"لبنان بلد الحريات"
"لبنان بلد الحريات"

انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض لقرار وزير الداخلية والبلديات اللبناني بسام مولوي المتعلق بترحيل معارضين بحرينيين من جمعية "الوفاق" بعد المؤتمر الصحفي الذي عقد في بيروت، وذلك لاحتواء أزمة مع المنامة.

عقب المؤتمر أصدرت وزارة خارجية البحرين بياناً أعربت فيه عن "أسفها من استضافة العاصمة اللبنانية بيروت مؤتمراً صحفياً لعناصر معادية، لغرض بث وترويج مزاعم وادعاءات مسيئة ومغرضة ضد مملكة البحرين".

من جانبها سارعت الحكومة اللبنانية إلى إصدار بيان أعلنت من خلاله إدانتها ورفضها لما وصفته بأنه "تطاول على مملكة البحرين"، وأكد رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي رفضه "استخدام لبنان منطلقا للإساءة إلى مملكة البحرين والتطاول عليها، مثلما يرفض الإساءة إلى الدول العربية الشقيقة، ولا سيما منها دول مجلس التعاون الخليجي".

أصرت وزارة الداخلية اللبنانية كما قال مولوي لـ"الحرة" على "متابعة كافة التحقيقات والإجراءات الواجب اتخاذها توصلا لقرار ترحيل الأشخاص الذين اعتبرنا أنهم أساؤوا إلى دولة شقيقة وهي مملكة البحرين، وبالتالي هذه التصرفات هي مسيئة وتضر بمصالح الدولة اللبنانية".

وأضاف "نحن على اقتناع بالإجراءات التي اتخذناها تبعا لمصالح الدولة، فعلاقتنا كدولة لبنانية مع دول مجلس التعاون الخليجي علاقة ثابتة، وبالتالي واجبنا أن نحمي مجتمعاتهم من كل ما يعكر صفوها وأمنها ونظامها، وهذا الموضوع ننظر إليه من زاوية المصلحة اللبنانية نظرا للمصالح الاقتصادية والتجارية التي تربطنا بدول مجلس التعاون الخليجي، ولا يمكن للبنان تحمل تبعات ما قد يحصل عبر أو من لبنان وما من شأنه أن يضر بالدول الشقيقة".

وحول الاتصال الذي تلقاه من وزير داخلية مملكة البحرين كشف مولوي انه "اتصال عرض وجهة نظر مملكة البحرين، وتم استعراض الاجراءات التي قمنا بها كوزارة داخلية لبنانية".

ونفى الوزير مولوي أن تكون البحرين قد أملت عليه قرار الترحيل، وأضاف أن "إجراءات الترحيل ستتابع وفق القانون وعبر الأجهزة الأمنية المختصة"، وأكد أنه لا يقبل أن يكون لبنان معبرا أو مصدرا لأي عمل من شأنه أن يضر بأي دولة شقيقة".

القيادي في جمعية "الوفاق" مجيد ميلاد اعتبر قرار مولوي مرفوض قانوناً قبل أن يكون مرفوض انسانياً، معتبراً في حديث مع موقع "الحرة" أن "جمعية الوفاق في الخارج لم ترتكب جرماً بحسب القانون اللبناني يستدعي الترحيل، وهي حركة سلمية حتى عندما كانت في البحرين، تطالب بإصلاحات مشروعة في كل بلدان العالم".

"لبنان بلد الحريات"، كما قال ميلاد، وتابع: "بيروت معروفة بأنها بيروت العرب وتستقبل كل الجمعيات، فلماذا بالذات جمعية الوفاق يود وزير الداخلية أو رئيس وزراء لبنان ترحيل بعض أعضاء الجمعية وهم يكنون كل الاحترام إلى هذا البلد".

من جانبه، اعتبره الكاتب والباحث السياسي مكرم رباح قرار مولوي "جيد من ناحية التأكيد على أن الدولة اللبنانية تعمل لمنع تحوّل لبنان منصة معادية للدول العربية"، لكن المشكلة كما قال لموقع "الحرة" إنه "كان يجب أن تكون الخطوة استباقية، بمعنى كان يجب أن تكون الأجهزة الأمنية على علم بالمؤتمر الصحافي ومنعه من أن يتحول إلى منصة لمهاجمة البحرين".

وقلل رباح من تأثير قرار مولوي على الداخل اللبناني، قائلاً لموقع "الحرة": "لا أعتقد أن يكون لخطوة مولوي انعكاسات كبيرة، لسبب بسيط أن حزب الله قرر عدم المواجهة، فالمواجهة الحكومية هي أولوية بالنسبة له، إذ إن عزل القاضي بيطار عن ملف مرفأ بيروت أهم من فتح مواجهات جانبية وتشتيت اهتمام الحزب في هذه المرحلة".

