بعد أن كانت الآمال تتجه لهدنة طويلة الأمد في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، سادت أجواء متوترة بين حركة حماس ومصر التي قادت وساطة أنهت 11 يوما من القتال خلال مايو الماضي.
وقبل يومين من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى القاهرة ولقائه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، الخميس، خرج قادة من حماس - لم يكشفوا عن هويتهم - ليتحدثوا إلى وسائل الإعلام عن استعدادهم للتصعيد ضد إسرائيل بداية من العام المقبل.
وخرجت تصريحات متطابقة في وسائل إعلام عربية مختلفة منسوبة إلى قادة حماس، مفادها أن الحركة تتهم مصر بالمماطلة في تنفيذ تعهداتها، وتتعمد تأخير عملية الإعمار.
وخلال استقبال الرئيس المصري لوزير الخارجية الإسرائيلي الذي قدم خطته "الاقتصاد مقابل الأمن"، أكد السيسي في بيان صادر عن المتحدث باسم الرئاسة، على مواصلة مصر لجهودها الرامية إلى تحقيق سلام شامل على أساس حل الدولتين وفق مرجعيات الشرعية الدولية، مشيرا إلى أن القاهرة تبذل "جهودا لإعادة الإعمار في قطاع غزة، فضلا عن مواصلة مصر لجهودها ذات الصلة بمنع نشوب حالة التوتر بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي".
وقال لابيد إن "مصر شريك استراتيجي مهم بشكل خاص لإسرائيل. هدفي هو تعزيز علاقاتنا مع مصر في القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية. من المهم مواصلة السعي من أجل السلام بين الشعبين".
وساهمت مصر في إنهاء جولة القتال الدامية بين إسرائيل وحماس في غزة خلال مايو الماضي، وتعهدت بالمساهمة في إعادة إعمار القطاع.
في الشهر الماضي، قال رئيس المخابرات المصري، اللواء عباس كامل، في تصريحات لموقع "واي نت" الإسرائيلي إنه يخطط أن يصل لإسرائيل لعرض الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، والنظر في صفقة تبادل الأسرى، وإمكانية وقف طويل الأمد لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس. لكن زيارة المسؤول المصري تأجلت.
بنية تحتية مدمرة
وعن أسباب التصريحات السلبية من حماس تجاه القاهرة، يرى عضو مجلس النواب المصري، عماد جاد، أن "سوء التفاهم" بين الحركة ومصر يعود لخلاف في طريقة إعادة الإعمار داخل القطاع بين الطرفين.
يوضح جاد في حديثه لقناة "الحرة" قائلا: "عندما أعلن الرئيس المساهمة بنصف مليار دولار لإعادة الإعمار لم يقدم المال نقدا، بل قال إن الشركات المصرية هي من ستنفذ عمليات إعادة الإعمار بمكونات وعمالة مصرية. في المقابل، حماس لا توافق على ذلك وتطلب المبالغ نقدا وهذا ما رفضته مصر".
ودخلت إسرائيل في جولة قتال دامية مع حركة حماس خلال مايو الماضي بعد توتر الأوضاع في القدس الشرقية على خلفية أزمة حي الشيخ جراح، ما أسفر عن تدمير ضخم لبنية قطاع غزة التحتية وسقوط ضحايا أغلبهم من الفلسطينيين.
ومن جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة في غزة، حسام الدجني، أن أسباب التوتر بين حماس والقاهرة تعود بالدرجة الأولى للوضع الإنساني للفلسطينيين الذين يعيشون بالقطاع، مما يزيد من الضغط على الفصائل وبالأخص حماس باعتبارها الحاكمة لقطاع غزة، وفق قوله.
وقال الدجني لموقع قناة "الحرة" إن "تأخر معالجة الواقع الإنساني في القطاع من إعادة الإعمار والفقر والبطالة والحصار الذي يعيشه سكان غزة" قد يساهم تدريجيا في انفجار الأوضاع مجددا.
في المقابل، يلفت أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية، مئير مصري، إلى أن إسرائيل دمرت ما يزيد عن ثلث بنية حماس التحتية في جولة القتال الأخيرة، بحسب تقديرات جيش الدفاع الإسرائيلي.
في حديثه لموقع "الحرة"، أردف مصري بقوله إن "حماس هي التي طالبت بوقف إطلاق النار بعد يومين من القتال وترجت المصريين للتوسط. إسرائيل كانت تفضل استمرار حملتها العسكرية لاستكمال مهمة تنظيف القطاع من الأنفاق والبنية الإرهابية".
