السيسي يبحث مع وزير الخارجية الإسرئيلي تثبيت الهدنة مع غزة
السيسي يبحث مع وزير الخارجية الإسرئيلي تثبيت الهدنة مع غزة | Source: Facebook: Egy.Pres.Spokesman

بعد أن كانت الآمال تتجه لهدنة طويلة الأمد في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، سادت أجواء متوترة بين حركة حماس ومصر التي قادت وساطة أنهت 11 يوما من القتال خلال مايو الماضي.

وقبل يومين من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى القاهرة ولقائه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، الخميس، خرج قادة من حماس - لم يكشفوا عن هويتهم - ليتحدثوا إلى وسائل الإعلام عن استعدادهم للتصعيد ضد إسرائيل بداية من العام المقبل. 

وخرجت تصريحات متطابقة في وسائل إعلام عربية مختلفة منسوبة إلى قادة حماس، مفادها أن الحركة تتهم مصر بالمماطلة في تنفيذ تعهداتها، وتتعمد تأخير عملية الإعمار. 

وخلال استقبال الرئيس المصري لوزير الخارجية الإسرائيلي الذي قدم خطته "الاقتصاد مقابل الأمن"، أكد السيسي في بيان صادر عن المتحدث باسم الرئاسة، على مواصلة مصر لجهودها الرامية إلى تحقيق سلام شامل على أساس حل الدولتين وفق مرجعيات الشرعية الدولية، مشيرا إلى أن القاهرة تبذل "جهودا لإعادة الإعمار في قطاع غزة، فضلا عن مواصلة مصر لجهودها ذات الصلة بمنع نشوب حالة التوتر بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي".

وقال لابيد إن "مصر شريك استراتيجي مهم بشكل خاص لإسرائيل. هدفي هو تعزيز علاقاتنا مع مصر في القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية. من المهم مواصلة السعي من أجل السلام بين الشعبين".

وساهمت مصر في إنهاء جولة القتال الدامية بين إسرائيل وحماس في غزة خلال مايو الماضي، وتعهدت بالمساهمة في إعادة إعمار القطاع.

في الشهر الماضي، قال رئيس المخابرات المصري، اللواء عباس كامل، في تصريحات لموقع "واي نت" الإسرائيلي إنه يخطط أن يصل لإسرائيل لعرض الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، والنظر في صفقة تبادل الأسرى، وإمكانية وقف طويل الأمد لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس. لكن زيارة المسؤول المصري تأجلت.

بنية تحتية مدمرة

وعن أسباب التصريحات السلبية من حماس تجاه القاهرة، يرى عضو مجلس النواب المصري، عماد جاد، أن "سوء التفاهم" بين الحركة ومصر يعود لخلاف في طريقة إعادة الإعمار داخل القطاع بين الطرفين.

يوضح جاد في حديثه لقناة "الحرة" قائلا: "عندما أعلن الرئيس المساهمة بنصف مليار دولار لإعادة الإعمار لم يقدم المال نقدا، بل قال إن الشركات المصرية هي من ستنفذ عمليات إعادة الإعمار بمكونات وعمالة مصرية. في المقابل، حماس لا توافق على ذلك وتطلب المبالغ نقدا وهذا ما رفضته مصر".

ودخلت إسرائيل في جولة قتال دامية مع حركة حماس خلال مايو الماضي بعد توتر الأوضاع في القدس الشرقية على خلفية أزمة حي الشيخ جراح، ما أسفر عن تدمير ضخم لبنية قطاع غزة التحتية وسقوط ضحايا أغلبهم من الفلسطينيين. 

ومن جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة في غزة، حسام الدجني، أن أسباب التوتر بين حماس والقاهرة تعود بالدرجة الأولى للوضع الإنساني للفلسطينيين الذين يعيشون بالقطاع، مما يزيد من الضغط على الفصائل وبالأخص حماس باعتبارها الحاكمة لقطاع غزة، وفق قوله.

وقال الدجني لموقع قناة "الحرة" إن "تأخر معالجة الواقع الإنساني في القطاع من إعادة الإعمار والفقر والبطالة والحصار الذي يعيشه سكان غزة" قد يساهم تدريجيا في انفجار الأوضاع مجددا.

في المقابل، يلفت أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية، مئير مصري، إلى  أن إسرائيل دمرت ما يزيد عن ثلث بنية حماس التحتية في جولة القتال الأخيرة، بحسب تقديرات جيش الدفاع الإسرائيلي. 

في حديثه لموقع "الحرة"، أردف مصري بقوله إن "حماس هي التي طالبت بوقف إطلاق النار بعد يومين من القتال وترجت المصريين للتوسط. إسرائيل كانت تفضل استمرار حملتها العسكرية لاستكمال مهمة تنظيف القطاع من الأنفاق والبنية الإرهابية". 

