مع الخليج. نحن نتعامل مع ذلك بمنظور إيجابي". وأكد أن أبوظبي لا تزال لديها مخاوف إزاء أنشطة إيران الإقليمية، لكنها تريد العمل بجد من أجل تحسين العلاقات.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة إيران، حسين رويوران، يقول إن الحوار بين الإمارات وإيران وكذلك بين طهران والرياض يعكس إرادة إقليمية لسد الفراغ في المنطقة، عن طريق الحوار والتفاهم و"تجنب تداعيات غير مرضية لأي خلاف".

ويتحدث رويوران لموقع "الحرة" عما وصفها بـ"العلاقة الجديدة" التي  يجب أن تبنى على المصارحة والمكاشفة بسبب الاختلافات الكبيرة بين القوى الإقليمية، على حد قوله.

وبحسب رويوران، فإن اختيار دول المنطقة الحوار والتفاهم بعيدا عن التنافس والصراع يمكن أن يساعد في حل الكثير من الأزمات في المنطقة وفي مقدمتها حرب اليمن.

"ليس لها تأثير"

لكن في المقابل، استبعد مدير مركز القرن العربي للدراسات، سعد بن عمر، أي تأثير لهذه المحادثات على الأوضاع في المنطقة ما لم يتغير هرم السلطة في طهران، قائلا إن العلاقات الإماراتية الإيرانية لم تتأثر كثيرا بالأحداث والخلافات في المنطقة.

وبحسب بن عمر، فإن المصالح الإيرانية مع أبوظبي أكبر من أي دولة خليجية أخرى. وأوضح في حديثه مع موقع "الحرة"، من الرياض، أن دبي تعتبر النافذة التجارية لإيران، مشيرا إلى أنه رغم الخلافات لم تغلق الإمارات سفارتها في طهران.

ويرى بن عمر أن ما سماه قرقاش بـ"الصفحة الجديدة" يأتي في إطار إعادة التموضع الجديد في المنطقة، ومحاولات الولايات المتحدة تخفيف وجودها في الشرق الأوسط.

وبحسب معهد دول الخليج العربية في واشنطن، بلغت قيمة استثمارات إيران في الإمارات عام 2015 ما يصل إلى 200 مليار دولار.

وعام 2017 كانت الإمارات هي الشريك المستورد الرئيس لإيران، مع تجارة بينهما وصلت 12,9 مليار دولار، وقد شمل ذلك إلى حد كبير واردات من إيران إلى الفجيرة التي عملت كمزود وقود للسفن ومركز تخزين وقود للسفن التجارية. 

وعندما تمت مهاجمة السفارة السعودية في طهران في يناير 2016، خفضت الإمارات مستوى العلاقات، لكنها أبقت على تمثيلها الدبلوماسي في إيران على الرغم من قيام السعودية والبحرين ودول عديدة أخرى بقطع العلاقات مع طهران.

وعام 2020 انضمت الإمارات إلى الكويت وقطر لتقديم العون لإيران خلال جائحة فيروس كورونا.

"بمشاورة السعودية"

وعندما سئل قرقاش عما إذا كانت الإمارات تنسق مع السعودية بشأن تحركاتها تجاه إيران، قال إنها تضع حلفاءها الإقليميين "في الصورة".

وأضاف قرقاش أن الإمارات تشارك السعودية القلق إزاء هجمات حركة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران على مدن بالمملكة. وتتهم الرياض وحلفاؤها إيران بتزويد الحركة بالسلاح، وهي تهمة ينفيها الحوثيون وطهران..

والإمارات عضو في التحالف الذي تقوده السعودية لقتال الحوثيين في اليمن لكنها أنهت إلى حد بعيد وجودها العسكري على الأرض عام 2019.

يرى عبدالله أن السعودية ليست بعيده عن هذا الحوار، مشيرا إلى أنها أجريت 4 جولات من الحوار مع إيران، ورأى أن كل العواصم الخليجية على إطلاع بهذا التواصل بين أبوظبي وطهران.

