قبيل قمة خليجية مرتقبة هذا الشهر، أنهى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جولة في دول مجلس التعاون كان عنوانها الأبرز "الاقتصاد" مقارنة بتوافقات باهتة على قضايا سياسية كانت ولا تزال محل خلاف بين الجيران الخليجيين.
وأعطت نتائج الزيارة التي قام بها الحاكم الفعلي للمملكة لمحات عما سيهيمن على اجتماع القمة الخليجية الـ42 الذي يأتي بعد مصالحة مع قطر، وانفتاح عماني غير مسبوق على التعاون الاقتصادي مع السعودية.
يقول رئيس مجلس العلاقات العربية الدولية (كارنتر)، طارق آل شيخان الشمري، لموقع "الحرة" إن القمة التي ستعقد في المملكة منتصف الشهر الحالي سبقتها زيارة لإعادة ترتيب البيت الخليجي، وفق الرؤى الجديدة التي تعيشها دول الخليج "بعد تجربة مريرة لم تحقق التكامل السياسي والاقتصادي والعسكري بينها طوال تلك الفترة".
ويرى الشمري أن زيارة محمد بن سلمان حملت عنوانين؛ العنوان الرئيس هو إعادة تشكيل مفهوم الوحدة الخليجية وفق المعطيات المستقبلية، أما الثاني فهو التركيز على التكامل الاقتصادي مقارنة بالتكامل السياسي.
ويوضح الشمري قائلا: "تركيز دول الخليج سابقا كان على التكامل السياسي لكن هذا الأمر لم ينجح، وكان أكبر دليل على ذلك الأزمة الخليجية وما تبعها".
وكانت القمة بين الأمير محمد بن سلمان والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر هي الأولى منذ قررت السعودية والإمارات والبحرين ومصر إنهاء خلاف مع قطر بشأن سياستها الخارجية التي دفعت هذه الدول إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة.
كما أغلقت الدول الأربع الطرق البرية والجوية والبحرية مع قطر، واتهمت الدوحة بدعم الإرهاب، في إشارة إلى الجماعات الإسلامية، والتقرب من إيران، وهي خصم إقليمي لعدد من دول الخليج العربية. ونفت الدوحة الاتهامات.
وفي يناير الماضي، وافقت السعودية والإمارات والبحرين ومصر على إنهاء الخلاف. وقادت الرياض والقاهرة جهود إعادة العلاقات مع قطر، حيث عينتا سفيرين جديدين في الدوحة. بينما لم تحذ أبوظبي والمنامة حذوهما.
وقد أعادت قطر روابط التجارة والسفر مع السعودية والإمارات ومصر، دون البحرين.
يقول الشمري: "الآن أدركت دول الخليج، بقيادة السعودية، أن مفهوم الوحدة الخليجية الذي أرساه الآباء المؤسسون لا يتفق مع هذه المرحلة والمرحلة المقبلة".
ونتيجة لذلك يتم استبدال أولوية التكامل السياسي بالاقتصادي، وفقا للشمري الذي أضاف "أستطيع القول إن الزيارة كانت اقتصادية بالدرجة الأولى، وتمثل ذلك في توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة التي تحفظ لكل بلد خليجي أمنه واستقراره وارتباطه مع السعودية.
ويشير إلى هذه الاتفاقيات التي أبرمت ضمن مجالس التنسيق بين السعودية وبقية دول الخليج العربية. ومن بين هذه المجالس ما تم تأسيسه حديثا مثل الإمارات عام 2016، والكويت 2018، والبحرين 2019.
وفي هذا السياق، قالت وكالة الأنباء البحرينية، الخميس الماضي، إن الجهات والصناديق السعودية تستهدف استثمارات بخمسة مليارات دولار في مشاريع تنموية بالبحرين، وذلك عقب اجتماع بين ولي العهد السعودي والبحريني في المنامة.
أما مجلس التنسيق السعودي-العماني فقد تأسس في يوليو الماضي، خلال زيارة السلطان هيثم بن طارق لمدينة نيوم السعودية.
وفي بيان مشترك، الثلاثاء الماضي، أعلنت السعودية وسلطنة عُمان افتتاح الطريق البري السعودي العماني بطول 725 كيلومترا، ليسهم في التنقل السلس لمواطني البلدين وتكامل سلاسل التوريد.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن صندوق الاستثمارات العامة بالمملكة سوف يستثمر خمسة مليارات دولار في عُمان. وقالت الوكالة إن شركات عُمانية وسعودية وقعت 13 مذكرة تفاهم بقيمة 30 مليار دولار.
ويعلق الشمري قائلا: "رأينا كيف دخلت عمان بكل ثقلها في الشراكة والتحالف الاقتصادي مع المملكة من خلال مجلس التنسيق السعودي-العماني، الأمر الذي لم يحدث في السنوات السابقة".
بينما يعد مجلس التنسيق القطري-السعودي الأحدث وقد تم توقيع محضر تأسيسه خلال زيارة بن سلمان للدوحة، ويقول الشمري إنه "يحقق مطالب قطر وأمنها وكل ما تريده".
وكذلك قال الرئيس الإقليمي للمركز البريطاني لدراسات وأبحاث الشرق الأوسط، أمجد طه، لموقع "الحرة"، إن الاتفاق على الحل الاقتصادي كأحد الحلول البارزة لجميع الصراعات في المنطقة، إلى جانب منح الأولوية للحل السلمي، من أبرز نتائج زيارة ولي العهد السعودي.
خلاف سياسي
وعما إذا كان تم التطرق لقضايا سياسية تشهدها المنطقة مثل الملف النووي الإيراني والحرب في اليمن، يقول الشمري: "تم التطرق لقضايا سياسية ولكن وجهات نظر الدول الخليجية تختلف بشأنها، ولذا اقتصرت البيانات، التي تكون إما ضبابية أو عامة، على دعوة إيران إلى التجاوب مع المحادثات النووية مع القوى العالمية، والتأكيد على السلام في اليمن.