ولا يرى مصري، وهو عضو اللجنة المركزية لحزب العمل الإسرائيلي، أن هناك جديدا في التوتر بين حماس والقاهرة، قائلا: إن حماس هي من "تتملص من التزاماتها" وأن "العلاقة بين مصر وحماس لم تكن جيدة في أي وقت من الأوقات" بل أن القاهرة تتعامل مع الحركة "من باب التعاطي مع الأمر الواقع ونظرا للأوضاع المعيشية المتردية في القطاع المنكوب".

ملف "تبادل الأسرى"

يرى الدجني أن "إسرائيل تربط الهدنة (الطويلة) بعودة الجنود"، في إشارة إلى صفقة "تبادل الأسرى" المحتملة التي تتفاوض عليها الأطراف الثلاثة.

وتحتفظ حماس برفات جنديين إسرائيليين قتلا في حرب 2014. كما أن الحركة تحتجز مدنيين إسرائيليين اثنين يُعتقد أنهما على قيد الحياة، هما هشام السيد وأفيرا مينغيستو، وفق صحيفة "جيروزاليم بوست".

ولا يمكن ربط المساعدات الإنسانية والهدنة بملف الأسرى، إذ أنه من الممكن أن يتم حل الأزمة الإنسانية بشكل أسرع دون انتظار المسار السياسي على اعتبار أنها الوضع الإنساني ملحا ويحتاج لمعالجة "اليوم قبل غدا" كما يقول الدجني.

وفي هذا الإطار، يعتقد الدجني أنه من الضرورة أن تتدخل الأطراف الدولية للوصول لتفاهمات وإنجاح المبادرة المصرية.

وشدد على أهمية أن تمارس الولايات المتحدة تحديدا ضغوطا على كل الأطراف من أجل هدنة طويل الأمد وهي مطلب يريده كل الأطراف.

وتابع: "إذا نجحت واشنطن في إنجاز ملف الهدنة طويلة الأمد والضغط على إنجاز صفقة تبادل الأسرى، ستحدث هناك انفراجه تؤسس لهدوء واستقرار طويل بعد تجاوز المعضلة الإنسانية وهذا ينسجم مع التوجهات الدولية والإقليمية ومصالح حكومة بينيت".

في الاتجاه الآخر، قال مصري إن إسرائيل "غير متحمسة" لهذه الصفقة بنفس قدر الحركة الفلسطينية بسبب عدم قبول الرأي العام لها.

وتابع: "حماس تتاجر برفات جنديين إسرائيليين، الشيء الذي يتنافى مع الأعراف الدولية والشرائع الإسلامية واليهودية التي تحرم مثل هذه الممارسات. عوضا عن اختطاف الحركة لشابين معاقين ذهنيا ظنا منها أن إسرائيل سوف تفرج عن مئات الإرهابيين المسجونين في إسرائيل مقابل" إطلاق سراحهم.

وانتقد مصري حكومة بنيامين نتانياهو السابقة بسبب الإفراج عن أكثر من ألف سجين فلسطيني مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وقال إن الصفقة "رفعت من سقف أطماع حماس".

وأشار مصري إلى أن "الرأي العام الإسرائيلي لن يقبل بصفقة مماثلة ولا سيما بعد أن ثبُت تورط العديد من السجناء التي أفرجت عنهم إسرائيل في عمليات إرهابية جديدة راح ضحاياها مدنيين إسرائيليين".

وفي عام 2011، كانت مصر توسطت في صفقة مماثلة أفرجت حركة حماس من خلالها عن الجندي شاليط، مقابل إطلاق سراح السلطات الإسرائيلية 1027 سجينا فلسطينيا على دفعتين.

وفي هذا السياق، أوضح جاد أن مصر لا تزال تعمل على الوساطة بين حماس وإسرائيل وتثبيت هدنة طويلة الأمد وحل كافة الإشكاليات العالقة بين الطرفين. لكن مسألة نجاح المبادرة المصرية يعتمد أيضا على حسابات حركة حماس، بحسب ما يقول جاد.

يشرح جاد ذلك بقوله إن "علاقة حماس القوية بإيران التي تدخل في مواجهة مع إسرائيل" لها دور كبير على اعتبار أن جزء من حسابات طهران هي استخدام حماس وحزب الله للرد على إسرائيل حال وجود ضربة عسكرية على المنشآت النووية.

وأضاف: "مسألة أن تسمح إيران لحماس بتوقيع هدنة طويلة الأمد من عدمه من الممكن أن يؤثر سلبا على الجهود المصرية".

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.