A handout image provided by United Arab Emirates News Agency (WAM) shows a view of gulf leaders attending the Gulf Cooperation…
اجتماعات القمة الخليجية عقدت في الرياض

في خضم موجة ثورات الربيع العربي عام 2011، أطلق العاهل السعودي الراحل، عبدالله بن عبدالعزيز، دعوة لانتقال دول الخليج العربي من مرحلة التعاون إلى الاتحاد وذلك على هامش القمة الخليجية الـ 32 التي استضافتها الرياض.

وعقب 10 سنوات من إعلان الملك عبدالله ومن العاصمة السعودية نفسها، أعاد البيان الختامي للقمة الخليجية الـ 42، إحياء هذه المبادرة بعد عام من رأب الصدع السياسي بين دول مجلس التعاون.

وقال إعلان قمة الرياض 2021، الثلاثاء، إن المجلس الأعلى وجه "بالاستمرار في مواصلة الجهود للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد"، حيث تم تكليف "المجلس الوزاري ورئيس الهيئة المتخصصة باستكمال اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، ورفع ما يتم التوصل إليه إلى المجلس الأعلى في دورته القادمة"، وفق ما نقلت وكالة أنباء البحرين (بنا).

ويرى الخبير الاقتصادي السعودي، فهد بن جمعة، أن تحقيق مبادرة الملك عبدالله بالاتحاد الخليجي ستكون من خلال تحول دول مجلس التعاون إلى كتلة اقتصادية واحدة.

بدوره، يذهب الخبير في الاقتصاد السياسي، عمر العبيدلي، في اتجاه مماثل بقوله إن إعلان الرياض ربما يشير إلى استكمال جهود تشغيل السوق الخليجية المشتركة.

وتعتمد السوق الخليجية المشتركة على المبدأ الذي نصت عليه المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية بأن "يُعامَل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية".

في المقابل، يرى رئيس مركز الرؤية للدراسات الاستراتيجية، فايز النشوان، أن الجانب الأمني يبقى أكثر أهمية بشأن انتقال دول مجلس التعاون إلى الاتحاد. وقال لموقع قناة "الحرة" إن "الهاجس الأمني مقدم على غيره" في إشارة إلى التحول للوحدة الاقتصادية التي أشار لها بيان الرياض.

"منافسة الكتل العالمية"

ودعا البيان الختامي للقمة الخليجية الـ 42 أيضا إلى استكمال "مقومات الوحدة الاقتصادية" وإنهاء "ما تبقى من خطوات لقيام الاتحاد الجمركي، والتنفيذ الكامل لمسارات السوق الخليجية المشتركة، وصولا إلى الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس بحلول عام 2025".

ويشرح فهد بن جمعة مفهوم الوحدة الاقتصادية في حديثه لموقع "الحرة" بأنه "نظام خليجي موحد في التجارة والاقتصاد والاستثمار تواكب الأنظمة الحديثة والمتغيرات التي فرضتها الجائحة". 

وأشار إلى أن "الأنظمة والإجراءات السابقة قد لا تتلاءم مع المتغيرات الجديدة ... التقنية والآليات الرقمية بات يعتمد عليها الاستثمار والاقتصاد" في زمن تفشي فيروس كورونا".

وقال فهد بن جمعة، وهو عضو سابق في مجلس الشورى السعودي، إن الوحدة الاقتصادي تعني أيضا التحول لأن تكون دول المجلس "كتلة اقتصادية واحدة تنافس الكتل الكبرى في العالم والقادرة على خلق بيئة استثمارية موحدة بين دول الخليج وتحفيز الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية".

من جهته، وفي حديثه لموقع "الحرة"، قال العبيدلي إن السوق الخليجية المشتركة واجهت تحديات في تشغيلها منذ إطلاقها العام 2008، حيث عملت الأمانة العامة بدول مجلس التعاون على معالجتها.

يشرح العبيدلي ذلك قائلا: "حسب أنظمة مجلس التعاون، لا توجد سلطة مركزية مستقلة تمتلك صلاحيات ملحوظة تسمح لها أن تعالج مثل هذه الثغرات، على عكس الاتحاد الأوروبي حيث توجد المفوضية الأوروبية للقيام بهذا الدور".

في ديسمبر 2007، أعلن بيان القمة الخليجية الـ 28 التي استضافتها الدوحة إطلاق السوق الخليجية المشتركة اعتبارا من يناير 2008.

محمد بن سلمان زار إكسبو في دبي
بعد جولة ولي عهد السعودية.. توقعات بمجلس تعاون "جديد" في ظل خلافات سياسية
قبيل قمة خليجية مرتقبة هذا الشهر، أنهى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جولة في دول مجلس التعاون كان عنوانها الأبرز "الاقتصاد" مقارنة بتوافقات باهتة على قضايا سياسية كانت ولا تزال محل خلاف بين الجيران الخليجيين.