وقد تزامنت جولة ولي عهد السعودية مع محادثات بين إيران والقوى العالمية تهدف لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015، الذي تنتقده دول الخليج العربية وتقول إنه لا يعالج برنامج طهران الصاروخي ولا يتصدى لسلوكها الإقليمي.
والخميس الماضي، نقلت صحيفة "ذا ناشيونال" عن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، قوله إن العقوبات الإضافية على إيران "ليست حلا" في المحادثات النووية.
وفي أبريل الماضي بدأت السعودية محادثات مباشرة مع طهران، ووصفت الرياض المحادثات التي جرت في العراق بأنها استكشافية إلى حد بعيد.
وبينما ينظر إلى الحرب في اليمن على نطاق واسع على أنها حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، فإن لطهران علاقات تجارية عميقة مع الإمارات، كما تشاركها قطر أكبر حقل غاز في العالم.
وكذلك يضيف الشمري لهذه القائمة عمان التي تتبع "سياسة مستقلة تعتبرها خط أحمر لا يمكن تجاوزه".
ويفسر قائلا: "رأينا ذلك في علاقة السلطنة مع اليمن فهي تنادي بوحدة اليمن وتطالب أيضا بأمن المملكة، ونفس الشيء بالنسبة لقطر التي تربطها علاقات لا يمكن التفريط فيها مع إيران".
وأضاف "الاختلافات بين دول مجلس التعاون موجودة، والمملكة تعلم ذلك ولا تتوقع مثلا وقوف هذه الدول إلى جانبها في حالة الحرب، ولكن الحقيقة أن المملكة هي الضامن الأول للأمن الخليجي والعربي".
وتقود الرياض تحالفا عسكريا تدخل في اليمن، في مارس 2015، ضد حركة الحوثي، الموالية لإيران، بعدما أطاح الحوثيون بالحكومة المدعومة من السعودية من صنعاء أواخر عام 2014.
وعلى الجانب الآخر، يرى طه أن هناك تكامل فيما يتعلق برؤية دول مجلس التعاون لإيران، قائلا: "يوجد تنسيق وتضع دولة مثل الإمارات أمام إيران حلولا لعزلتها وخروجها من أزماتها".
ويكثف الحوثيون هجومهم للسيطرة على مأرب، وهي آخر معقل للحكومة المعترف بها دوليا في شمال اليمن، كما يكثفون هجماتهم في مناطق أخرى في البلاد.
ويضيف طه "السعودية والإمارات تدعمان نفس المسار؛ أحدهما يفاوض والآخر في الجبهة. ومن ينتصر في الجبهة يستطيع التفاوض بشكل مباشر وأقوى".
ويرى طه أن ما وصفه بـ"الحوار" الإماراتي مع إيران تنفيذا لرؤية أن تحل منطقة الشرق الأوسط أزماتها بنفسها.
القمة المرتقبة
ويتوقع الشمري أن تهيمن نتائج زيارة ولي العهد السعودي على قمة مجلس التعاون الخليجي المقبلة، حيث يقول الشمري: "ستكون بداية انطلاق لمجلس تعاون جديد، لأن الاقتصاد دائما يحرك السياسة، والتكامل الاقتصادي يقف حجر عثرة أمام النزوات السياسية"، على حد قوله.
ومضى يقول: "حينما تنفذ مشاريع عملاقة خصوصا في السعودية، وتستثمر الأموال الخليجية في منطقة الخليج فإن ذلك يقلل من الاحتقان السياسي ويمنح دول مجلس التعاون قوة أمان سياسي".
وتنافس السعودية من أجل أن تصبح مركزا تجاريا وسياحيا إقليميا، وهو مركز تشغله الإمارات منذ وقت طويل. ويصف طه هذا التنافس بـ"الإيجابي"، قائلا: "هذا ما تتطلبه المنطقة، فدبي تستضيف النسخة الحالية من إكسبو، والسعودية قدمت طلبا لاستضافة نسخة 2030".
وعما إذا كان سينعكس الخلاف السياسي على هذا الطموح الاقتصادي، يقول الشمري: "هذا ما كان يحدث سابقا حينما كانت السياسة تتحكم في الاقتصاد، أما الآن فقد تبدل الوضع، وسوف تنفذ قطر وعمان والإمارات مشاريع عملاقة في المملكة، وكذلك ستفعل السعودية في هذه الدول".
وتابع "جميع هذه الدول تؤمن بأن الأمن الاقتصادي سوف يحقق لها أضعاف ما يحققه الأمن السياسي والتغريد خارج السرب والبحث عن حلفاء سياسيين من خارج مجلس التعاون".
ويعتقد الشمري "ألا يكون الاحتقان والخوف من التفكك السياسي في دول الخليج على الأقل كما كان في السابق"، بعد هذه الزيارة.
وبعيدا عن التطور الاقتصادي لدول المجلس يتوقع طه أن تبحث الدول الخليجية عودة العلاقات مع لبنان، وتعيد السعودية فتح سفارتها في دمشق، وتعود سوريا لجامعة الدول العربية، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإماراتي لدمشق.
وأصبح وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، في العاشر من نوفمبر، أرفع مسؤول إماراتي يزور دمشق منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية قبل نحو عشر سنوات.
وكانت الزيارة هي الأحدث في سلسلة من الجهود الدبلوماسية التي تشير إلى تحول جار في الشرق الأوسط مع سعي العديد من الدول العربية إلى إحياء العلاقات مع رئيس النظام السوري بشار الأسد.