كذلك اعتبر الكاتب والباحث السياسي قاسم قصير أن "لا انعكاسات لقرار مولوي على الداخل اللبناني"، شارحاً لموقع "الحرة" أن "القرار له طابع رمزي كموقف رسمي لبناني بعدم الرضا عما حصل، ومن الناحية العملية المسؤول في جمعية الوفاق الذي شارك في المؤتمر الالكتروني عاد أدراجه إلى لندن حيث يقيم، لذلك لا اجراء عملياً سيتخذه وزير الداخلية".

ويعتقد قصير أن الأمور ستنتهي عند هذا الحد، وإن كان هناك، كما قال "رد فعل في بيئة حزب الله على مواقف الوزير، لكن الحزب لم يصدر بيان رد أو استنكار".

لكن الكاتب والباحث السياسي البحريني عبد الله الجنيد تطرق في حديث مع موقع "الحرة" إلى جزئية البيان الصادر عن مولوي "اتخاذ كل الإجراءات والتدابير الآيلة إلى ترحيل أعضاء جمعية الوفاق البحرينية من غير اللبنانيين إلى خارج لبنان"، قائلاً "هل يتكرم علينا سعادة الوزير بتوضيح عبارة (من غير اللبنانيين)".

وإذا كان قصير أشار إلى أنه "لا يمكن منع أحد من الحديث عن حقوق الانسان وإبداء وجهة نظره، وكما نعلم الدبلوماسي اللبناني شارل مالك ساهم بكتابة وثيقة حقوق الانسان في الأمم المتحدة، ومعروف عن لبنان أنه يضم مختلف الآراء والاتجاهات"، فإن رباح قال: "نحن لا نتحدث عن قمع الحريات ومنع أحد من التعبير عن رأيه، لكن كجمعية غير لبنانية يجب أن يتم تطبيق القوانين المرعية الاجراء عليها"، مضيفاً "هذه الجمعيات وهؤلاء الأشخاص يحظون بتغطية حزب الله، لاسيما وأنهم موجودون في نطاقهم الجغرافي في الضاحية الجنوبية وغيرها أو يستفيدون من شبكة علاقاتهم".

وفي الوقت الذي اعتبر فيه قصير الموقف الرسمي اللبناني "من باب الحرص على العلاقة مع دول الخليج وقد تلقفته هذه الدول بإيجابية"، متسائلاً "معظم أعضاء جمعية الوفاق موجودون في لندن فهل تقطع البحرين علاقتها مع هذا البلد"؟ ورغم ذلك لا يعتقد رباح أن يحسّن قرار مولوي صورة لبنان أمام الدول الخليجية.

وشرح رباح "بعد بيان جدة تم وضع شروط أساسية على الدولة اللبنانية أو نوع من اختبار من أجل عودة لبنان إلى فلكه الطبيعي مع عالمه العربي، لكن إلى حد الآن فشل ميقاتي والدولة اللبنانية بالقيام بأي خطوة في الاتجاه الصحيح".

"ما قامت به الجمعية البحرينية دليل" كما قال رباح "على أنه لا زلنا نبتعد عن التطبيع مع العالم العربي على الرغم من مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون" التي يمكن وصفها بـ"رصاصة رحمة أكثر من كونها بادرة إيجابية للبنان الذي لم يستفد من الغطاء الدولي، كما أن دول الخليج على استعداد لإعادة العلاقات مع لبنان شرط أن تكون ندية وأن يتم وضع حد لحزب الله وهذا الأمر غير وارد في الوقت الحالي".

كلام رباح أكده الجنيد الذي اعتبر أن "ما يجب أن تدركه القيادة السياسية اللبنانية أن خطوات جبر الخواطر التقليدية لم تعد ذات فائدة في حلحلة الأزمة القائمة، حيث تطمح دول الخليج إلى استعادة لبنان لسيادته الوطنية على قراره، وكذلك إنقاذ لبنان من حال الدولة الفاشلة، وقد سبق للرياض أن أصدرت بياناً واضحاً حول ذلك إبان زيارة الرئيس ايمانويل ماكرون أخيراً".

وشدد الجنيد على ضرورة أن "يدرك لبنان السياسي، أنه امام استحقاقات لبنانية أولاً قبل أن تكون عربية أو دولية، وأن مثل هذه المناورات العبثية لن تسهم في تخليق توافقات قادرة على إعادة العلاقات لسابق عهدها، وكذلك على القيادات السياسية اللبنانية أن تدرك أن الموقف الخليجي منها وليس من الشعب اللبناني".

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.