كانت السعودية بدأت محادثات مباشرة مع إيران في أبريل، وصفتها الرياض بأنها "ودية" لكنها استكشافية إلى حد بعيد.

كما أكد بن عمر أن إعادة العلاقات بين طهران وأبوظبي تتم بمشاورة السعودية، متحدثا عن "تنسيق كبير" بين الإمارات والسعودية على مستوى السياسة الخارجية.

ويتفق رويوران مع هذا الرأي، ويؤكد أن هذه المفاوضات هي امتداد للمفاوضات السعودية الإيرانية في بغداد، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تشجع هذه المفاوضات.

شكل الصفحة الجديدة

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت السياسية الخارجية الإماراتية تغييرات كبيرة، فقد زار ولي عهد أبوظبي تركيا بعد عقد من الخلافات، كما التقى وزير الخارجية عبدالله بن زايد رئيس النظام السوري بشار الأسد.

وعن الشكل المتوقع للعلاقات الجديدة بين الإمارات وإيران مستقبلا يؤكد بن عمر أنها قد تشمل مزيدا من الاستثمارات والتمثيل الدبلوماسي.

أما عبدالله فيقول إن "أبوظبي تعرف جيدا ما الذي تريده من إيران، وفي مقدمة ذلك توقف سياسة التهديد والوعيد، والتدخل في شؤون الداخلية للدول المنطقة، ومعالجة أزمة الجزر عن طريق التحكيم، ووقف برنامجها الصاروخي والنووي، الذي يزيد التوتر في المنطقة".

وطالب عبدالله إيران أن تكون واضحة تماما فيما تريده من دولة الإمارات، مؤكدا أن الإمارات لم تخطئ بحق إيران ولم تحتل جزءا من أراضيها، على حد قوله.

يذكر أن كلا من الإمارات وإيران يطالبان بالسيادة على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى عند مدخل مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 40 في المئة من صادرات النفط العالمية المنقوله بحرا.

العراق وسوريا

لا تزال العلاقة الرسمية بين العراق وسوريا موضع حذر منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي. ويبدو الملف السوري محاطا بالإرباك، خصوصا على الجانب العراقي، ويدل على هذا الإرباك التعاطي الإعلامي مع أي تواصل رسمي بين البلدين، وكأن الطرفين في علاقة "محرّمة"، يحاول الإعلام الرسمي العراقي دائما مداراتها وإخفائها عن العيون ووسائل الإعلام.

حدث ذلك حينما زار حميد الشطري، رئيس جهاز الاستخبارات العراقية، سوريا في نهاية العام الماضي والتقى الشرع، ولم يُعلن عن الخبر في وسائل الإعلام العراقية الرسمية، ولم يكشف عن اللقاء إلا بعد ان تناولته وسائل الإعلام السورية. 

ومثل هذا الأمر حدث قبل أيام في لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني برعاية قطرية في الدوحة، واُخفي الخبر عن الإعلام ليومين قبل ان تظهر صور الرجلين في حضور أمير قطر.

ردّة الفعل في الشارع العراقي على اللقاء تفسّر إخفاء الخبر قبل الإفصاح عنه. فقد انقسم العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي حول المسألة، وهاجم كثيرون السوداني على قبوله الجلوس مع من يعتبرونه "متورطاً في الدم العراقي"، و"مطلوبا للقضاء العراقي".

الباحث القانوني العراقي علي التميمي يشرح الإطار القانوني الدولي المتعلق برؤساء الجمهوريات، في حال صحّت الأخبار عن أحكام قضائية ضد الشرع في العراق.

ويرى التميمي أن رؤساء الدول يتمتعون بـ"حصانة مطلقة تجاه القوانين الجنائية للدول الأخرى". ويشرح لموقع "الحرة" أن هذه الحصانة "ليست شخصية للرؤساء، بل هي امتياز للدول التي يمثلونها"، وهي تمنع إلقاء القبض عليهم عند دخولهم أراضي الدول الأخرى". 