من ناحية ثانية، وافق مجلس التعاون في إعلان الرياض الأخير على إنشاء الهيئة الخليجية للسكك الحديدية، وهي خطوة من شأنها أن تسرع تدشين مشروع القطار الخليجي المشترك الذي أقر على هامش الدورة الـ 30.

في هذا السياق، قال فهد بن جمعة إن "إنشاء هيئة السكك الخليجية الموحدة وتدشين الطريق البري بين السعودية وعمان يمثلان أهم الأسس لوضع البنية التحتية لربط دول الخليج وتعزيز التجارة المتبادلة وتسهيل تدفق البضائع بين الدول"، لافتا إلى أن "سهولة التنقل سواء للركاب أو البضائع أمر حاسم ومحدد للقوة الاقتصادية وبدونها لا يمكن تحقيق وحدة اقتصادية قوية ومتماسكة تنافس الكتل العالمية".

ولفت فهد بن جمعة إلى أن "الهدف القادم لمجلس التعاون هو توحيد الإجراءات الجمركية والسفر وإزالة جميع العوائق التي تعيق السفر أو تدفق البضائع وهذا يتحقق بالتكامل والاتحاد".

في هذا الاتجاه، قال النشوان إن الجمارك المفتوحة وحركة نقل البضائع مسائل متاحة لجميع الدول، مشيرا إلى أن دول المجلس تدفع باتجاه تعزيزها بشكل أكبر من خلال استخدام التكنولوجيا وتبادل البيانات.

"أثر إيجابي كبير"

إلى ذلك، قال فهد بن جمعة إن الاقتصاد الخليجي حال تحوله إلى كتلة واحدة "يجب أن يعتمد على نسبة لا تقل عن 70 بالمئة على الاستهلاك المحلي، مشيرا إلى أن ذلك "القوة الحقيقية حال تقلب أسعار النفط أو التغير في الاقتصاد العالمي".

وبيّن أن الاعتماد على الاستهلاك المحلي بنسبة 70 بالمئة "يضمن الاستقرار ويجعلها (دول الخليج) قوة فاعلة تستفيد من اقتصادها بشكل أكبر". 

وأوضح أن الجدول الزمني للتحول إلى الاتحاد الكامل سيكون بخطى متسارعة وربما يتم استكماله مع انتهاء الرؤى الاقتصادية لكل دولة.

وشدد فهد بن جمعة على أن يكون هناك استقرار سياسي وأمني لتحقيق الوحدة الاقتصادية، مردفا: "بدونها لن يتحقق شيء ودول الخليج تدرك التحديات والمخاطر الحالية".

وكان البيان الختامي للقمة الـ 42 أكد على أهمية "استكمال مقومات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة، وتنسيق المواقف بما يعزز من تضامن واستقرار دول مجلس التعاون، والحفاظ على مصالحها، ويُجنّبها الصراعات الإقليمية والدولية".

في هذا الإطار، يستبعد النشوان، تحول دول المجلس إلى اتحاد كونفدرالي على الأقل في هذه الفترة على اعتبار وجود بعض المشاكل السياسية بين بعض الدول، على حد قوله.

وقال إن "الوقت لا يزال غير مهيأ للتحول للاتحاد ... الطموحات كبيرة، ولكن ما تزال لدينا مشاكل داخلية".

وكانت السعودية والإمارات والبحرين ومعها مصر أيضا قاطعت قطر، وهي عضو في مجلس التعاون في منتصف العام 2017، حيث أغلقت الدول الأربع الطرق البرية والجوية والبحرية مع الدوحة واتهمتها بدعم الإرهاب.

وجاءت القمة الخليجية الـ 41 في مدينة العلا السعودية يناير الماضي لتعيد العلاقات الدبلوماسية مع قطر باستثناء البحرين التي وقعت هي الأخرى اتفاق العلا لكن تقارب المنامة والدوحة يظل ضئيلا مقارنة ببقية الدول.

وقال النشوان إن "مجلس التعاون لا يزال بحاجة إلى معالجة المشاكل السياسية للتحول للاتحاد ... هناك صداع في المجلس حتى بعد اتفاق العلا الذي يبدو أن مرئياته لم تترجم بما يقنع بعض الدول".

وأضاف: "السعودية تستطيع أن تدخل بثقلها وتحلحل المسائل بين البحرين وقطر على سبيل المثال ... المجلس يحتاج إلى معالجة المشاكل السياسية أولا في غضون عامين إلى ثلاثة ثم تبدأ عملية التحول للاتحاد".

بدوره، يعارض العبيدلي الرأي المطروح بشأن بدء مجلس التعاون التركيز على توحيد العمل المشترك في مجال الاقتصاد لحساب بقية القضايا الأخرى.

وقال: "لا أرى أن هذا صحيحا؛ لأن ما حققه مجلس التعاون منذ (تأسيسه) عام 1981 في المجال الاقتصادي هو كبير وله أثر إيجابي كبير".

وأضاف العبيدلي: "لكن توجد دائما فرص لتعزيز الأداء، وقد تكون هذه القمة وضعت بعض الخطط الجديدة".

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.