ولا يرى مصري، وهو عضو اللجنة المركزية لحزب العمل الإسرائيلي، أن هناك جديدا في التوتر بين حماس والقاهرة، قائلا: إن حماس هي من "تتملص من التزاماتها" وأن "العلاقة بين مصر وحماس لم تكن جيدة في أي وقت من الأوقات" بل أن القاهرة تتعامل مع الحركة "من باب التعاطي مع الأمر الواقع ونظرا للأوضاع المعيشية المتردية في القطاع المنكوب".
ملف "تبادل الأسرى"
يرى الدجني أن "إسرائيل تربط الهدنة (الطويلة) بعودة الجنود"، في إشارة إلى صفقة "تبادل الأسرى" المحتملة التي تتفاوض عليها الأطراف الثلاثة.
وتحتفظ حماس برفات جنديين إسرائيليين قتلا في حرب 2014. كما أن الحركة تحتجز مدنيين إسرائيليين اثنين يُعتقد أنهما على قيد الحياة، هما هشام السيد وأفيرا مينغيستو، وفق صحيفة "جيروزاليم بوست".
ولا يمكن ربط المساعدات الإنسانية والهدنة بملف الأسرى، إذ أنه من الممكن أن يتم حل الأزمة الإنسانية بشكل أسرع دون انتظار المسار السياسي على اعتبار أنها الوضع الإنساني ملحا ويحتاج لمعالجة "اليوم قبل غدا" كما يقول الدجني.
وفي هذا الإطار، يعتقد الدجني أنه من الضرورة أن تتدخل الأطراف الدولية للوصول لتفاهمات وإنجاح المبادرة المصرية.
وشدد على أهمية أن تمارس الولايات المتحدة تحديدا ضغوطا على كل الأطراف من أجل هدنة طويل الأمد وهي مطلب يريده كل الأطراف.
وتابع: "إذا نجحت واشنطن في إنجاز ملف الهدنة طويلة الأمد والضغط على إنجاز صفقة تبادل الأسرى، ستحدث هناك انفراجه تؤسس لهدوء واستقرار طويل بعد تجاوز المعضلة الإنسانية وهذا ينسجم مع التوجهات الدولية والإقليمية ومصالح حكومة بينيت".
في الاتجاه الآخر، قال مصري إن إسرائيل "غير متحمسة" لهذه الصفقة بنفس قدر الحركة الفلسطينية بسبب عدم قبول الرأي العام لها.
وتابع: "حماس تتاجر برفات جنديين إسرائيليين، الشيء الذي يتنافى مع الأعراف الدولية والشرائع الإسلامية واليهودية التي تحرم مثل هذه الممارسات. عوضا عن اختطاف الحركة لشابين معاقين ذهنيا ظنا منها أن إسرائيل سوف تفرج عن مئات الإرهابيين المسجونين في إسرائيل مقابل" إطلاق سراحهم.
وانتقد مصري حكومة بنيامين نتانياهو السابقة بسبب الإفراج عن أكثر من ألف سجين فلسطيني مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وقال إن الصفقة "رفعت من سقف أطماع حماس".
وأشار مصري إلى أن "الرأي العام الإسرائيلي لن يقبل بصفقة مماثلة ولا سيما بعد أن ثبُت تورط العديد من السجناء التي أفرجت عنهم إسرائيل في عمليات إرهابية جديدة راح ضحاياها مدنيين إسرائيليين".
وفي عام 2011، كانت مصر توسطت في صفقة مماثلة أفرجت حركة حماس من خلالها عن الجندي شاليط، مقابل إطلاق سراح السلطات الإسرائيلية 1027 سجينا فلسطينيا على دفعتين.
وفي هذا السياق، أوضح جاد أن مصر لا تزال تعمل على الوساطة بين حماس وإسرائيل وتثبيت هدنة طويلة الأمد وحل كافة الإشكاليات العالقة بين الطرفين. لكن مسألة نجاح المبادرة المصرية يعتمد أيضا على حسابات حركة حماس، بحسب ما يقول جاد.
يشرح جاد ذلك بقوله إن "علاقة حماس القوية بإيران التي تدخل في مواجهة مع إسرائيل" لها دور كبير على اعتبار أن جزء من حسابات طهران هي استخدام حماس وحزب الله للرد على إسرائيل حال وجود ضربة عسكرية على المنشآت النووية.
وأضاف: "مسألة أن تسمح إيران لحماس بتوقيع هدنة طويلة الأمد من عدمه من الممكن أن يؤثر سلبا على الجهود المصرية".