ويشير التميمي إلى أن هناك استثناء واحداً لهذه القواعد، يكون في حال "كان الرئيس مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية وكانت الدولة المضيفة موقعة على اتفاقية روما ١٩٩٨ الخاصة بهذه المحكمة"، هنا، يتابع التميمي، تكون الدولة "ملزمة بتسليم هذا الرئيس الى المحكمة وفقاً لنظام روما الأساسي".

لكن هل حقا أحمد الشرع مطلوب للقضاء العراقي؟

ويشير الباحث العراقي عقيل عباس إلى "عدم وجود أي ملف قضائي ضد الشرع في المحاكم العراقية". 

ويستغرب كيف أن العراق الرسمي "لم يصدر بعد أي بيان رسمي يشرح ملابسات قضية الشرع وما يحكى عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، والجهات الرسمية لديها السجلات والحقائق، لكنها تركت الأمر للفصائل المسلحة وجمهورها وللتهويل والتجييش وصناعة بعبع (وحش مخيف) طائفي جديد، وكأن العراق لم يعان ما عاناه من الطائفية والتحريض الطائفي".

وكانت انتشرت وثيقة على وسائل التواصل الاجتماعي، تداولها عراقيون، عبارة عن مذكرة قبض بحق أحمد الشرع. وقد سارع مجلس القضاء الأعلى في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية في 26 من فبراير الماضي، إلى نفي صحة الوثيقة ووصفها بأنها "مزورة وغير صحيحة".

عباس مقتنع أن الغضب الشعبي من لقاء السوداني والشرع "وراءه أسباب سياسية مبرمجة، وليس تلقائياً، وجرى تحشيد الجمهور الشيعي لأسباب كثيرة، تصب كلها في مصالح إيران، غير السعيدة بسقوط بشار الأسد وحلول الشرع مكانه".

وبحسب عباس، منذ سقوط الأسد، "بدأت حملة في العراق لصناعة "بعبع" من الجولاني (أحمد الشرع)". يشرح: "يريد هؤلاء أن يقولوا ان تنظيم القاعدة يحكم سوريا، وهذا غير صحيح".

ويقول عباس لموقع "الحرة"، إن لدى الناس اسباباً موضوعية كثيرة للقلق من الشرع، خصوصاً خلفيته الجهادية المتطرفة ووضعه على لوائح الإرهاب، والشرع يقول إنه تجاوز هذا الأمر، "لكننا نحتاج ان ننتظر ونرى"، بحسب تعبيره.

ما قام به السوداني "خطوة ذكية وحكيمة سياسياً وتشير إلى اختلاف جدي بينه وبين بقية الفرقاء الشيعة في الإطار التنسيقي"، يقول عباس.

ويضيف: "هناك اعتبارات براغماتية واقعية تحكم سلوك السوداني، فهو كرئيس وزراء عليه أن يتعاطى مع سوريا كجار لا يجب استعداءه".

ويضيء الباحث القانوني علي التميمي على صلاحيات رئيس الحكومة في الدستور العراقي، فهو "ممثل الشعب داخلياً وخارجياً في السياسة العامة وإدارة شؤون البلاد بالطول والعرض"، وفق تعبيره، ورئيس الوزراء في العراق هو "بمثابة رئيس الجمهورية في الدول التي تأخذ بالنظام الرئاسي".

أما من الجانب السياسي، فإن السوداني، برأي عباس، "يخشى -وعن حق- ان تختطف حكومته المقبلة أو رئاسته للوزراء باسم حرب وهمية تديرها إيران والفصائل المسلحة وتشنّ في داخل سوريا تحت عنوان التحرير الذي نادى به المرشد الإيراني علي خامنئي قائلا إن شباب سوريا سيحررون بلدهم". وهذا يعني، بحسب عباس، ابتعاد السوداني عن التأثير الإيراني، و"أنا أتصور أن إيران غير سعيدة بهذا"، كما يقول.